محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم و أحمد بن مهران جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر، قال: كنت عند أبي إبراهيم- (عليه السلام)- و أتاه رجل من أهل نجران اليمن من الرهبان و معه راهبة فاستأذن لهما الفضل بن سوار فقال له: إذا كان غدا فائت بهما عند بئر أمّ خير. قال: فوافينا من الغد فوجدنا القوم قد وافوا، فأمر بخصفة بواري، ثمّ جلس و جلسوا، فبدأت الراهبة بالمسائل، فسألت عن مسائل كثيرة، كلّ ذلك يجيبها، و سألها أبو إبراهيم- (عليه السلام)- عن أشياء لم يكن عندها فيه شيء، ثمّ أسلمت، ثمّ أقبل الراهب يسأله، فكان يجيبه في كلّ ما يسأله. فقال الراهب: قد كنت قويّا على ديني، و ما خلّفت أحدا من النصارى في الأرض يبلغ مبلغي في العلم، و لقد سمعت برجل في الهند إذا شاء حجّ إلى بيت المقدس في يوم و ليلة، ثمّ يرجع إلى منزله بأرض الهند، فسألت عنه بأيّ أرض هو؟ فقيل لي: إنّه بسبذان، و سألت الذي أخبرني، فقال: هو علم الاسم الذي ظفر به آصف صاحب سليمان لمّا أتى بعرش سبأ، و هو الذي ذكره اللّه لكم في كتابكم، و لنا معشر الأديان في كتبنا. فقال له أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: فكم للّه من اسم لا يردّ؟ فقال الراهب: الأسماء كثيرة، فأمّا المحتوم منها الذي لا يردّ سائله فسبعة. فقال له أبو الحسن- (عليه السلام)-: فأخبرني عمّا تحفظ منها. قال الراهب: لا و اللّه الذي أنزل التوراة على موسى، و جعل عيسى عبرة للعالمين و فتنة لشكر اولي الألباب، و جعل محمدا بركة و رحمة، و جعل عليّا- (عليه السلام)- عبرة و بصيرة، و جعل الأوصياء من نسله و نسل محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- ما أدري، و لو دريت ما احتجت فيه إلى كلامك، و لا جئتك و لا سألتك. فقال له أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: عد إلى حديث الهندي. فقال له الراهب: سمعت بهذه الأسماء و لا أدري ما بطانتها و لا شرائحها، و لا أدري ما هي، و لا كيف هي، و لا بدعائها، فانطلقت حتّى قدمت سبذان الهند، فسألت عن الرجل فقيل لي: إنّه بنى ديرا في جبل، فصار لا يخرج و لا يرى إلّا في كلّ سنة مرّتين، و زعمت الهند أنّ اللّه تعالى فجّر له عينا في ديره، و زعمت الهند أنّة يزرع [له] من غير زرع يلقيه، و يحرث له من غير حرث يعمله، فانتهيت إلى بابه، فأقمت ثلاثا لا أدقّ الباب، و لا اعالج الباب، فلمّا كان اليوم الرابع فتح اللّه الباب، و جاءت بقرة عليها حطب تجرّ ضرعها يكاد يخرج ما في ضرعها من اللبن، فدفعت الباب فانفتح، فتبعتها و دخلت، فوجدت الرجل قائما ينظر إلى السماء فيبكي، و ينظر إلى الأرض فيبكي، و ينظر إلى الجبال فيبكي، فقلت: سبحان اللّه! ما أقلّ ضربك في دهرنا هذا! فقال لي: و اللّه ما أنا إلّا حسنة من حسنات رجل خلّفته وراء ظهرك. فقلت له: اخبرت أنّ عندك اسما من أسماء اللّه تعالى تبلغ به في كلّ يوم و ليلة بيت المقدس و ترجع إلى بيتك. فقال لي: و هل تعرف بيت المقدس؟ قلت: لا أعرف إلّا بيت المقدس الذي بالشام. قال: ليس بيت المقدس و لكنّه البيت المقدس، و هو بيت آل محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)-. فقلت له: أمّا ما سمعت به إلى يومي هذا فهو بيت المقدس. فقال لي: تلك محاريب الأنبياء، و إنّما كان يقال لها حظيرة المحاريب حتّى جاءت الفترة التي كانت بين محمد و عيسى- صلّى اللّه عليهما-، و قرب البلاء من أهل الشرك، و حلّت النقمات في دور الشياطين، فحوّلوا و بدّلوا و نقلوا تلك الأسماء و هو قول اللّه تبارك و تعالى: البطن لآل محمد و الظهر مثل ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾. فقلت له: إنّي قد ضربت إليك من بلد بعيد تعرّضت إليك بحارا و غموما و هموما و خوفا، و أصبحت و أمسيت مؤيسا ألّا أكون ظفرت بحاجتي. فقال لي: ما أرى امّك حملت بك إلّا و قد حضرها ملك كريم، و لا أعلم أنّ أباك حين أراد الوقوع بامّك إلّا و قد اغتسل و جاءها على طهر، و لا أزعم إلّا أنّه قد كان درس السفر الرابع من سحره ذلك فختم له بخير، ارجع من حيث جئت، فانطلق حتّى تنزل مدينة محمد- (صلّى اللّه عليه و آله)- التي يقال لها طيبة، و قد كان اسمها في الجاهليّة يثرب، ثمّ اعمد إلى موضع منها يقال له البقيع، ثمّ سل عن دار يقال لها دار مروان فانزلها، و أقم ثلاثا، ثمّ سل [عن] الشيخ الأسود [الذي] يكون على بابها يعمل البواري، و هي في بلادهم اسمها الخصف، فالطف بالشيخ و قل له: بعثني إليك نزيلك الذي كان ينزل في الزاوية في البيت الذي فيه الخشيبات الأربع، ثمّ سله عن فلان بن فلان الفلاني، و سله أين ناديه، و سله أيّ ساعة يمرّ فيها فليريكاه، أو يصفه لك فتعرفه بالصفة، و سأصفه لك. قلت: فإذا لقيته فأصنع ما ذا؟ قال: سله عمّا كان، و عمّا هو كائن، و سله عن معالم دين من مضى، و من بقي. فقال له أبو إبراهيم- (عليه السلام)-: قد نصحك صاحبك الذي لقيت. فقال الراهب: ما اسمه، جعلت فداك؟ قال: هو متمّم بن فيروز، و هو من أبناء الفرس، و هو ممّن آمن باللّه وحده لا شريك له، و عبده بالاخلاص و الايقان، و فرّ من قومه لمّا خالفهم فوهب له ربّه حكما، و هداه لسبيل الرشاد، و جعله من المتّقين، و عرّف بينه و بين عباده المخلصين، و ما من سنة إلّا و هو يزور فيها مكّة حاجّا، و يعتمر في رأس كلّ شهر مرّة، و يجيء من موضعه من الهند إلى مكّة فضلا من اللّه و عونا، و كذلك يجزي اللّه الشاكرين. ثمّ سأله الراهب عن مسائل كثيرة، كلّ ذلك يجيبه فيها، و سأل الراهب عن أشياء لم يكن عند الراهب فيها شيء فأخبره بها، ثمّ إنّ الراهب قال: أخبرني عن ثمانية أحرف نزلت فتبيّن في الأرض منها أربعة، و بقي في الهواء منها أربعة على من نزلت تلك الأربعة التي في الهواء، و من يفسّرها؟ قال: ذاك قائمنا ينزله اللّه عليه فيفسّره، و ينزل عليه ما لم ينزّل على الصدّيقين و الرسل و المهتدين. ثمّ قال الراهب: فأخبرني عن الاثنين من تلك الأربعة الأحرف التي في الأرض ما هي؟ قال: أخبرك بالأربعة كلّها، أمّا أوّلهنّ فلا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له باقيا، و الثانية محمد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- مخلصا، و الثالثة نحن أهل البيت، و الرابعة شيعتنا منّا، و نحن من رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- من اللّه بسبب. فقال له الراهب: أشهد أن لا إله إلّا اللّه (وحده لا شريك له)، و أنّ محمدا رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-، و أنّ ما جاء به من عند اللّه حقّ، و أنّكم صفوة اللّه من خلقه، و أنّ شيعتكم المطهّرون المستذلّون و لهم عاقبة اللّه، و الحمد للّه ربّ العالمين، فدعا أبو إبراهيم- (عليه السلام)- بجبّة خزّ و قميص قوهيّ و طيلسان و خفّ و قلنسوة فأعطاه إيّاها، و صلّى الظهر و قال له: اختتن. فقال: قد اختتنت في سابعي.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام موسى الكاظم عليه السلام · الرابع و الستّون حديث الراهب و الراهبة