الأقساممدينة المعاجزمعاجز الإمام محمد الباقر عليه السلام
مدينة المعاجز · رقم ١٥٠٩

السيد الأجلّ السيّد المرتضى في عيون المعجزات: قال: روى لي الشيخ أبو محمد بن الحسن بن محمد بن نصر (رضي الله عنه): يرفع الحديث برجاله الى [ابن] محمد بن جعفر البرسي مرفوعا الى جابر- (رضي الله عنه)-، قال: لمّا أفضت الخلاقة الى بني اميّة، سفكوا في أيّامهم الدم الحرام، و لعنوا أمير المؤمنين- (صلوات الله عليه)- على منابرهم ألف شهر، و اغتالوا شيعته في البلدان و قتلوهم و استأصلوا شأفتهم، و أمالتهم على ذلك علماء السوء رغبة في حطام الدنيا، و صارت محنتهم على الشيعة لعن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فمن لم يلعنه قتلوه، فلمّا فشا ذلك في الشيعة و كثر و طال، اشتكت الشيعة الى زين العابدين- (عليه السلام)- و قالوا: يا ابن رسول اللّه أجلونا عن البلدان، و أفنونا بالقتل الذريع، و قد أعلنوا لعن أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في البلدان و في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و على منبره، و لا ينكر عليهم منكر و لا يغيّر عليهم مغيّر، فان أنكر واحد منّا على لعنه قالوا: هذا ترابيّ، و رفع ذلك الى سلطانهم، و كتب إليه أنّ هذا [ذكر] أبا تراب بخير، ضرب و حبس ثمّ قتل. فلمّا سمع ذلك- (عليه السلام)- نظر الى السماء، و قال: سبحانك ما أعظم شأنك! إنّك أمهلت عبادك حتى ظنّوا أنّك أهملتهم، و هذا كلّه بعينك، إذ لا يغلب قضاؤك و لا يردّ تدبير محتوم أمرك، فهو كيف شئت و أنّى شئت لما أنت أعلم به منّا. ثمّ دعا بابنه محمد بن عليّ الباقر- (عليه السلام)-، فقال: يا محمد، قال: لبّيك. قال: إذا كان غدا فاغد إلى مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و خذ الخيط الذي نزل به جبرئيل على رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- فحرّكه تحريكا ليّنا، و لا تحرّكه تحريكا شديدا فيهلكوا جميعا. قال جابر- (رضي الله عنه)-: فبقيت متعجّبا من قوله لا أدري ما أقول، فلمّا كان من الغد جئته، و كان قد طال عليّ ليلي حرصا لأنظر ما يكون من أمر الخيط، فبينما أنا بالباب إذ خرج- (عليه السلام)- فسلّمت عليه، فردّ السلام و قال: ما غدا بك يا جابر و لم تكن تأتينا في هذا الوقت؟ فقلت له: لقول الامام- (عليه السلام)- بالأمس خذ الخيط الذي أتى به جبرائيل- (عليه السلام)-، و صر الى مسجد جدّك و حرّكه تحريكا ليّنا و لا تحرّكه تحريكا شديدا فتهلك الناس جميعا. قال الباقر- (عليه السلام)-: (و اللّه) لو لا الوقت المعلوم و الأجل المحتوم و القدر المقدور، لخسفت بهذا الخلق المنكوس في طرفة عين بل في لحظة، و لكنّا عباد مكرمون لا نسبقه بالقول و بأمره نعمل يا جابر. قال جابر: فقلت: يا سيّدي و مولاي و لم تفعل بهم هذا؟ فقال لي: ما حضرت بالأمس و الشيعة تشكو الى أبي ما يلقون من الملاعين؟ فقلت: يا سيّدي و مولاي نعم، فقال: إنّه أمرني أن ارعبهم لعلّهم ينتهون، و كنت احبّ أن تهلك طائفة منهم و يطهّر اللّه البلاد و العباد منهم. قال جابر- (رضي الله عنه)-: فقلت: (يا) سيّدي و مولاي كيف ترعبهم و هم أكثر من أن يحصوا؟ فقال الباقر- (عليه السلام)-: امض بنا إلى مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- لاريك قدرة من قدرة اللّه تعالى الّتي أخصّنا بها، و ما منّ به علينا من دون الناس. فقال جابر- (رضي الله عنه)-: فمضيت معه الى المسجد فصلّى ركعتين ثمّ وضع خدّه في التراب و تكلّم بكلام، ثمّ رفع رأسه و أخرج من كمّه خيطا دقيقا فاح منه رائحة المسك، فكان في المنظر أدقّ من سمّ الخياط. ثمّ قال لي: خذ يا جابر إليك طرف الخيط و امض رويدا، و إيّاك أن تحرّكه. قال: فأخذت طرف الخيط و مشيت رويدا، فقال- (عليه السلام)-: قف يا جابر فوقفت، ثمّ حرّك الخيط تحريكا خفيفا ما ظننت أنّه حرّكه من لينه، ثمّ قال (صلوات الله عليه): ناولني طرف الخيط فناولته و قلت: ما فعلت به يا سيدي؟! قال: و يحك اخرج فانظر ما حال الناس. قال جابر- (رضي الله عنه)-: فخرجت من المسجد و إذا الناس في صياح واحد و الصائحة من كلّ جانب، فاذا بالمدينة قد تزلزلت زلزلة شديدة و أخذتهم الرجفة و الهدمة، و قد خرّبت أكثر دور المدينة، و هلك منها أكثر من ثلاثين ألفا رجالا و نساء دون الولدان، و إذا الناس في صياح و بكاء و عويل، و هم يقولون: إنّا للّه و إنّا إليه راجعون خربت دار فلان و خرب أهلها، و رأيت الناس فزعين إلى مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هم يقولون: كانت هدمة عظيمة، و بعضهم يقول: قد كانت زلزلة، و بعضهم يقول: كيف لا نخسف و قد تركنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و ظهر فينا الفسق و الفجور، و ظلم آل الرسول- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و اللّه ليتزلزل بنا أشدّ من هذا و أعظم أو نصلح من أنفسنا ما أفسدنا. قال جابر- (رضي الله عنه)-: فبقيت متحيّرا أنظر الى الناس حيارى يبكون، فأبكاني بكاؤهم، و هم لا يدرون من أين أتوا، فانصرفت إلى الباقر (عليه السلام)- و قد حفّ به الناس في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هم يقولون: يا بن رسول اللّه أ ما ترى (الى) ما نزل بنا؟ فادع اللّه لنا. فقال- (عليه السلام)- لهم: افزعوا الى الصلاة و الدعاء و الصدقة، ثمّ أخذ- (عليه السلام)- بيدي و سار بي، فقال [لي:] ما حال الناس؟ فقلت: لا تسأل يا ابن رسول اللّه، خرّبت الدور و المساكن، و هلك الناس، و رأيتهم بحال (لو رأيتهم) رحمتهم. فقال- (عليه السلام)-: لا رحمهم اللّه، أما إنّه قد بقيت عليك بقية، و لو لا ذلك لم ترحم أعدائنا و أعداء أوليائنا، ثمّ قال: سحقا سحقا (بعدا بعدا) للقوم الظالمين. و اللّه لو لا مخالفة والدي لزدت في التحريك و أهلكتهم أجمعين، فما أنزلونا و أوليائنا من أعدائنا (من) هذه المنزلة غيرهم، و جعلت أعلاها أسفلها، و كان لا يبقى فيها دار و لا جدار، و لكنّي أمرني مولاي أن احرّك تحريكا ساكنا، ثم صعد- (عليه السلام)- المنارة و أنا أراه و الناس لا يرونه فمدّ يده و أدارها حول المنارة، فزلزلت المدينة زلزلة خفيفة و تهدّمت دور، ثمّ تلا الباقر- (صلوات الله عليه)- ﴿‏ذلِكَ جَزَيْناهُمْ‏﴾ ﴿‏بِبَغْيِهِمْ وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ‏﴾. و تلا أيضا ﴿‏فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها‏﴾ و تلا ﴿‏فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَ أَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ‏﴾ قال جابر: فخرجت العواتق من خدور هنّ في الزلزلة الثانية يبكين و يتضرّعن منكشفات لا يلتفت إليهنّ أحد، فلمّا نظر الباقر- (عليه السلام)- الى تحيّر العواتق رقّ لهنّ، فوضع الخيط في كمّه فسكنت الزلزلة، ثم نزل عن المنارة و الناس لا يرونه، و أخذ بيدي حتى خرجنا من المسجد، فمررنا بحدّاد اجتمع الناس بباب حانوته و الحدّاد يقول: أ ما سمعتم الهمهمة في الهدم؟ فقال بعضهم: بل كانت همهمة كثيرة، فقال قوم آخرون: بل و اللّه كلام كثير إلّا أنّا لم نقف على الكلام. قال جابر- (رضي الله عنه)-: فنظر إليّ الباقر- (عليه السلام)- و تبسّم ثم قال: يا جابر هذا لما طغوا و بغوا. فقلت: يا بن رسول اللّه ما هذا الخيط الذي فيه العجب؟ فقال: «بقية مما ترك آل موسى و آل هارون تحمله الملائكة» و ينصبه جبرئيل- (عليه السلام)-، ويحك يا جابر إنّا من اللّه تعالى بمكان و منزلة رفيعة، فلو لا نحن لم يخلق اللّه تعالى سماء و لا أرضا و لا جنة و لا نارا و لا شمسا و لا قمرا و لا جنّة و لا إنسا. و يحك يا جابر لا يقاس بنا أحد، يا جابر، بنا- و اللّه- انقذكم [اللّه] و بنا نعشكم و بنا هداكم، و نحن- و اللّه- دللناكم على ربكم، فقفوا عند أمرنا و نهينا، و لا تردّوا علينا ما أوردنا عليكم، فانّا بنعم اللّه أجلّ و أعظم من أن يردّ علينا و جميع ما يرد عليكم منّا فافهموه فاحمدوا اللّه عليه، و ما جهلتموه فاتّكلوه إلينا، و قولوا: أئمّتنا أعلم بما قالوا. قال جابر- (رضي الله عنه)-: ثم استقبله أمير المدينة المقيم بها من قبل بني اميّة قد نكب و نكب حواليه حرمته و هو ينادي: معاشر الناس! احضروا ابن رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- عليّ بن الحسين- (عليه السلام)- و تقرّبوا به الى اللّه تعالى، و تضرّعوا إليه و أظهروا التوبة و الإنابة، لعلّ اللّه (أن) يصرف عنكم العذاب. قال جابر- رفع اللّه درجته-: فلمّا بصر الأمير بالباقر محمد بن عليّ- (عليهما السلام)- سارع نحوه، و قال: يا ابن رسول اللّه أ ما ترى ما نزل بامّة محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و قد هلكوا و فنوا، ثمّ قال له: أين أبوك حتى نسأله أن يخرج معنا الى المسجد فنتقرّب إلى اللّه تعالى، فيرفع عن أمّة محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- البلاء. فقال الباقر- (عليه السلام)-: يفعل إن شاء اللّه تعالى، و لكن أصحلوا من أنفسكم، و عليكم بالتوبة و النزوع عمّا أنتم عليه، فانّه لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون. قال جابر- (رضي الله عنه)-: فأتينا زين العابدين- (عليه السلام)- بأجمعنا و هو يصلّي، فانتظرنا حتى انفتل و أقبل علينا، ثمّ قال لي سرّا: يا محمّد كدت أن تهلك الناس جميعا. قال جابر- (رضي الله عنه)-: [قلت] و اللّه يا سيّدي ما شعرت بتحريكه حين حرّكه، فقال- (عليه السلام)-: يا جابر لو شعرت بتحريكه ما بقي علينا نافخ نار، فما خبر الناس، فأخبرناه، فقال: ذلك ممّا استحلّوا منّا محارم اللّه، و انتهكوا من حرمتنا. فقلت: يا بن رسول اللّه إنّ سلطانهم بالباب، قد سئلنا أن نسألك أن تحضر المسجد حتى يجتمع الناس إليك، فيدعون اللّه و يتضرّعون إليه و يسألونه الاقالة، فتبسّم، ثمّ تلا ﴿‏أَ وَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ‏﴾. قلت: يا سيّدي و مولاي العجب أنّهم لا يدرون من أين أتوا. فقال- (عليه السلام)-: أجل ثمّ تلا ﴿‏فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ‏﴾ ﴿‏هذا وَ ما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ‏﴾ هي و اللّه يا جابر آياتنا، و هذه و اللّه أحدها، و هي ممّا وصف اللّه تعالى في كتابه ﴿‏بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ‏﴾. ثمّ قال- (عليه السلام)-: يا جابر ما ظنّك بقوم أماتوا سنّتنا و ضيّعوا عهدنا، و والوا أعدائنا، و انتهكوا حرمتنا، و ظلمونا حقّنا، و غصبونا إرثنا، و أعانوا الظالمين علينا، و أحيوا سنّتهم، و ساروا سيرة الفاسقين الكافرين في فساد الدين و إطفاء نور الحقّ. قال جابر: فقلت: الحمد اللّه الذي منّ عليّ بمعرفتكم و عرّفني فضلكم و ألهمني طاعتكم و وفّقني لموالاة أوليائكم و معاداة أعدائكم. فقال- (عليه السلام)-: يا جابر أ تدري ما المعرفة؟ فسكت جابر، فأورد عليه، الخبر بطوله. و قد أوردت أنا المعجز الذي أظهره من هذا الخبر فقط، اذ ليس كلّ كتاب يحتمل شرح الأشياء بحقائقها. و رواه ابن شهر اشوب في كتاب المناقب: عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر- (عليه السلام)-.

مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام محمد الباقر عليه السلام · الخامس و الستون خبر الخيط المعروف

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.