مَعَانِي الْأَخْبَارِ لِلصَّدُوقِ، عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْعَطَّارِ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ يَحْيَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ حَفْصٍ الْمَرْوَزِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ(عليه السلام)الْغُسْلُ صَاعٌ مِنْ مَاءٍ وَ الْوُضُوءُ مُدٌّ وَ صَاعُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم خَمْسَةُ أَمْدَادٍ وَ الْمُدُّ وَزْنُ مِائَتَيْنِ وَ ثَمَانِينَ دِرْهَماً وَ الدِّرْهَمُ وَزْنُ سِتَّةِ دَوَانِيقَ وَ الدَّانِقُ سِتَّةُ حَبَّاتٍ وَ الْحَبَّةُ وَزْنُ حَبَّتَيْ شَعِيرٍ مِنْ أَوْسَاطِ الْحَبِّ لَا مِنْ صِغَارِهِ وَ لَا مِنْ كِبَارِهِ. بسط كلام لا بد منه في تحقيق المقام اعلم أن الأخبار اختلفت في تحديد الصاع و المد و نقلوا الإجماع من الخاصة و العامة على أن الصاع أربعة أمداد و المشهور أن المد رطلان و ربع بالعراقي فالصاع تسعة أرطال به و المد رطل و نصف بالمدني فالصاع ستة أرطال به بل الشيخ ادعى عليه الإجماع و ذهب ابن أبي نصر من علمائنا إلى أن المد رطل و ربع و الرطل العراقي على المشهور أحد و تسعون مثقالا و مائة و ثلاثون درهما لأنهم اتفقوا على أن عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل و المثقال الشرعي هو الدينار الصيرفي المشهور و الدينار ثلاثة أرباع المثقال الصيرفي و الدرهم على المشهور ستة دوانيق و الدانق وزن ثمان حبات من أوسط حب الشعير. فظهر أن هذا الخبر يخالف المشهور بوجوه الأول في عدد الأمداد و قد عرفت اتفاقهم على الأربعة و يدل عليه أخبار صحاح كصحيحة الحلبي و صحيحة عبد الله بن سنان و صحيحة زرارة. و يؤيد هذا الخبر في عدد الأمداد ما رواه الشَّيْخُ فِي الْمُوَثَّقِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَمَاعَةَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الَّذِي يُجْزِي مِنَ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ فَقَالَ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِصَاعٍ وَ تَوَضَّأَ بِمُدٍّ وَ كَانَ الصَّاعُ عَلَى عَهْدِهِ خَمْسَةَ أَمْدَادٍ وَ كَانَ الْمُدُّ قَدْرَ رِطْلٍ وَ ثَلَاثِ أَوَاقٍ.. لكن فيه إجمال من جهة الرطل لاشتراكه بين العراقي الذي عرفت وزنه و بين المدني الذي هو رطل و نصف بالعراقي و بين المكي الذي هو رطلان بالعراقي و من جهة الأوقية أيضا إذ تطلق على أربعين درهما و على سبعة مثاقيل لكن الأول أشهر في عرف الحديث و في عرف الأطباء عشرة مثاقيل و خمسة أسباع درهم كما ذكره الجوهري و المطرزي و غيرهما و على التقادير لا ينطبق على شيء من التقديرات نعم لو حمل الرطل على المدني و الأوقية على سبعة مثاقيل يقرب من الصاع المشهور. الثاني في تقدير المد فإنه على المشهور مائتا درهم و اثنان و تسعون درهما و نصف درهم و على هذا الخبر مائتان و ثمانون درهما. الثالث في عدد حبات الدانق فإنها على المشهور ثمان حبات و عليه اثنتا عشرة حبة. الرابع في مقدار الصاع إذ الصاع على المشهور ألف و مائة و سبعون درهما و ما في هذا الخبر إذا حسب على الدراهم المشهورة يصير ألفين و مائة درهم. الخامس في مقدار الدرهم فإنه على المشهور ثمان و أربعون حبة من الشعير و على هذا الخبر اثنتان و سبعون حبة و المشهور أنسب بما عيرنا المثقال الصيرفي به لأنا عيرناه فكان ببعض الشعيرات اثنتين و ثمانين و ببعضها أربعا و ثمانين و ببعضها أكثر بقليل و ببعضها أكثر بكثير و الدرهم على ما عرفت نصف المثقال الصيرفي و ربع عشره. و ما مر من خبر الهمذاني موافق للمشهور إذ المراد بالوزنة الدرهم و لما رواه الشَّيْخُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ الْحَسَنِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمَذَانِيِّ قَالَ: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي الْفِطْرَةِ فَكَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ صَاحِبِ الْعَسْكَرِ(عليه السلام)أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَكَتَبَ أَنَّ الْفِطْرَةَ صَاعٌ مِنْ قُوتِ بَلَدِكَ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ(عليه السلام)تَدْفَعُهُ وَزْناً سِتَّةَ أَرْطَالٍ بِرِطْلِ الْمَدِينَةِ وَ الرِّطْلُ مِائَةٌ وَ خَمْسَةٌ وَ تِسْعُونَ دِرْهَماً تَكُونُ الْفِطْرَةُ أَلْفاً وَ مِائَةً وَ سَبْعِينَ دِرْهَماً. و على ما ذكره الفيروزآبادي من أن الوزنة المثقال فلا يناسب هذا الخبر. و أما خبر ابن أبي عمير فالقفيز مشتبه لترديد اللغويين فيه قال الفيروزآبادي القفيز مكيال ثمانية مكاكيك و قال المكوك كتنور مكيال يسع صاعا و نصفا أو نصف رطل إلى ثمان أواقي أو نصف الويبة و الويبة اثنان و عشرون أو أربعة و عشرون مدا بمد النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتهى فلا يمكن استنباط حكم منه على التحقيق فبقي التعارض بين خبر المروزي و خبر الهمذاني و يمكن الجمع بينهما بوجوه. الأول ما اختاره الصدوق ره كما يظهر من الفقيه بحمل خبر المروزي على صاع الغسل و خبر الهمذاني على صاع الفطرة حيث ذكر الأول في باب الغسل و الثاني في باب الفطرة و قد غفل الأصحاب عن هذا و لم ينسبوا هذا القول إليه مع أنه قد صرح بذلك في كتاب معاني الأخبار حيث قال باب في معنى الصاع و المد و الفرق بين صاع الماء و مده و بين صاع الطعام و مده ثم ذكر الروايات الثلاث المتقدمة و القول باختلاف مقدار الصاع في الموضعين و إن كان بعيدا لكن من مقام الجمع ليس ببعيد. بل نقول الاعتبار و النظر يقتضي الاختلاف إذ معلوم أن الرطل و المد و الصاع كانت في الأصل مكاييل معينة فقدرت بوزن الدراهم و شبهها صونا عن التغيير الذي كثيرا ما يتطرق إلى المكاييل و معلوم أن الأجسام المختلفة يختلف قدرها بالنسبة إلى كيل معين فلا يمكن أن يكون الصاع من الماء موافقا للصاع من الحنطة و الشعير و شبههما فلذا كان الصاع و المد و الرطل المعتبر في الوضوء و الغسل و أمثالهما أثقل مما ورد في الفطرة و النصاب و أشباههما لكون الماء أثقل من تلك الحبوب مع تساوي الحجم كما هو المعلوم عند الاعتبار فظهر أن هذا أوجه الوجوه في الجمع بين الأخبار. الثاني ما ذكره والدي العلامة رفع الله مقامه حيث حمل خبر المروزي على الصاع الذي اغتسل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع زوجته إذ هو قريب من صاعين بالتحديد المشهور و يكون النقص للاشتراك. و يؤيده ما رواه الصَّدُوقُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)أَنَّهُ قَالَ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم هُوَ وَ زَوْجَتُهُ مِنْ خَمْسَةِ أَمْدَادٍ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ فَقَالَ زُرَارَةُ كَيْفَ صَنَعَ فَقَالَ بَدَأَ هُوَ وَ ضَرَبَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ قَبْلَهَا فَأَنْقَى فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَتْ هِيَ فَأَنْقَتْ فَرْجَهَا ثُمَّ أَفَاضَ هُوَ وَ أَفَاضَتْ هِيَ عَلَى نَفْسِهَا حَتَّى فَرَغَا فَكَانَ الَّذِي اغْتَسَلَ بِهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ وَ الَّذِي اغْتَسَلَتْ بِهِ مُدَّيْنِ وَ إِنَّمَا أَجْزَأَ عَنْهُمَا لِأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِيهِ جَمِيعاً وَ مَنِ انْفَرَدَ بِالْغُسْلِ وَحْدَهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ صَاعٍ. وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا(عليهما السلام)قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ وَقْتِ غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَمْ يُجْزِي مِنَ الْمَاءِ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَغْتَسِلُ بِخَمْسَةِ أَمْدَادٍ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ صَاحِبَتِهِ وَ يَغْتَسِلَانِ جَمِيعاً مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ. وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَغْتَسِلُ بِصَاعٍ وَ إِذَا كَانَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ بِصَاعٍ وَ مُدٍّ.. فقد ظهر من الأول و الثالث أن النقصان من الصاعين لأجل الاشتراك بل نقول الثلاثة الأمداد التي اغتسل بها رسول الله لا تتفاوت مع الصاع المشهور بكثير و يمكن الجمع بين خبر سماعة و سائر الأخبار أيضا بهذا الوجه إذ التفاوت بين الثلاثة الأمداد التي وقعت في هذا الخبر و بين الصاع الذي يظهر من خبر سماعة ليس إلا بقدر سبعة مثاقيل شرعية على بعض الوجوه و مثل هذا التفاوت لا يعتد به في أمثال تلك المقامات التي بنيت على التخمين و التقريب بل قلما لا تتفاوت المكاييل و الموازين و المياه خفة و ثقلا بمثل هذه الأقدار و الله يعلم حقائق الأحكام و حججه الأخيار. الثالث حمل خبر المروزي على الفضل و الاستحباب. ثم اعلم أن الصاع و الرطل و غيرهما بنى الأصحاب تحديدها على وزن الشعير و هو يختلف كثيرا بحسب البلاد بل في البلد الواحد و لذا بناه الوالد قدس الله لطيفه على المتفق عليه من النسبة بين الدينار و الدرهم و عدم تغيير الدينار في الجاهلية و الإسلام على ما ذكره المؤالف و المخالف فيكون الصاع ستمائة مثقال و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال بالمثقال الصيرفي فيزيد على المن التبريزي أعني نصف المن الشاهي بأربعة عشر مثقال و ربع و منه يظهر لك تقدير الرطل و المد بمعانيهما بما عرفت من النسبة بينهما. و قد بسطنا الكلام في تلك الأوزان و تحقيقها على كل قول و كل خبر في رسالتنا المعمولة لذلك و لذا اختصرنا هاهنا فمن أراد غاية التحقيق فليرجع إليها فإنا قد تكلمنا فيه بما لا مزيد عليه.
بحار الأنوار — كتاب الطهارة · مقدار الماء للوضوء و الغسل و حد المد و الصاع