ابن بابويه: قال: حدّثنا عليّ بن عبد اللّه الورّاق و الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن هشام المؤدّب و حمزة بن محمد العلويّ و أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ- (رضي الله عنهم)- قالوا: أخبرنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه عن عبد السلام بن صالح الهرويّ. و حدّثنا أبو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان- (رضي الله عنه)-، عن أحمد ابن إدريس، عن إبراهيم بن هاشم، عن عبد السلام بن صالح الهرويّ قال: رفع إلى المأمون أنّ أبا الحسن عليّ بن موسى- (عليه السلام)- يعقد مجالس الكلام و الناس يفتتنون بعلمه، فأمر محمد بن عمرو الطوسي حاجب المأمون، فطرد الناس عن مجلسه و أحضره، فلمّا نظر [إليه] المأمون زبره و استخفّ به. فخرج أبو الحسن الرضا- (عليه السلام)- من عنده مغضبا و هو يدمدم شفتيه و يقول: و حقّ المصطفى- (صلّى اللّه عليه و آله)- و المرتضى- (عليه السلام)- [و سيّدة النساء- (عليها السلام)-] لاستنزلنّ من حول اللّه- عزّ و جلّ- بدعائي عليه ما يكون سببا لطرد كلاب أهل هذه الكورة إيّاه و استخفافهم به و بخاصّته و عامّته. ثمّ إنّه- (عليه السلام)- انصرف إلى مركزه و استحضر الميضاة و توضّأ و صلّى ركعتين و قنت في الثانية فقال: «اللهم يا ذا القدرة الجامعة و الرّحمة الواسعة و المنن المتتابعة و الآلاء المتوالية و الأيادي الجميلة و المواهب الجزيلة، يا من لا يوصف بتمثيل و لا يمثّل بنظير و لا يغلب بظهير، يا من خلق فرزق و ألهم فأنطق و ابتدع فشرع و علا فارتفع و قدّر فأحسن و صوّر فأتقن و احتجّ فأبلغ و أنعم فأسبغ و أعطى فأجزل. يا من سما في العزّ ففات خواطف الأبصار و دنا في اللطف فجاز هواجس الأفكار، يا من تفرّد بالملك فلا ندّ له في ملكوت سلطانه، و توحّد بالكبرياء فلا ضدّ له في جبروت شأنه، يا من حارت في كبرياء هيبته دقائق لطائف الأوهام، و حسرت دون إدراك عظمته خطائف أبصار الأنام، يا عالم خطرات قلوب العالمين و يا شاهد لحظات أبصار الناظرين، يا من عنت الوجوه لهيبته، و خضعت الرقاب لجلالته، و وجلت القلوب من خيفته، و ارتعدت الفرائص من فرقه. يا بديء يا بديع، يا قويّ يا منيع، يا عليّ يا رفيع، صلّ على من شرّفت الصلاة بالصلاة عليه، و انتقم لي ممّن ظلمني و استخفّ بي و طرد الشيعة عن بابي، و أذقه مرارة الذلّ و الهوان كما أذاقنيها، و اجعله طريد الأرجاس و شريد الأنجاس». قال أبو الصلت عبد السلام بن صالح الهرويّ: فما استتمّ مولاي الرضا- (عليه السلام)- دعاؤه حتى وقعت الرجفة في المدينة و ارتجّ البلد و ارتفعت الزعقة و الضجّة، و استفحلت النعرة و ثارت الغبرة و هاجت القاعة، فلم أزايل مكاني إلى أن سلّم مولاي- (عليه السلام)- فقال لي: يا أبا الصلت اصعد السطح، فانّك سترى امرأة بغيّة عثّة رثّه مهيّجة [الاشرار] متّسخة الأطمار، يسمّيها أهل هذه الكورة «سمانة» لغباوتها و تهتّكها، و قد اسندت مكان الرمح إلى نحرها قصبا، و قد شدّت وقاية لها حمراء إلى طرفه مكان اللواء، فهي تقود جيوش القاعة، و تسوق عساكر الطغام إلى قصر المأمون و منازل قوّاده، فصعدت السطع فلم أر إلّا نفوسا تتزعزع بالعصيّ و هامات ترضخ بالأحجار، و لقد رأيت المأمون متدرّعا قد برز من قصر الشاهجان متوجّها للهرب. فما شعرت إلّا بشاجرد الحجّام، قد رمى من بعض أعالي السطوح بلبنة ثقيلة، فضرب بها رأس المأمون، فأسقطت بيضته بعد أن شقّت جلدة هامّته. فقال لقاذف اللبنة بعض من عرف المأمون: ويلك هذا أمير المؤمنين، فسمعت سمّانة تقول: اسكت لا أمّ لك، ليس هذا يوم التميز و المحاباة و لا يوم إنزال الناس على طبقاتهم، فلو كان هذا أمير المؤمنين لما سلّط ذكور الفجّار على فروج الأبكار، و طرد المأمون و جنوده أسوأ طرد بعد إذلال و استخفاف شديد.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام علي الرضا عليه السلام · الثامن و مائة: استجابة دعائه(عليه السلام) على المأمون و علمه بالغائب