وأما قوله: " ويتلوه شاهد منه " فذلك حجة الله أقامها على خلقه، وعرفهم أنه لا يستحق مجلس النبي إلا من يقوم مقامه، ولا يتلوه إلا من يكون في الطهارة مثله، لئلا يتسع لمن ماسه حس الكفر في وقت من الأوقات انتحال الاستحقاق بمقام رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وليضيق العذر على من يعينه على إثمه وظلمه، إذ كان الله قد خطر على من ماسه الكفر تقلد ما فوضه إلى أنبيائه وأوليائه، بقوله لإبراهيم: " لا ينال عهدي الظالمين " أي: المشركين، لأنه سمى الظلم شركا بقوله: " إن الشرك لظلم عظيم " فلما علم إبراهيم (عليه السلام) أن عهد الله تبارك وتعالى اسمه بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام، قال: " فاجنبني وبني أن نعبد الأصنام " واعلم أن من آثر المنافقين على الصادقين، والكفار على الأبرار، فقد افترى إثما عظيما، إذا كان قد بين في كتابه الفرق بين المحق والمبطل، والطاهر والنجس والمؤمن والكافر، وأنه لا يتلوا النبي عند فقده إلا من حل محله صدقا، وعدلا، وطهارة، وفضلا.
وأما الأمانة التي ذكرتها فهي: الأمانة التي لا تجب ولا تجوز أن تكون إلا في الأنبياء وأوصيائهم، لأن الله تبارك وتعالى ائتمنهم على خلقه، وجعلهم حججا في أرضه والسامري ومن أجمع معه وأعانه من الكفار على عبادة العجل عند غيبة موسى ما تم انتحال محل موسى من الطغام، والاحتمال لتلك الأمانة التي لا ينبغي إلا لطاهر من الرجس، فاحتمل وزرها ووزر من سلك سبيله من الظالمين وأعوانهم ولذلك قال النبي (صلى الله وعليه وآله): ومن استن سنة حق كان له: أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ولهذا القول من النبي (صلى الله وعليه وآله) شاهد من كتاب الله، وهو: قول الله عز وجل في قصة قابيل قاتل أخيه: " من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيى الناس جميعا " والإحياء في هذا الموضع تأويل في الباطن ليس كظاهره، وهو من هداها، لأن الهداية هي: حياة الأبد، ومن سماه الله حيا لم يمت أبدا، إنما ينقله من دار محنة إلى دار راحة ومنحة.
الاحتجاج