محمد بن يعقوب: عن عليّ بن إبراهيم، عن ياسر الخادم و الرّيان بن الصلت جميعا قال: لمّا انقضى أمر المخلوع و استوى الأمر للمأمون كتب إلى الرضا- (عليه السلام)- يستقدمه إلى خراسان، فاعتلّ [عليه] أبو الحسن- (عليه السلام)- بعلل، فلم يزل المأمون يكاتبه في ذلك حتى علم أنّه لا محيص له، و أنّه لا يكفّ عنه، فخرج- (عليه السلام)- و لأبي جعفر- (عليه السلام)- سبع سنين. فكتب إليه المأمون لا تأخذ على طريق الجبل و قم و خذ على طريق البصرة و الأهواز و فارس، حتى وافي مرو فعرض عليه المأمون أن يتقلّد الأمر و الخلافة، فأبي أبو الحسن- (عليه السلام)- قال: فولاية العهد. فقال: على شروط أسألكها، قال المأمون [له]: سل ما شئت. فكتب الرضا- (عليه السلام)-: إنّي داخل في ولاية العهد على أن لا أمر و لا أنهى و لا أفتي و لا أقضي و لا أولّي و لا أعزل و لا اغيّر شيئا ممّا هو قائم، و تعفيني من ذلك كلّه فأجاب المأمون إلى ذلك كلّه. قال: فحدّثني ياسر قال: فلمّا حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا- (عليه السلام)- يسأله أن يركب و يحضر العيد و يصلّي و يخطب، فبعث إليه الرضا- (عليه السلام)- قال: علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول هذا الأمر، فبعث إليه المأمون إنّما اريد بذلك أن تطمئنّ قلوب الناس و يعرفوا فضلك، فلم يزل- (عليه السلام)- يرادّه الكلام في ذلك فألحّ عليه. فقال: يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحبّ إليّ و إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله)- و أمير المؤمنين- (عليه السلام)-. فقال المأمون: اخرج كيف شئت، و أمر المأمون القوّاد و الناس أن يبكّروا إلى باب أبي الحسن- (عليه السلام)-. قال: فحدّثني ياسر الخادم إنّه قعد الناس لأبي الحسن- (عليه السلام)- في الطرقات و السطوح الرجال و النساء و الصبيان، و اجتمع القوّاد و الجند على باب أبي الحسن- (عليه السلام)-. فلمّا طلعت الشمس قام- (عليه السلام)- فاغتسل و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه و تشمّر، ثمّ قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت، ثمّ أخذ بيده عكّازا ثمّ خرج و نحن بين يديه و هو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق، و عليه ثياب مشمّرة. فلمّا مشى و مشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء و كبّر أربع تكبيرات فخيّل [إلينا] أنّ السماء و الحيطان تجاوبه، و القوّاد و الناس على الباب قد تهيّئوا و لبسوا السلاح و تزيّنوا بأحسن الزينة، فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة و طلع الرضا- (عليه السلام)- وقف على الباب وقفة ثمّ قال: «اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر على ما هدانا اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، و الحمد للّه على ما أبلانا»، نرفع به أصواتنا. قال ياسر: فتزعزعت مرو بالبكاء و الضجيج و الصياح لمّا نظروا إلى أبي الحسن- (عليه السلام)-، و سقط القوّاد عن دوابهم و رموا بخفافهم لمّا رأوا أبا الحسن- (عليه السلام)- حافيا، و كان يمشي و يقف في كلّ عشر خطوات و يكبّر ثلاث مرات. قال ياسر: فتخيّل إلينا انّ السماء و الأرض و الجبال تجاوبه، و صارت مرو ضجّة واحدة من البكاء و بلغ المأمون ذلك. فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا- (عليه السلام)- المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، و الرأي أن تسأله أن يرجع. فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع، فدعا أبو الحسن- (عليه السلام)- بخفّه فلبسه و ركب و رجع (و اختلف أمر الناس في ذلك اليوم و لم ينتظم في صلواتهم).
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام علي الرضا عليه السلام · السادس عشر و مائة: علمه(عليه السلام) بأنّ عهد المأمون لا يتمّ