محمد بن يعقوب: عن أحمد بن مهران و علي بن إبراهيم جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، قال: كنت عند أبي الحسن موسى- (عليه السلام)- إذ أتاه رجل نصراني و نحن معه بالعريض، فقال له النصراني: (إنّي) أتيتك من بلد بعيد و سفر شاقّ، و سألت ربّي منذ ثلاثين سنة أن يرشدني إلى خير الأديان، و إلى خير العباد و أعلمهم، و أتاني آت في النوم فوصف لي رجلا بعليا دمشق فانطلقت حتّى أتيته فكلّمته، فقال: أنا أعلم أهل ديني، و غيري أعلم منّي. فقلت له: أرشدني إلى من هو أعلم منك فإنّي لا أستعظم السفر، و لا تبعد عليّ الشقّة، و لقد قرأت الانجيل [كلّها] و مزامير داود، و قرأت أربعة أسفار من التوراة، و قرأت ظاهر القرآن حتّى استوعبته كلّه، فقال لي العالم: إن كنت تريد علم النصرانيّة فأنا أعلم العرب و العجم بها، و إن كنت تريد علم اليهوديّة فباطي بن شرحبيل السامري أعلم الناس بها اليوم، و إن كنت تريد علم الاسلام و علم التوراة و علم الانجيل و [علم] الزبور و كتاب هود و كلّما انزل على نبيّ من الأنبياء في دهرك و دهر غيرك، و ما انزل من السماء من خبر فعلمه أحد أو لم يعلم به أحد فيه تبيان كلّ شيء و شفاء للعالمين، و روح لمن استروح إليه، و بصيرة لمن أراد اللّه به خيرا و أنس إلى الحقّ فأرشدك إليه، فائته و لو مشيا على رجليك، فإن لم تقدر فحبوا على ركبتيك، فإن لم تقدر فزحفا على استك، فإن لم تقدر فعلى وجهك. فقلت: لا، بل أنا أقدر على المسير في البدن و المال. قال: فانطلق من فورك حتّى تأتي يثرب. فقلت: لا أعرف يثرب. قال: فانطلق حتّى تأتي مدينة النبيّ- (صلّى اللّه عليه و آله)- الذي بعث في العرب، و هو النبيّ العربي الهاشمي، فإذا دخلتها فسل عن بني غنم بن مالك بن النجّار، و هو عند باب مسجدها و أظهر بزّة النصرانيّة و حليتها، فإنّ و إليها يتشدّد عليهم و الخليفة أشدّ، ثمّ تسأل عن بني عمرو بن مبذول، و هو ببقيع الزبير، ثمّ تسأل عن موسى بن جعفر- (عليه السلام)- و أين منزله؟ و أين هو؟ مسافرا أو حاضرا، فإن كان مسافرا فالحقه فإنّ سفره أقرب ممّا ضربت إليه، ثمّ أعلمه أنّ مطران عليا الغوطة- غوطة دمشق- هو الذي أرشدني إليك، و هو يقرئك السلام كثيرا و يقول لك: إنّي لاكثر مناجاة ربّي أن يجعل إسلامي على يديك، فقصّ هذه القصّة و هو قائم معتمد على عصاه، ثمّ قال: إن أذنت لي يا سيّدي كفّرت [لك] و جلست. فقال: آذن لك أن تجلس و لا آذن لك أن تكفّر، فجلس ثمّ ألقى عنه برنسه، ثمّ قال: جعلت فداك، تأذن لي في الكلام؟ قال: نعم، ما جئت إلّا له. فقال له النصراني: اردد على صاحبي السلام أ و ما تردّ السلام؟ فقال أبو الحسن- (عليه السلام)-: على صاحبك أن هداه اللّه، أمّا التسليم فذاك إذا صار في ديننا. فقال النصراني: إنّي أسألك أصلحك اللّه؟ قال: سل. قال: أخبرني عن الكتاب الذي انزل على محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و نطق به، ثمّ وصفه بما وصفه [به]. فقال: ﴿حم وَ الْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ما تفسيرها في الباطن؟ فقال: أمّا ﴿حم﴾ فهو محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- و هو في كتاب هود الذي انزل عليه، و هو منقوص الحروف، و أمّا الكتاب المبين فهو أمير المؤمنين [علي]- (عليه السلام)- و أمّا الليلة ففاطمة- (صلوات الله عليه)ا- و أمّا قوله ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يقول: يخرج منها خير كثير، فرجل حكيم، و رجل حكيم، و رجل حكيم. فقال الرجل: صف لي الأوّل و الآخر من هؤلاء الرجال. فقال: [إنّ] الصفات تشتبه و لكنّ الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله، و إنّه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم إن لم تغيّروا و تحرّفوا و تكفروا، و قديما ما فعلتم. فقال له النصراني: إنّي لا أستر عنك ما علمت و لا أكذّبك و أنت تعلم ما أقول في صدق ما أقول و كذبه و اللّه لقد أعطاك اللّه من فضله، و قسم عليك من نعمه ما لا يخطره الخاطرون، و لا يستره الساترون، و لا يكذب فيه من كذب، فقولي لك في ذلك الحقّ كلّما ذكرت فهو كما ذكرت. فقال له أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: اعجلك أيضا خبرا لا يعرفه إلّا قليل ممّن قرأ الكتب، أخبرني ما اسم أمّ مريم؟ و أيّ يوم نفخت فيه مريم؟ و لكم من ساعة من النهار؟ و أيّ يوم وضعت مريم فيه عيسى- (عليه السلام)-؟ و لكم من ساعة من النهار؟ فقال النصراني: لا أدري. فقال أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: أمّا أمّ مريم فاسمها مرثا و هي وهيبة بالعربيّة، و أمّا اليوم الذي حملت فيه مريم فهو يوم الجمعة للزوال، و هو اليوم الذي هبط فيه الروح الأمين و ليس للمسلمين عيد كان أولى منه عظّمه اللّه تبارك و تعالى، و عظّمه محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- فأمر أن يجعله عيدا فهو يوم الجمعة، و أمّا اليوم الذي ولدت فيه مريم فهو يوم الثلاثاء لأربع ساعات و نصف من النهار، و النهر الذي ولدت عليه مريم عيسى- (عليه السلام)- هل تعرفه؟ قال: [لا، قال:]، هو الفرات، و عليه شجر النخل و الكرم و ليس يساوي بالفرات شيء للكروم و النخيل، فأمّا اليوم الذي حجبت فيه لسانها و نادى قيدوس ولده و أشياعه فأعانوه و أخرجوا آل عمران لينظروا إلى مريم فقالوا [لها]: ما قصّ اللّه عليك في كتابه و علينا في كتابه فهل فهمته؟ قال: نعم و قرأته اليوم الأحدث. قال- (عليه السلام)-: إذا لا تقوم من مجلسك حتّى يهديك اللّه. قال النصراني: ما كان اسم امّي بالسريانيّة و بالعربيّة؟ فقال: كان اسم امّك بالسريانيّة عنقالية، و عنقورة كان اسم جدّتك لأبيك، و أمّا اسم امّك بالعربية فهو ميّة، و أمّا اسم أبيك فعبد المسيح و هو عبد اللّه بالعربيّة، و ليس للمسيح عبد. قال: صدقت و بررت، فما كان اسم جدّي؟ قال: كان اسم جدّك جبريل و هو عبد الرحمن سمّيته في مجلسي هذا. قال: أما إنّه كان مسلما؟ قال أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: نعم، و قتل شهيدا دخلت عليه أجناد فقتلوه في منزله غيلة و الأجناد من أهل الشام. قال: فما كان اسمي قبل كنيتي. قال: كان اسمك عبد الصليب. قال: فما تسمّيني؟ قال: اسمّيك عبد اللّه. قال: فإنّي آمنت باللّه العظيم، و شهدت أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له فردا صمدا، ليس كما يصفه النصارى، و ليس كما يصفه اليهود و لا جنس من أجناس الشرك، و أشهد أنّ محمدا عبده و رسوله أرسله بالحقّ فأبان به لأهله و عمى المبطلون، و أنّه كان رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى الناس كافّة إلى الأحمر و الأسود كلّ فيه مشترك فأبصر من أبصر، و اهتدى من اهتدى، و عمى المبطلون، و ضلّ عنهم ما كانوا يدّعون، و أشهد أنّ وليّه نطق بحكمته، و أنّ من كان من قبله من الأنبياء نطقوا بالحكمة البالغة، و توازروا على الطاعة للّه، و فارقوا الباطل و أهله، و الرجس و أهله، و هجروا سبيل الضلالة، و نصرهم اللّه بالطاعة له، و عصمهم من المعصية، فهم للّه أولياء، و للدين أنصار، يحثّون على الخير، و يأمرون به، آمنت بالصغير منهم و الكبير، و من ذكرت منهم و من لم أذكر، و آمنت باللّه تبارك و تعالى ربّ العالمين. ثمّ قطع زنّاره و قطع صليبا كان في عنقه من ذهب، ثمّ قال: مرني حتّى أضع صدقتي حيث تأمرني. فقال- (عليه السلام)-: هاهنا أخ لك كان على مثل دينك، و هو رجل من قومك من قيس بن ثعلبة، و هو في نعمة كنعمتك فتواسيا و تجاورا، و لست أدع أن أورد عليكما حقّكما في الاسلام. فقال: و اللّه أصلحك اللّه إنّي لغنيّ و لقد تركت ثلاثمائة طروق بين فرس و فرسة، و تركت ألف بعير فحقّك فيها أوفر من حقّي. فقال له: أنت مولى اللّه و رسوله، و أنت في حدّ نسبك على حالك، فحسن إسلامه، و تزوّج امرأة من بني فهر، و أصدقها أبو إبراهيم- (عليه السلام)- خمسين دينارا من صدقة علي بن أبي طالب- (عليه السلام)- و أخدمه و بوّأه، و أقام حتّى أخرج أبو إبراهيم- (عليه السلام)- فمات بعد مخرجه بثمان و عشرين ليلة.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام موسى الكاظم عليه السلام · الثالث و الستّون حديث النصراني، و ما فيه من المعجزات، و غرائب الامور، و غزير العلم