الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ طَهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا- أَوْ مِنْ دَمِ نِفَاسِهَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ- ثُمَّ اسْتَحَاضَتْ فَصَلَّتْ وَ صَامَتْ شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ- مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْمَلَ كَمَا تَعْمَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ- مِنَ الْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاتَيْنِ- هَلْ يَجُوزُ صَوْمُهَا وَ صَلَاتُهَا أَمْ لَا- فَكَتَبَ تَقْضِي صَوْمَهَا وَ لَا تَقْضِي صَلَاتَهَا- لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤْمِنَاتِ مِنْ نِسَائِهِ بِذَلِكَ. رفع إشكال و تبيين إجمال اعلم أن هذا الخبر من مشكلات الأخبار و قد تحير في حله العلماء الأخيار و إن بنى عليه الأصحاب الحكم بقضاء الصوم بترك الأغسال و اشتراط صوم المستحاضة بها كما هو المعروف من مذهبهم و أشكل عليهم الحكم بعدم قضاء الصلاة مع الحكم بقضاء الصوم مع أن العكس كان أنسب و أوفق بالأصول إذ الصلاة مشروطة بالطهارة بخلاف الصوم فإنه قد يجتمع مع الحدث في الجملة. و يظهر من الشيخ (رحمه اللّه) في المبسوط التوقف في هذا الحكم حيث أسنده إلى رواية الأصحاب و هو في محله لكن جل الأصحاب عملوا بالحكم الأول و تركوا الثاني و في نسخ الكافي كان يأمر فاطمة (صلوات الله عليها) و المؤمنات من نسائه بذلك فزيد فيه إشكال آخر لأنه قد ورد في الأخبار الكثيرة كما سيأتي أنها(عليه السلام)لم تر حمرة قط و ربما يؤول بأنه كان يأمرها أن تأمر المؤمنات بذلك و ربما يقال المراد بفاطمة فاطمة بنت أبي حبيش فإنها كانت مشتهرة بكثرة الاستحاضة و السؤال عن مسائلها فيكون قوله (صلوات الله عليها) زيد من النساخ أو الرواة بتوهم أنها الزهراء عليها السلام. و اختلفوا في دفع الإشكال الأول على وجوه الأول ما ذكره الشيخ في التهذيب حيث قال لم يأمرها بقضاء الصلاة إذا لم تعلم أن عليها لكل صلاتين غسلا أو لا تعلم ما يلزم المستحاضة فأما مع العلم بذلك و الترك له على العمد يلزمها القضاء و أورد عليه أنه إن بقي الفرق بين الصوم و الصلاة فالإشكال بحاله و إن حكم بالمساواة بينهما و نزل قضاء الصوم على حالة العلم و عدم قضاء الصلاة على حالة الجهل فتعسف ظاهر. الثاني ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس اللّه روحه) حيث قال الفرق بين الصلاة و الصوم مع شدة العناية بحالها مشكل و لا يبعد أن يكون المقصود تقضي صوم الشهر كله و لا تقضي الصلاة كذلك إذ تعد بعض أيامه أيام الحيض و لا تقضي صلاة تلك الأيام و المؤيد أنه موجود في بعض الروايات الأمر بقضاء صوم أيام الحيض بدون الصلاة و قال فيه إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر بذلك فاطمة(عليها السلام)و كانت تأمر بذلك المؤمنات. الثالث ما ذكره المحقق المذكور أيضا حيث قال و يمكن تأويل آخر و هو أن يكون المراد لا تقضي صلاة أيام الحيض و تقضي صوم أيامها و هذا هو الموافق لأخبار أخر و أصل المذهب من أمر فاطمة(عليها السلام)فإنها لا تترك عمل أيام المستحاضة و لا تقضي صومها إلا أن يكون المراد أمرها بأن تأمر غيرها من المؤمنات و يأمر أيضا المؤمنات بنفسه من نسائه و غيرهن أو يكون ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم لها في أول الأحكام و الإسلام. و قال الفاضل الأسترآبادي السائل سأل عن حكم المستحاضة التي صلت و صامت في شهر رمضان و لم تعمل أعمال المستحاضة و الإمام ذكر حكم الحائض و عدل عن جواب السائل من باب التقية لأن المستحاضة من باب الحدث الأصغر عند العامة فلا توجب غسلا عندهم و أما ما أفاده الشيخ فلم يظهر له وجه بل أقول لو كان الجهل عذرا لكان عذرا في الصوم أيضا مع أن سياق كلامهم(عليه السلام)الوارد في حكم الأحداث يقتضي أن لا يكون فرق بين الجاهل بحكمها و بين العالم به. الرابع أن يكون(عليه السلام)كتب تحت قول السائل صومها لا تقضي و تحت قوله صلاتها تقضي فاشتبه على الراوي و عكس أو كان حكم الحائض أيضا مذكورا في السؤال و كان هذا الجواب متعلقا به فاشتبه على الراوي. قال أفضل المدققين في المنتقى الذي يختلج بخاطري أن الجواب الواقع في الحديث غير متعلق بالسؤال المذكور فيه و الانتقال إلى ذلك من وجهين أحدهما قوله فيه إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر فاطمة إلى آخره فإن مثل هذه العبارة إنما تستعمل فيما يكثر وقوعه و يتكرر و كيف يعقل كون تركهن لما تعمله المستحاضة في شهر رمضان جهلا كما ذكره الشيخ أو مطلقا مما يكثر وقوعه. و الثاني أن هذه العبارة بعينها مضت في حديث من أخبار الحيض في كتاب الطهارة مرادا بها قضاء الحائض للصوم دون الصلاة إلى أن قال و لا يخفى أن للعبارة بذلك الحكم مناسبة ظاهرة تشهد به السليقة لكثرة وقوع الحيض و تكرره و الرجوع إليه صلى الله عليه وآله وسلم في حكمه. و بالجملة فارتباطها بهذا الحكم و منافرتها لقضية الاستحاضة مما لا يرتاب فيه أهل الذوق السليم و ليس بمستبعد أن يبلغ الوهم إلى موضوع الجواب مع غير سؤاله فإن من شأن الكتابة في الغالب أن تجمع الأسئلة المتعددة فإذا لم ينعم الناقل نظره فيها يقع له نحو هذا الوهم. الخامس ما ذكره بعض الأفاضل حيث قال خطر لي احتمال لعله قريب لمن تأمله بنظر صائب و هو أنه لما كان السؤال مكاتبة وقع(عليه السلام)تحت قول السائل فصلت تقضي صلاتها و تحت قوله صامت تقضي صومها ولاء أي متواليا و القول بالتوالي و لو على وجه الاستحباب موجود و دليله كذلك و هذا من جملته و ذلك كما هو متعارف في التوقيع من الكتابة تحت كل مسألة ما يكون جوابا لها حتى أنه قد يكتفى بنحو لا و نعم بين السطور. أو أنه(عليه السلام)كتب ذلك تحت قوله هل يجوز صومها و صلاتها و هذا أنسب بكتابة التوقيع و بالترتيب من غير تقديم و تأخير و الراوي نقل ما كتبه(عليه السلام)و لم يكن فيه واو لعطف تقضي صلاتها. أو أنه كان تقضي صومها ولاء و تقضي صلاتها بواو العطف من غير إثبات همزة فتوهمت زيادة الهمزة التي التبست الواو بها و أنه و لا تقضي صلاتها على معنى النهي فتركت الواو لذلك و إذا كان التوقيع تحت كل مسألة كان ترك الهمزة أو المد في خطه(عليه السلام)وجهه ظاهر لو كان فإن قوله تقضي صومها ولاء مع انفصاله لا يحتاج فيه إلى ذلك فليفهم. و وجه ذكر توجيه الواو احتمال أن يكون(عليه السلام)جمع في التوقيع بالعطف أو أن الراوي ذكر كلامه(عليه السلام)و عطف الثاني على الأول. السادس أن يحمل على الاستفهام الإنكاري و لا يخفى بعده في المكاتبة لا سيما مع التعليل المذكور بعده. السابع أن يحمل على أنها كانت اغتسلت للفجر و تركت الغسل لسائر الصلوات بقرينة قوله من الغسل لكل صلاتين فإنها تقضي صومها للإخلال بسائر الأغسال النهارية و لا تقضي صلاة الفجر و المراد بصلاتها صلاة الفجر أو المراد نفي قضاء جميع الصلوات و لا يخفى بعده أيضا. الثامن أن يقرأ تقضى في الموضعين بتشديد الضاد من باب التفعل أي انقضى حكم صومها و ليس عليها القضاء إما لعدم اشتراط الصوم بالطهارة مطلقا أو لأن الجاهل معذور فيه بخلاف الصلاة للاشتراط مطلقا.
بحار الأنوار — كتاب الطهارة · غسل الحيض و الاستحاضة و النفاس عللها و آدابها و أحكامها