وَ أَرْوِي أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِدَمِ الْبَعُوضِ وَ الْبَرَاغِيثِ وَ أَرْوِي لَيْسَ دَمُكَ مِثْلَ دَمِ غَيْرِكَ وَ نَرْوِي قَلِيلُ الْبَوْلِ وَ الْغَائِطِ وَ الْجَنَابَةِ وَ كَثِيرُهَا سَوَاءٌ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ إِذَا عَلِمَ بِهِ فَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ أَصَابَهُ أَمْ لَمْ يُصِبْهُ رَشَّ عَلَى مَوْضِعِ الشَّكِّ الْمَاءَ فَإِنْ تَيَقَّنَ أَنَّ فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَ لَمْ يَعْلَمْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ مِنَ الثَّوْبِ غَسَلَهُ كُلَّهُ. تحقيق و تفصيل اعلم أن العفو عما دون الدرهم نقل جماعة من الأصحاب عليه الإجماع إلا أنه يلوح من كلام ابن أبي عقيل نوع مخالفة فيه حيث حكى عنه في المختلف أنه قال إذا أصاب ثوبه دم فلم يره حتى صلى فيه ثم رآه بعد الصلاة و كان الدم على قدر الدينار غسل ثوبه و لم يعد الصلاة و إن كان أكثر من ذلك أعاد الصلاة و لو رآه قبل صلاته أو علم أن في ثوبه دما و لم يغسله حتى صلى غسل ثوبه قليلا كان الدم أو كثيرا و قد روي أنه لا إعادة عليه إلا أن يكون أكثر من مقدار الدينار. و كذا نقلوا الإجماع على عدم العفو عما زاد على الدرهم و اختلفوا فيما كان بقدر الدرهم فذهب الأكثر إلى وجوب إزالته و نقل عن المرتضى و سلار القول بالعفو عنه و الإزالة أحوط مع أن إجمال معنى الدرهم و عدم انضباطه مما ينفي فائدة هذا الخلاف إذ لم يثبت حقيقة شرعية فيه و كلام الأصحاب مختلف في تفسيره و تحديده فالمشهور بينهم أن الدرهم الوافي المضروب من درهم و ثلث و بعضهم وصفه بالبغلي. و قال المحقق هو نسبة إلى قرية بالجامعين و ضبطه جماعة بفتح الغين و تشديد اللام و قال ابن إدريس شاهدت درهما من تلك الدراهم تقرب سعته من سعة أخمص الراحة و هو ما انخفض منها و قال في الذكرى هو بإسكان الغين منسوب إلى رأس البغل ضربه الثاني في ولايته بسكة كسروية وزنه ثمانية دوانيق و عن ابن الجنيد سعته كعقد الإبهام الأعلى. ثم إن المشهور بين الأصحاب عدم الفرق في العفو بين الثوب و البدن و ربما يستشكل في البدن لورود أكثر الروايات في الثوب و قوله و الوافي إلى قوله علمت به أم لم تعلم ذكره الصدوق في الفقيه و فيه و إن كان الدم دون حمصة و هو أظهر. و يحتمل أن يكون المراد في الأول السعة و هنا الوزن أو المراد بالأول ما إذا لطخ به الثوب أو البدن و بالثاني ما إذا اجتمع و ارتفع و حصل له حجم أو يراد بالأول الثوب و بالثاني الدم الخارج من البدن. و يؤيد الأخير بل الثاني أيضا ما رواه الشَّيْخُ عَنْ مُثَنَّى بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ: قُلْتُ لَهُ إِنِّي حَكَكْتُ جِلْدِي فَخَرَجَ مِنْهُ دَمٌ فَقَالَ إِذَا اجْتَمَعَ مِنْهُ قَدْرُ حِمَّصَةٍ فَاغْسِلْهُ وَ إِلَّا فَلَا.. و الوجه الأول ذكره السيد في المدارك و قال الظاهر أن المراد بقدر الحمصة قدرها وزنا لا سعة و هو يقرب من سعة الدرهم و لا يخفى ما فيه إذ يمكن أن يلطخ بقدر الحمصة من الدم تمام الثوب و لا ندري أي شيء أراد بقربه من سعة الدرهم. و أما استثناء دم الحيض و أنه لا يعفى عن قليله و كثيره فهو مقطوع به في كلام الأصحاب و استندوا إلى - رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ مِنْ دَمٍ لَمْ تُبْصِرْهُ إِلَّا دَمَ الْحَيْضِ فَإِنَّ قَلِيلَهُ وَ كَثِيرَهُ إِنْ رَآهُ وَ إِنْ لَمْ يَرَهُ سَوَاءٌ. و قالوا ضعف سنده منجبر بعمل الأصحاب و ألحق الشيخ به دم الاستحاضة و النفاس و الراوندي دم نجس العين و في الجميع نظر. و أما الإعادة مع العلم و عدمه فهو بإطلاقه مخالف للمشهور و لسائر الأخبار و ظاهر الخبر اختصاص الحكم بدم الحيض و لم أر ذلك في كلامهم و سيأتي الكلام فيه و الفرق بين المسفوح و الرشح غير معهود في الروايات و لا يمكن إثباته بهذا الخبر. و قوله و أروي أنه لا يجوز لعله محمول على ما إذا لم تعسر إزالته و الفرق بين دمه و دم غيره أيضا مخالف للمشهور و يمكن أن يكون مبنيا على أنه جزء من حيوان لا يؤكل لحمه.
بحار الأنوار — كتاب الطهارة · نجاسة الدم و أقسامه و أحكامه