أَوْلِيَائِهِ(عليه السلام)أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى- عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ تَعْرِيفاً لِلْخَلِيقَةِ قُرْبَهُمْ- أَ لَا تَرَى أَنَّكَ تَقُولُ فُلَانٌ إِلَى جَنْبِ فُلَانٍ- إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَصِفَ قُرْبَهُ مِنْهُ: وَ إِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ- هَذِهِ الرُّمُوزَ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ وَ غَيْرُ أَنْبِيَائِهِ وَ حُجَجِهِ فِي أَرْضِهِ- لِعِلْمِهِ بِمَا يُحْدِثُهُ فِي كِتَابِهِ الْمُبَدِّلُونَ مِنْ إِسْقَاطِ أَسْمَاءِ حُجَجِهِ مِنْهُ- وَ تَلْبِيسِهِمْ ذَلِكَ عَلَى الْأُمَّةِ لِيُعِينُوهُمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ- فَأَثْبَتَ فِيهِ الرُّمُوزَ وَ أَعْمَى قُلُوبَهُمْ وَ أَبْصَارَهُمْ- لِمَا عَلَيْهِمْ فِي تَرْكِهَا وَ تَرْكِ غَيْرِهَا- مِنَ الْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى مَا أَحْدَثُوهُ فِيهِ- وَ جَعَلَ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمُقِيمِينَ بِهِ وَ الْعَالِمِينَ بِظَاهِرِهِ وَ بَاطِنِهِ- مِنْ شَجَرَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ- تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها- أَيْ يُظْهِرُ مِثْلَ هَذَا الْعِلْمِ لِمُحْتَمِلِيهِ فِي الْوَقْتِ بَعْدَ الْوَقْتِ- وَ جَعَلَ أَعْدَاءَهَا أَهْلَ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ- الَّذِينَ حَاوَلُوا إِطْفَاءَ نُورِ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ- وَ يَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ- وَ لَوْ عَلِمَ الْمُنَافِقُونَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ مَا عَلَيْهِمْ- مِنْ تَرْكِ هَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي بَيَّنْتُ لَكَ تَأْوِيلَهَا- لَأَسْقَطُوهَا مَعَمَا أَسْقَطُوا مِنْهُ- وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ مَاضٍ حُكْمُهُ بِإِيجَابِ الْحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ- كَمَا قَالَ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ- أَغْشَى أَبْصَارَهُمْ وَ جَعَلَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً عَنْ تَأَمُّلِ ذَلِكَ- فَتَرَكُوهُ بِحَالِهِ وَ حُجِبُوا عَنْ تَأْكِيدِ الْمُلَبِّسِ بِإِبْطَالِهِ- فَالسُّعَدَاءُ يَتَثَبَّتُونَ عَلَيْهِ وَ الْأَشْقِيَاءُ يَعْمُونَ عَنْهُ- وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ- ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ بِسَعَةِ رَحْمَتِهِ وَ رَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ- وَ عِلْمِهِ بِمَا يُحْدِثُهُ الْمُبَدِّلُونَ مِنْ تَغْيِيرِ كِتَابِهِ- قَسَّمَ كَلَامَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ فَجَعَلَ قِسْماً مِنْهُ يَعْرِفُهُ الْعَالِمُ وَ الْجَاهِلُ- وَ قِسْماً لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ صَفَا ذِهْنُهُ وَ لَطُفَ حِسُّهُ- وَ صَحَّ تَمْيِيزُهُ مِمَّنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ- وَ قِسْماً لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا اللَّهُ وَ أُمَنَاؤُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ- وَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَدَّعِيَ أَهْلُ الْبَاطِلِ- مِنَ الْمُسْتَوْلِينَ عَلَى مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ ص- مِنْ عِلْمِ الْكِتَابِ مَا لَمْ يَجْعَلْهُ اللَّهُ لَهُمْ- وَ لِيَقُودَهُمُ الِاضْطِرَارُ إِلَى الِايتِمَارِ لِمَنْ وَلَّاهُ أَمْرَهُمْ- فَاسْتَكْبَرُوا عَنْ طَاعَتِهِ تَعَزُّزاً وَ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ اغْتِرَاراً بِكَثْرَةِ مَنْ ظَاهَرَهُمْ وَ عَاوَنَهُمْ- وَ عَانَدَ اللَّهَ جَلَّ اسْمُهُ وَ رَسُولَهُ ص- فَأَمَّا مَا عَلِمَهُ الْجَاهِلُ وَ الْعَالِمُ مِنْ فَضْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص- مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ- وَ قَوْلُهُ إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً- وَ لِهَذِهِ الْآيَةِ ظَاهِرٌ وَ بَاطِنٌ فَالظَّاهِرُ قَوْلُهُ صَلُّوا عَلَيْهِ- وَ الْبَاطِنُ قَوْلُهُ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً- أَيْ سَلِّمُوا لِمَنْ وَصَّاهُ وَ اسْتَخْلَفَهُ عَلَيْكُمْ فَضْلَهُ- وَ مَا عَهِدَ بِهِ إِلَيْهِ تَسْلِيماً- وَ هَذَا مِمَّا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا مَنْ لَطُفَ حِسُّهُ- وَ صَفَا ذِهْنُهُ وَ صَحَّ تَمِيزُهُ- وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ سَلَامٌ عَلَى آلِ يَاسِينَ- لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بِهَذَا الِاسْمِ حَيْثُ قَالَ- يس وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ- لِعِلْمِهِ بِأَنَّهُمْ يُسْقِطُونَ قَوْلَ سَلَامٌ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا أَسْقَطُوا غَيْرَهُ- وَ مَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَأَلَّفُهُمْ وَ يُقَرِّبُهُمْ- يُجْلِسُهُمْ عَنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ- حَتَّى أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ فِي إِبْعَادِهِمْ بِقَوْلِهِ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا- وَ بِقَوْلِهِ فَما لِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ- أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ- كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ- وَ كَذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ- وَ لَمْ يُسَمَّ بِأَسْمَائِهِمْ وَ أَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَ أُمَّهَاتِهِمْ- وَ أَمَّا قَوْلُهُ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ- فَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا دِينَهُ- لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يَهْلِكَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ يَبْقَى الْوَجْهُ- هُوَ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ وَ أَكْرَمُ مِنْ ذَلِكَ- إِنَّمَا يَهْلِكُ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ أَ لَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ- كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ- فَفَصَلَ بَيْنَ خَلْقِهِ وَ وَجْهِهِ- وَ أَمَّا ظُهُورُكَ عَلَى تَنَاكُرِ قَوْلِهِ- وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ- وَ لَيْسَ يُشْبِهُ الْقِسْطَ فِي الْيَتَامَى نِكَاحُ النِّسَاءِ- وَ لَا كُلُّ النِّسَاءِ أَيْتَاماً- فَهُوَ مِمَّا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ مِنْ إِسْقَاطِ الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْقُرْآنِ- وَ بَيْنَ الْقَوْلِ فِي الْيَتَامَى وَ بَيْنَ نِكَاحِ النِّسَاءِ مِنَ الْخِطَابِ وَ الْقِصَصِ- أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثِ الْقُرْآنِ- وَ هَذَا وَ مَا أَشْبَهَهُ مِمَّا ظَهَرَتْ حَوَادِثُ الْمُنَافِقِينَ فِيهِ- لِأَهْلِ النَّظَرِ وَ التَّأَمُّلِ- وَ وَجَدَ الْمُعَطِّلُونَ وَ أَهْلُ الْمِلَلِ الْمُخَالِفَةِ مَسَاغاً- إِلَى الْقَدْحِ فِي الْقُرْآنِ- وَ لَوْ شَرَحْتُ لَكَ كُلَّ مَا أُسْقِطَ وَ حُرِّفَ وَ بُدِّلَ مِمَّا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى لَطَالَ- وَ ظَهَرَ مَا تَحْظُرُ التَّقِيَّةُ إِظْهَارَهُ مِنْ مَنَاقِبِ الْأَوْلِيَاءِ وَ مَثَالِبِ الْأَعْدَاءِ- وَ أَمَّا قَوْلُهُ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ- فَهُوَ تَبَارَكَ اسْمُهُ أَجَلُّ وَ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَظْلًمَ- وَ لَكِنَّهُ قَرَنَ أُمَنَاءَهُ عَلَى خَلْقِهِ بِنَفْسِهِ- وَ عَرَّفَ الْخَلِيقَةَ جَلَالَةَ قَدْرِهِمْ عِنْدَهُ وَ أَنَّ ظُلْمَهُمْ ظُلْمُهُ- بِقَوْلِهِ وَ ما ظَلَمُونا بِبُغْضِهِمْ أَوْلِيَاءَنَا وَ مَعُونَةِ أَعْدَائِهِمْ عَلَيْهِمْ- وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إِذْ حَرَمُوهَا الْجَنَّةَ- وَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا خُلُودَ النَّارِ- وَ أَمَّا قَوْلُهُ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ- فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْزَلَ عَزَائِمَ الشَّرَائِعِ- وَ آيَاتِ الْفَرَائِضِ فِي أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ- كَمَا خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ- وَ لَوْ شَاءَ أَنْ يَخْلُقَهَا فِي أَقَلَّ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ لَخَلَقَ- وَ لَكِنَّهُ جَعَلَ الْأَنَاةَ وَ الْمُدَارَاةَ مِثَالًا لِأُمَنَائِهِ- وَ إِيجَاباً لِلْحُجَّةِ عَلَى خَلْقِهِ- فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَيَّدَهُمْ بِهِ الْإِقْرَارَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ الرُّبُوبِيَّةِ- وَ الشَّهَادَةَ بِأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- فَلَمَّا أَقَرُّوا بِذَلِكَ تَلَاهُ بِالْإِقْرَارِ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالنُّبُوَّةِ- وَ الشَّهَادَةِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ- فَلَمَّا انْقَادُوا لِذَلِكَ فَرَضَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةَ- ثُمَّ الصَّوْمَ ثُمَّ الْحَجَّ ثُمَّ الْجِهَادَ ثُمَّ الزَّكَاةَ- ثُمَّ الصَّدَقَاتِ وَ مَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِنْ مَالِ الْفَيْءِ- فَقَالَ الْمُنَافِقُونَ هَلْ بَقِيَ لِرَبِّكَ عَلَيْنَا- بَعْدَ الَّذِي فَرَضْتَهُ عَلَيْنَا شَيْءٌ آخَرُ يَفْتَرِضُهُ- فَتَذْكُرُهُ لِتَسْكُنَ أَنْفُسُنَا أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ يَعْنِي الْوَلَايَةَ- فَأَنْزَلَ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ- وَ لَيْسَ بَيْنَ الْأُمَّةِ خِلَافٌ أَنَّهُ لَمْ يُؤْتِ الزَّكَاةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ وَ هُوَ رَاكِعٌ- غَيْرُ رَجُلٍ وَاحِدٍ لَوْ ذُكِرَ اسْمُهُ فِي الْكِتَابِ- لَأَسْقَطَ مَعَ مَا أَسْقَطَ مِنْ ذِكْرِهِ- وَ هَذَا وَ مَا أَشْبَهَهُ مِنَ الرُّمُوزِ الَّتِي ذَكَرْتُ لَكَ ثُبُوتَهَا فِي الْكِتَابِ- لِيَجْهَلَ مَعْنَاهُ الْمُحَرِّفُونَ- فَيَبْلُغَ إِلَيْكَ وَ إِلَى أَمْثَالِكَ وَ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي- وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً- وَ أَمَّا قَوْلُهُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ- فَإِنَّكَ تَرَى أَهْلَ الْمِلَلِ الْمُخَالِفَةِ لِلْإِيمَانِ- وَ مَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ- مُقِيمِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ- وَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ رَحْمَةً عَلَيْهِمْ لَاهْتَدَوْا جَمِيعاً وَ نَجَوْا مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اسْمُهُ إِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ- أَنَّهُ جَعَلَهُ سَبِيلًا لِإِنْظَارِ أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ- وَ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ بُعِثُوا بِالتَّصْرِيحِ لَا بِالتَّعْرِيضِ- فَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فِيهِمْ إِذَا صَدَعَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ أَجَابَهُ قَوْمُهُ- سَلَّمُوا وَ سَلَّمَ أَهْلُ دَارِهِمْ مِنْ سَائِرِ الْخَلِيقَةِ- وَ إِنْ خَالَفُوهُ هَلَكُوا وَ هَلَكَ أَهْلُ دَارِهِمْ- بِالْآفَةِ الَّتِي كَانَتْ نَبِيُّهُمْ يَتَوَعَّدُهُمْ بِهَا- وَ يُخَوِّفُهُمْ حُلُولَهَا وَ نُزُولُهَا بِسَاحَتِهِمْ- مِنْ خَسْفٍ أَوْ قَذْفٍ أَوْ زَجْرٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ زَلْزَلَةٍ- أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَافِ الْعَذَابِ الَّتِي هَلَكَتْ بِهَا الْأُمَمُ الْخَالِيَةُ- وَ إِنَّ اللَّهَ عَلِمَ مِنْ نَبِيِّنَا وَ مِنَ الْحُجَجِ فِي الْأَرْضِ- الصَّبْرَ عَلَى مَا لَمْ يُطِقْ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الصَّبْرُ عَلَى مِثْلِهِ فَبَعَثَهُ اللَّهُ بِالتَّعْرِيضِ لَا بِالتَّصْرِيحِ- وَ أَثْبَتَ حُجَّةَ اللَّهِ تَعْرِيضاً لَا تَصْرِيحاً بِقَوْلِهِ فِي وَصِيِّهِ- مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا مَوْلَاهُ- وَ هُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي- وَ لَيْسَ مِنْ خَلِيقَةِ النَّبِيِّ وَ لَا مِنْ شِيمَتِهِ أَنْ يَقُولَ قَوْلًا لَا مَعْنَى لَهُ- فَيَلْزَمَ الْأُمَّةَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ النُّبُوَّةُ وَ الْأُخُوَّةُ- مَوْجُودَتَيْنِ فِي خِلْقَةِ هَارُونَ- وَ مَعْدُومَتَيْنِ فِيمَنْ جَعَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بِمَنْزِلَتِهِ- أَنَّهُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى أُمَّتِهِ كَمَا اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ- حَيْثُ قَالَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي- وَ لَوْ قَالَ لَهُمْ لَا تُقَلِّدُوا الْإِمَامَةَ إِلَّا فُلَاناً بِعَيْنِهِ- وَ إِلَّا نَزَلَ بِكُمُ الْعَذَابُ لَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ- وَ زَالَ بَابُ الْإِنْظَارِ وَ الْإِمْهَالِ- وَ بِمَا أَمَرَ بِسَدِّ بَابِ الْجَمْعِ وَ تَرْكِ بَابِهِ- ثُمَّ قَالَ مَا سَدَدْتُ وَ لَا تَرَكْتُ وَ لَكِنَّنِي أُمِرْتُ فَأَطَعْتُ- فَقَالُوا سَدَدْتَ بَابَنَا وَ تَرَكْتَ لِأَحْدَثِنَا سِنّاً- فَأَمَّا مَا ذَكَرُوهُ مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ- فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَسْتَصْغِرْ يُوشَعَ بْنَ نُونٍ- حَيْثُ أَمَرَ مُوسَى أَنْ يَعْهَدَ بِالْوَصِيَّةِ إِلَيْهِ- وَ هُوَ فِي سِنِّ ابْنِ سَبْعِ سِنِينَ- وَ لَا اسْتَصْغَرَ يَحْيَى وَ عِيسَى لَمَّا اسْتَوْدَعَهُمَا عَزَائِمَهُ وَ بَرَاهِينَ حِكْمَتِهِ- وَ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ جَلَّ ذِكْرُهُ لِعِلْمِهِ بِعَاقِبَةِ الْأُمُورِ- وَ أَنَّ وَصِيَّهُ لَا يَرْجِعُ بَعْدَهُ ضَالًّا وَ لَا كَافِراً- وَ بِأَنْ عَمَدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى سُورَةِ بَرَاءَةَ- فَدَفَعَهَا إِلَى مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْأُمَّةَ تُؤْثِرُهُ عَلَى وَصِيِّهِ- وَ أَمَرَهُ بِقِرَاءَتِهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ- فَلَمَّا وَلَّى مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ أَتْبَعَهُ بِوَصِيِّهِ وَ أَمَرَهُ بِارْتِجَاعِهَا مِنْهُ- وَ النُّفُوذِ إِلَى مَكَّةَ لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِهَا وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ لَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنِّي- دَلَالَةً مِنْهُ عَلَى خِيَانَةِ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْأُمَّةَ يَخْتَارُهُ عَلَى وَصِيِّهِ- ثُمَّ شَفَّعَ ذَلِكَ بِضَمِّ الرَّجُلِ الَّذِي ارْتَجَعَ سُورَةَ بَرَاءَةَ- مِنْهُ- وَ مَنْ يُوازِرُهُ فِي تَقَدُّمِ الْمَحَلِّ عِنْدَ الْأُمَّةِ إِلَى عَلَمِ النِّفَاقِ- عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي غَزَاةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَ وَلَّاهُمَا عَمْرٌو حَرْسَ عَسْكَرِهِ- وَ خَتَمَ أَمْرَهُمَا بِأَنْ ضَمَّهُمَا عِنْدَ وَفَاتِهِ إِلَى مَوْلَاهُ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- وَ أَمَرَهُمَا بِطَاعَتِهِ وَ التَّصْرِيفِ بَيْنَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ- وَ كَانَ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ فِي أَمْرِ أُمَّتِهِ قَوْلُهُ- أَنْفِذُوا جَيْشَ أُسَامَةَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ عَلَى أَسْمَاعِهِمْ- إِيجَاباً لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي إِيْثَارِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الصَّادِقِينَ- وَ لَوْ عَدَدْتُ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص- فِي إِظْهَارِ مَعَايِبِ الْمُسْتَوْلِينَ عَلَى تُرَاثِهِ لَطَالَ- وَ أَنَّ السَّابِقَ مِنْهُمْ إِلَى تَقَلُّدِ مَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ- قَامَ هَاتِفاً عَلَى الْمِنْبَرِ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْأُمَّةِ- وَ مُسْتَقِيلًا مِمَّا تَقَلَّدَهُ لِقُصُورِ مَعْرِفَتِهِ- عَنْ تَأْوِيلِ مَا كَانَ يُسْأَلُ عَنْهُ وَ جَهْلِهِ بِمَا يَأْتِي وَ يَذَرُ- ثُمَّ أَقَامَ عَلَى ظُلْمِهِ وَ لَمْ يَرْضَ بِاحْتِقَابِ عَظِيمِ الْوِزْرِ فِي ذَلِكَ- حَتَّى عَقَدَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ لِغَيْرِهِ- فَأَتَى التَّالِي لَهُ بِتَسْفِيهِ رَأْيِهِ وَ الْقَدْحِ وَ الطَّعْنِ عَلَى أَحْكَامِهِ- وَ رَفْعِ السَّيْفِ عَمَّنْ كَانَ صَاحِبُهُ وَضَعَهُ عَلَيْهِ- وَ رَدَّ النِّسَاءَ اللَّاتِي كَانَ سَبَاهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ وَ بَعْضُهُنَّ حَوَامِلُ- وَ قَوْلُهُ قَدْ نَهَيْتُهُ عَنْ قِتَالِ أَهْلِ الْقِبْلَةِ فَقَالَ لِي- إِنَّكَ لَحَدِبٌ عَلَى أَهْلِ الْكُفْرِ- وَ كَانَ هُوَ فِي ظُلْمِهِ لَهُمْ أَوْلَى بِاسْمِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ- وَ لَمْ يَزَلْ يُخَطِّئُهُ وَ يُظْهِرُ الْإِزْرَاءَ عَلَيْهِ- وَ يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً- وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا فَمَنْ دَعَاكُمْ إِلَى مِثْلِهَا فَاقْتُلُوهُ- وَ كَانَ يَقُولُ قَبْلَ ذَلِكَ قَوْلًا ظَاهِراً أَنَّهُ حَسَنَةٌ مِنْ حَسَنَاتِهِ- وَ يَوَدُّ أَنَّهُ كَانَ شَعْرَةً فِي صَدْرِهِ وَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ الْمُتَنَاقِضِ- الْمُؤَكَّدِ بِحُجَجِ الدَّافِعِينَ لِدِينِ الْإِسْلَامِ: وَ أَتَى مِنْ أَمْرِ الشُّورَى وَ تَأْكِيدِهِ بِهَا عَقْدُ الظُّلْمِ- وَ الْإِلْحَادِ وَ الْبَغْيِ وَ الْفَسَادِ حَتَّى تَقَرَّرَ عَلَى إِرَادَتِهِ- مَا لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي لُبٍّ مَوْقِعُ ضَرَرِهِ- وَ لَمْ تُطِقِ الْأُمَّةُ الصَّبْرَ عَلَى مَا أَظْهَرَهُ الثَّالِثُ مِنْ سُوءِ الْفِعْلِ- فَعَاجَلَتْهُ بِالْقَتْلِ وَ اتَّسَعَ بِمَا جَنَوْهُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ وَافَقَهُمْ- عَلَى ظُلْمِهِمْ وَ كُفْرِهِمْ وَ نِفَاقِهِمْ- مُحَاوَلَةً مِثْلَ مَا أَتَوْهُ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْرِ الْأُمَّةِ- كُلُّ ذَلِكَ لِتَتِمَّ النَّظِرَةُ الَّتِي أَوْجَبَهَا اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- لِعَدُوِّهِ إِبْلِيسَ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ- وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ وَ يَقْتَرِبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ- الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ- لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ- وَ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَبْقَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ وَ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ- وَ غَابَ صَاحِبُ الْأَمْرِ بِإِيضَاحِ الْعُذْرِ لَهُ فِي ذَلِكَ- لِاشْتِمَالِ الْفِتْنَةِ عَلَى الْقُلُوبِ- حَتَّى يَكُونَ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدَّهُمْ عَدَاوَةً لَهُ- وَ عِنْدَ ذَلِكَ يُؤَيِّدُهُ اللَّهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها- وَ يُظْهِرُ دِينَ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى يَدَيْهِ- عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ- وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَهُ مِنَ الْخِطَابِ- الدَّالِّ عَلَى تَهْجِينِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ الْإِزْرَاءِ بِهِ وَ التَّأْنِيبِ لَهُ- مَعَ مَا أَظْهَرَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ- مِنْ تَفْضِيلِهِ إِيَّاهُ عَلَى سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ- فَلِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ- كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ- وَ بِحَسَبِ جَلَالَةِ مَنْزِلَةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وآله وسلم عِنْدَ رَبِّهِ كَذَلِكَ عَظُمَ مِحْنَتُهُ لِعَدُوِّهِ- وَ الَّذِي عَادَ مِنْهُ فِي حَالِ شِقَاقِهِ وَ نِفَاقِهِ وَ كُلُّ أَذًى وَ مَشَقَّةٍ- لِدَفْعِ نُبُوَّتِهِ وَ تَكْذِيبِهِ إِيَّاهُ وَ سَعْيِهِ فِي مَكَارِهِهِ- وَ قَصْدِهِ لِنَقْضِ كُلِّ مَا أَبْرَمَهُ وَ اجْتِهَادِهِ وَ مَنْ مَالَأَهُ عَلَى كُفْرِهِ- وَ فَسَادِهِ وَ نِفَاقِهِ وَ إِلْحَادِهِ فِي إِبْطَالِ دَعْوَاهُ- وَ تَغْيِيرِ مِلَّتِهِ وَ مُخَالَفَةِ سُنَّتِهِ- وَ لَمْ يَرَ شَيْئاً أَبْلَغَ فِي تَمَامِ كَيْدِهِ مِنْ تَنْفِيرِهِمْ مِنْ مُوَالاةِ وَصِيِّهِ- وَ إِيحَاشِهِمْ مِنْهُ وَ صَدِّهِمْ عَنْهُ وَ إِغْرَائِهِمْ بِعَدَاوَتِهِ- وَ الْقَصْدِ لِتَغْيِيرِ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَ بِهِ- وَ إِسْقَاطِ مَا فِيهِ مِنْ فَضْلِ ذَوِي الْفَضْلِ وَ كُفْرِ ذَوِي الْكُفْرِ مِنْهُ- وَ مِمَّنْ وَافَقَهُ عَلَى ظُلْمِهِ وَ بَغْيِهِ وَ شِرْكِهِ- وَ لَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَالَ- إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا- وَ قَالَ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ- وَ لَقَدْ أَحْضَرُوا الْكِتَابَ كَمَلًا مُشْتَمِلًا عَلَى التَّأْوِيلِ وَ التَّنْزِيلِ- وَ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ وَ النَّاسِخِ وَ الْمَنْسُوخِ- لَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ حَرْفُ أَلِفٍ وَ لَا لَامٍ- فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَى مَا بَيَّنَهُ اللَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ أَهْلِ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ- وَ أَنَّ ذَلِكَ إِنْ ظَهَرَ نَقَضَ مَا عَقَدُوهُ- قَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ وَ نَحْنُ مُسْتَغْنُونَ عَنْهُ بِمَا عِنْدَنَا- وَ لِذَلِكَ قَالَ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ- وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ- ثُمَّ دَفَعَهُمُ الِاضْطِرَارُ بِوُرُودِ الْمَسَائِلِ عَلَيْهِمْ- عَمَّا لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ إِلَى جَمْعِهِ وَ تَأْلِيفِهِ- وَ تَضْمِينِهِ مِنْ تِلْقَائِهِمْ مَا يُقِيمُونَ بِهِ دَعَائِمَ كُفْرِهِمْ- فَصَرَخَ مُنَادِيهِمْ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَلْيَأْتِنَا بِهِ- وَ وَكَلُوا تَأْلِيفَهُ وَ نَظْمَهُ إِلَى بَعْضِ مَنْ وَافَقَهُمْ- عَلَى مُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ فَأَلَّفَهُ عَلَى اخْتِيَارِهِمْ- وَ مَا يَدُلُّ لِلْمُتَأَمِّلِ لَهُ عَلَى اخْتِلَالِ تَمْيِيزِهِمْ وَ تَقْرِيبِهِمْ- وَ تَرَكُوا مِنْهُ مَا قَدَّرُوا أَنَّهُ لَهُمْ وَ هُوَ عَلَيْهِمْ- وَ زَادُوا تَنَاكُرَهُ وَ تَنَافُرَهُ- وَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ ذَلِكَ يَظْهَرُ وَ يَبِينُ- فَقَالَ ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ- وَ انْكَشَفَ لِأَهْلِ الِاسْتِبْصَارِ عُوَارُهُمْ وَ افْتِرَاؤُهُمْ- وَ الَّذِي بَدَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْإِزْرَاءِ عَلَى النَّبِيِّ ص- مِنْ فِرْيَةِ الْمُلْحِدِينَ وَ لِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ- لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَ زُوراً- فَيَذْكُرُ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ مَا يُحْدِثُهُ عَدُوُّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ بِقَوْلِهِ- وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لا نَبِيٍّ- إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ- فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ- يَعْنِي أَنَّهُ مَا مِنْ نَبِيٍّ تَمَنَّى مُفَارَقَةَ مَا يُعَايِنُهُ- مِنْ نِفَاقِ قَوْمِهِمْ وَ عُقُوقِهِمْ وَ الِانْتِقَالَ عَنْهُمْ إِلَى دَارِ الْإِقَامَةِ- إِلَّا أَلْقَى الشَّيْطَانُ الْمُعْرِضُ بِعَدَاوَتِهِ عِنْدَ فَقْدِهِ- فِي الْكِتَابِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ ذَمَّهُ وَ الْقَدْحَ فِيهِ وَ الطَّعْنَ عَلَيْهِ- فَيَنْسَخُ اللَّهُ ذَلِكَ مِنْ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ- فَلَا تَقْبَلُهُ وَ لَا تُصْغِي إِلَيْهِ غَيْرُ قُلُوبِ الْمُنَافِقِينَ وَ الْجَاهِلِينَ- وَ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ بِأَنْ يَحْمِيَ أَوْلِيَاءَهُ مِنَ الضَّلَالِ وَ الْعُدْوَانِ- وَ مُشَايَعَةِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَ الطُّغْيَانِ- الَّذِينَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُمْ كَالْأَنْعَامِ حَتَّى قَالَ- بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا فَافْهَمْ هَذَا وَ اعْمَلْ بِهِ- وَ اعْلَمْ أَنَّكَ مَا قَدْ تَرَكْتَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْكَ السُّؤَالُ عَنْهُ أَكْثَرُ مِمَّا سَأَلْتَ- وَ إِنِّي قَدِ اقْتَصَرْتُ عَلَى تَفْسِيرٍ يَسِيرٍ مِنْ كَثِيرٍ- لِعَدَمِ حَمَلَةِ الْعِلْمِ وَ قِلَّةِ الرَّاغِبِينَ فِي الْتِمَاسِهِ- وَ فِي دُونِ مَا بَيَّنْتُ لَكَ بَلَاغٌ لِذَوِي الْأَلْبَابِ- قَالَ السَّائِلُ حَسْبِي مَا سَمِعْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- شَكَرَ اللَّهُ لَكَ اسْتِنْقَاذِي مِنْ عَمَايَةِ الشَّكِّ- وَ طَخْيَةِ الْإِفْكِ وَ أَجْزَلَ عَلَى ذَلِكَ مَثُوبَتَكَ- إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ صَلَّى اللَّهُ أَوَّلًا وَ آخِراً عَلَى أَنْوَارِ الْهِدَايَاتِ- وَ أَعْلَامِ الْبَرَايَاتِ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ أَصْحَابِ الدَّلَالاتِ.
بحار الأنوار — كتاب القرآن · احتجاجات أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على الزنديق المدعي للتناقض في القرآن و أمثاله