الأقساممدينة المعاجزمعاجز الإمام علي الرضا عليه السلام
مدينة المعاجز · رقم ٢٢٤٠

ابن بابويه: قال: حدّثنا أبو الحسن محمد بن القاسم المفسّر- (رضي الله عنه)- قال: حدّثنا يوسف بن محمد بن زياد و عليّ بن محمد ابن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ العسكريّ، عن أبيه عليّ بن محمد، عن أبيه محمد بن عليّ- (عليهم الصلاة و السلام)- أنّ الرضا عليّ بن موسى- (عليه السلام)- لمّا جعله المأمون وليّ عهده احتبس المطر، فجعل بعض حاشية المأمون و المتعصّبين على الرضا- (عليه السلام)- يقولون: انظروا لمّا جاءنا عليّ بن موسى- (عليه السلام)- و صار وليّ عهدنا حبس اللّه تعالى عنّا المطر! و اتّصل ذلك بالمأمون، فاشتدّ عليه و قال للرضا- (عليه السلام)-: قد احتبس المطر، فلو دعوت اللّه عزّ و جلّ أن يمطر الناس. فقال الرضا- (عليه السلام)-: نعم (أنا أفعل ذلك) قال: فمتى تفعل ذلك؟- و كان ذلك يوم الجمعة- قال: يوم الاثنين، فانّ رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أتاني البارحة في منامي و معه أمير المؤمنين عليّ- (عليه السلام)- و قال: «يا بنيّ انتظر يوم الاثنين فابرز إلى الصحراء و استسق، فانّ اللّه تعالى سيسقيهم، و أخبرهم بما يريك اللّه تعالى ممّا لا يعلمون حاله، ليزداد علمهم بفضلك و مكانك من ربّك عزّ و جلّ». فلمّا كان يوم الاثنين غدا إلى الصحراء، و خرج الخلائق ينظرون، فصعد المنبر فحمد اللّه تعالى و أثنى عليه ثمّ قال: «اللهمّ يا ربّ أنت عظّمت حقّنا أهل البيت، فتوسّلوا بنا كما أمرت، و أمّلوا فضلك و رحمتك، و توقّعوا إحسانك و نعمتك، فاسقهم سقيا نافعا عامّا غير رائث و لا ضائر و ليكن ابتداء مطرهم بعد انصرافهم من مشهدهم هذا إلى منازلهم و مقارّهم». قال: فو [اللّه] الذي بعث محمّدا- (صلّى اللّه عليه و آله)- بالحقّ نبيّا لقد نسجت الرياح في الهواء الغيوم و أرعدت و أبرقت و تحرّك الناس كأنّهم يريدون التنحّي عن المطر. فقال الرضا- (عليه السلام)-: على رسلكم أيّها الناس، فليس هذا الغيم لكم إنّما هو لأهل بلد كذا، فمضت السحابة و عبرت ثمّ جاءت [سحابة] اخرى تشتمل على رعد و برق، فتحركوا، فقال: على رسلكم فما هذه لكم إنّما هي لاهل بلد كذا، فما زال حتى جاءت عشر سحابات و عبرت و يقول عليّ بن موسى الرضا- (عليه السلام)- في كلّ واحدة على رسلكم ليست هذه لكم إنّما هي لأهل بلد كذا (و كذا). ثمّ أقبلت السحابة الحادية عشر فقال: أيّها النّاس هذه [سحابة] بعثها اللّه- عزّ و جلّ- لكم، فاشكروا اللّه تعالى على تفضّله عليكم، و قوموا إلى منازلكم و مقارّكم فانّها مسامتة لكم و لرؤوسكم، ممسكة عنكم إلى أن تدخلوا مقارّكم، ثمّ يأتيكم من الخير ما يليق بكرم اللّه تعالى و جلاله. و نزل من المنبر و انصرف الناس، فما زالت السحابة ممسكة إلى أن قربوا من منازلهم، ثمّ جاءت بوابل المطر فملأت الأودية و الحياض و الغدران و الفلوات، فجعل الناس يقولون: هنيئا لولد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- كرامات اللّه تعالى. ثمّ برز إليهم الرضا- (عليه السلام)- و حضرت الجماعة الكثيرة منهم، فقال: [يا] أيّها الناس اتّقوا اللّه في نعم اللّه عليكم، فلا تنفروها عنكم بمعاصيكم، بل استديموها بطاعته و شكره على نعمه و أياديه، و اعلموا أنّكم لا تشكرون اللّه تعالى بشيء بعد الإيمان باللّه تعالى و بعد الاعتراف بحقوق أولياء اللّه تعالى من آل محمد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- أحبّ إليه من معاونتكم لإخوانكم المؤمنين على دنياهم التي هي معبر لهم إلى جنان ربّهم، فإنّ من فعل ذلك كان من خاصّة اللّه تبارك و تعالى. و قد قال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في ذلك قولا ما ينبغي لقائل أن يزهد في فضل اللّه تعالى عليه (فيه) إن تامّله و عمل عليه. قيل يا رسول اللّه هلك فلان! يعلم من الذنوب كيت و كيت. فقال رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)-: بل قد نجا و لا يختم اللّه تعالى عمله إلّا بالحسنى، و سيمحو اللّه عنه السيّئات و يبدّلها له حسنات، إنّه كان مرّة يمرّ في طريق عرض له مؤمن قد انكشفت عورته و هو لا يشعر، فسترها عليه و لم يخبره بها مخافة أن يخجل، ثمّ إنّ ذلك المؤمن عرفه في مهواه فقال له: أجزل اللّه لك الثواب و أكرم لك المآب، و لا ناقشك [في] الحساب، فاستجاب اللّه تعالى له فيه، فهذا العبد لا يختم له إلّا بخير بدعاء ذلك المؤمن. فاتّصل قول رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- بهذا الرجل، فتاب و أناب و أقبل على طاعة اللّه عزّ و جلّ، فلم يأت عليه سبعة أيّام حتى اغير على سرح المدينة، فوجّه رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- في أثرهم جماعة- ذلك الرجل أحدهم- فاستشهد فيهم. قال الإمام محمد بن عليّ بن موسى- (عليهم السلام)-: و عظّم اللّه تبارك و تعالى البركة في البلاد بدعاء الرضا- (عليه السلام)-، و قد كان للمأمون من يريد أن يكون هو وليّ عهده من دون الرضا- (عليه السلام)-، و حسّاد كانوا بحضرة المأمون للرضا- (عليه السلام)-. فقال للمأمون بعض اولئك: يا أمير المؤمنين اعيذك باللّه أن تكون تاريخ الخلفاء في إخراجك هذا الشرف العميم و الفخر العظيم من بيت ولد العبّاس إلى بيت ولد عليّ- (عليهم السلام)-، و لقد أعنت على نفسك و أهلك جئت بهذا الساحر ولد السحرة، و قد كان خاملا فأظهرته و متّضعا فرفعته، و منسيا فذكّرت به و مستخفيا فنوّهت به، قد ملأ الدنيا مخرقة و تشوّقا بهذا المطر الوارد عند دعائه، ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العبّاس إلى ولد عليّ- (عليه السلام)-، بل ما أخوفني أن يتوصّل بسحره إلى إزالة نعمتك و التوثّب على مملكتك، هل جنى أحد على نفسه و ملك مثل جنايتك؟ فقال المأمون: قد كان هذا الرجل مستترا عنّا يدعو إلى نفسه، فأردنا أن نجعله وليّ عهدنا ليكون دعاؤه لنا و ليعترف بالملك و الخلافة [لنا]، و ليعتقد فيه المفتونون [به] أنّه ليس ممّا ادّعى في قليل و لا كثير، و أنّ هذا الأمر لنا من دونه، و قد خشينا إن تركناه على تلك الحال أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه، و يأتي علينا منه ما لا نطيقه، و الآن فاذ قد فعلنا به ما فعلنا، و أخطأنا في أمره بما أخطأنا و أشرفنا من الهلاك بالتنويه [به] على ما أشرفنا، فليس يجوز التهاون في أمره، و لكنّا نحتاج أن نضع منه قليلا قليلا حتى نصوّره عند الرعيّة بصورة من لا يستحقّ لهذا الأمر، ثمّ ندبّر فيه بما يحسم عنّا موادّ بلائه. قال الرجل: يا أمير المؤمنين فولّني مجادلته فإنّي افحمه و أصحابه و أضع من قدره، فلو لا هيبتك في صدري لأنزلته منزلته و بيّنت للناس قصوره عمّا رشّحته له. فقال المأمون: ما شيء أحبّ إليّ من هذا. قال: فاجمع وجوه [أهل] مملكتك و القوّاد و القضاة و خيار الفقهاء لابيّن نقصه بحضرتهم، فيكون أخذا له عن محلّه الذي أحللته فيه على علم منهم بصواب فعلك. قال: فجمع الخلق الفاضلين من رعيّته في مجلس واسع قعد فيه لهم، و أقعد الرضا- (عليه السلام)- بين يديه في مرتبته التي جعلها اللّه له، فابتدأ هذا الحاجب المتضمّن للوضع من الرضا- (عليه السلام)- و قال له: إنّ النّاس قد أكثروا عنك الحكايات و أسرفوا في وصفك بما أرى أنّك إن وقفت عليه برئت إليهم منه. فاوّل ذلك إنّك دعوت اللّه تعالى في المطر المعتاد مجيئه فجاء، فجعلوه آية لك و معجزة، أوجبوا لك بها أن لا نظير لك في الدنيا، و هذا امير المؤمنين- ادام اللّه تعالى ملكه و بقاءه- لا يوازن بأحد إلّا رجّح به، و قد احلّك المحلّ الذي قد عرفت، فليس من حقّه عليك أن تسوّغ الكاذبين لك و عليه ما يتكذّبونه. فقال الرضا- (عليه السلام)-: ما أدفع عباد اللّه عن التحدّث بنعم اللّه عليّ و إن كنت لا أبغي (بذلك) أشرا و لا بطرا، و أمّا ذكرك صاحبك الذي أحلّني (ما أحلّني)، فما أحلّني إلّا المحلّ الذي أحلّه ملك مصر يوسف الصديق- (عليه السلام)-، و كانت حالهما ما قد علمت. فغضب الحاجب عند ذلك و قال: يا بن موسى لقد عدوت طورك و تجاوزت قدرك أن بعث اللّه تعالى بمطر مقدّر وقته لا يتقدّم و لا يتأخّر، جعلته آية تستطيل بها و صولة تصول بها، كأنّك جئت بمثل آية الخليل إبراهيم- (عليه السلام)-، لمّا أخذ رءوس الطير بيده و دعا أعضائها التي كان فرّقها على الجبال، فأتينه سعيا و تركّبن على الرءوس و خفقن و طرن باذن اللّه تعالى! فان كنت صادقا فيما توهّم فأحي هذين و سلّطهما عليّ، فانّ ذلك يكون حينئذ آية معجزة. فأمّا المطر المعتاد [مجيئه] فلست (أنت) أحقّ بأن يكون جاء بدعائك دون غيرك الذي دعا كما (قد) دعوت- و كان الحاجب [قد] أشار إلى أسدين مصوّرين على مسند المأمون الذي كان مستندا إليه، و كانا متقابلين على المسند-. فغضب عليّ بن موسى الرضا- (عليه السلام)- و صالح بالصورتين دونكما الفاجر فافترساه و لا تبقيا له عينا و لا أثرا. فوثبت الصورتان و قد صارتا أسدين، فتناولا الحاجب [و عضّاه] و رضّضاه و هشّماه و أكلاه و لحسا دمه، و القوم ينظرون متحيّرين ممّا يبصرون، فلمّا فرغا منه أقبلا على الرضا- (عليه السلام)- و قالا: يا وليّ اللّه في أرضه! ما ذا تأمرنا أن نفعل بهذا؟ نفعل به ما فعلنا بهذا؟ - يشيران إلى المأمون- فغشي على المأمون ممّا سمع منهما. فقال الرضا- (عليه السلام)-: قفا، فوقفا. ثمّ قال الرضا- (عليه السلام)-: صبّوا عليه ماء ورد. و طيّبوه، ففعل ذلك به و عاد الأسدان يقولان: أ تأذن لنا أن نلحقه بصاحبه الذي أفنيناه؟ قال: لا، فإنّ للّه تعالى [فيه] تدبيرا هو ممضيه، فقالا: ما ذا تأمرنا؟ فقال الرضا- (عليه السلام)-: عودا إلى مقرّكما كما كنتما، فعادا إلى المسند و صارا صورتين كما كانتا. فقال المأمون: الحمد للّه الذي كفاني شرّ حميد بن مهران- يعني الرجل المفترس- ثمّ قال للرضا- (عليه السلام)-: يا ابن رسول اللّه هذا الأمر لجدّكم رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- ثمّ لكم فلو شئت لنزلت عنه لك. فقال الرضا- (عليه السلام)-: لو شئت لما ناظرتك و لم أسألك، فانّ اللّه تعالى [قد] أعطاني من طاعة سائر خلقه مثل ما رأيت من طاعة هاتين الصورتين إلّا جهّال بني آدم، فانّهم و إن خسروا حظوظهم فللّه تعالى فيهم تدبير، و قد أمرني (ربّي) بترك الاعتراض عليك و إظهار ما أظهرته من العمل من تحت يدك، كما أمر يوسف- (عليه السلام)- بالعمل من تحت يد فرعون مصر. قال: فما زال المأمون ضئيلا (في نفسه) إلى أن قضى في عليّ ابن موسى الرضا عليه من الصلاة أفضلها ما قضى.

مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام علي الرضا عليه السلام · السابع و مائة: استجابة دعائه(عليه السلام) و علمه بالسحاب الماطر و الأسدان اللذان افترسا الحاجب

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.