الإمام أبو محمّد العسكريّ- (عليه السلام)- في تفسيره: رواه أبو يعقوب يوسف بن زياد و عليّ بن سيّار- (رضي الله عنهما)- قالا: حضرنا ليلة على غرفة الحسن بن عليّ بن محمّد- (عليهم السلام)- و قد كان ملك الزمان له معظّما و حاشيته له مبجّلين، إذ مرّ علينا والي البلد- والي الجسرين- و معه رجل مكتوف، و الحسن بن علىّ- (عليه السلام)- مشرف من روزنته، فلمّا رآه الوالي ترجّل عن دابّته إجلالا له. فقال الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-: «عد إلى موضعك» فعاد و هو معظّم له، و قال: يا ابن رسول اللّه أخذت هذا في هذه اللّيلة على باب حانوت صيرفيّ، فاتّهمته بأنّه يريد نقبه و السرقة منه، فقبضت عليه، فلمّا هممت بأن أضربه خمسمائة [سوط]- و هذا سبيلي فيمن أتّهمه ممّن آخذه- [لئلّا يسألني فيه من لا اطيق مدافعته] ليكون قد شقى ببعض ذنوبه قبل أن يأتيني [و يسألني فيه] من لا اطيق مدافعته. فقال لي: اتّق اللّه و لا تتعرّض لسخط اللّه، فإنّي من شيعة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و شيعة هذا الإمام أبي القائم بأمر اللّه- (عليه السلام)-، فكففت [عنه] و قلت: أنا مارّ بك عليه، فإن عرفك بالتشيّع أطلقت عنك و إلّا قطعت يدك و رجلك بعد أن أجلدك ألف سوط، و [قد] جئتك [به] يا ابن رسول اللّه، فهل هو من شيعة عليّ- (عليه السلام)- كما ادّعى؟ فقال الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-: «معاذ اللّه ما هذا من شيعة عليّ- (عليه السلام)-، و إنّما ابتلاه [اللّه] في يدك، لاعتقاده في نفسه أنّه من شيعة عليّ- (عليه السلام)-» [فقال الوالي: الآن] كفيتني مؤونته، الآن أضربه خمسمائة ضربة لا حرج عليّ فيها. فلمّا نحّاه بعيدا قال: ابطحوه فبطحوه، و أقام عليه جلّادين واحدا عن يمينه و آخر عن شماله، و قال: أوجعاه، فأهويا إليه بعصيّهما، فكانا لا يصيبان استه شيئا إنّما يصيبان الأرض، فضجر من ذلك، و قال: ويلكما تضربان الأرض؟ اضربا استه، فذهبا يضربان استه، فعدلت أيديهما فجعلا يضرب بعضهما بعضا و يصيح و يتأوّه. فقال لهما: و يحكما أ مجنونان أنتما يضرب بعضكما بعضا؟! اضربا الرجل، فقالا: ما نضرب إلّا الرجل و ما نقصد سواه، و لكن تعدل أيدينا حتى يضرب بعضنا بعضا. قال: فقال: يا فلان و يا فلان و يا فلان حتّى دعا أربعة و صاروا مع الأوّلين ستّة، و قال: احيطوا به فأحاطوا به، فكان يعدل بأيديهم و ترفع عصيّهم إلى فوق، و كانت لا تقع إلّا بالوالي، فسقط عن دابّته و قال: قتلتموني قتلكم اللّه ما هذا؟! فقالوا: ما ضربنا إلّا إيّاه! ثمّ قال لغيرهم: تعالوا فاضربوا هذا، فجاءوا فضربوه بعد، فقال: ويلكم إيّاي تضربون؟! قالوا: لا و اللّه لا نضرب إلّا الرجل! قال الوالي: فمن [أين] لي هذه الشّجات برأسي و وجهي و بدني إن لم تكونوا تضربوني؟ فقالوا: شلّت أيماننا إن كنّا [قد] قصدناك بضرب، فقال الرجل للوالي: يا عبد اللّه أ ما تعتبر بهذه الألطاف التي بها يصرف عنّي هذا الضرب، ويلك ردّني إلى الإمام و امتثل فىّ أمره. قال: فردّه الوالي بعد [إلى] بين يدي الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)-، فقال: يا ابن رسول اللّه عجبا لهذا أنكرت أن يكون من شيعتكم، [و من لم يكن من شيعتكم] فهو من شيعة إبليس و هو في النار، و قد رأيت له من المعجزات ما لا يكون إلّا للأنبياء، [فقال الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- قل: «أو للأوصياء»، فقال: أو للأوصياء]. فقال الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- للوالي: «يا عبد اللّه إنّه كذب في دعواه- أنّه من شيعتنا- كذبة لو عرفها ثمّ تعمّدها لابتلي بجميع عذابك له، و لبقي في المطبق ثلاثين سنة، و لكن اللّه تعالى رحمه لاطلاق كلمة على ما عنى، لا على [تعمّد كذب، و أنت يا عبد اللّه فاعلم أنّ اللّه عزّ و جلّ قد خلّصه] من يديك، خلّ عنه فإنّه من موالينا و محبّينا و ليس من شيعتنا». فقال الوالي: ما كان هذا كلّه عندنا إلّا سواء، فما الفرق؟ قال له الإمام- (عليه السلام)-: «الفرق أنّ شيعتنا هم الذين يتّبعون آثارنا و يطيعونا في جميع أوامرنا و نواهينا، فأولئك [من] شيعتنا، فأمّا من خالفنا في كثير ممّا فرضه اللّه عليه فليسوا من شيعتنا». قال الإمام- (عليه السلام)- للوالي: «و أنت قد كذبت كذبة لو تعمّدتها و كذبتها لابتلاك اللّه عزّ و جلّ بضرب ألف سوط و سجن ثلاثين سنة [في] المطبق»، قال: و ما هي يا ابن رسول اللّه؟ قال: «بزعمك أنّك رأيت له معجزات، إنّ المعجزات ليست له إنّما هي لنا أظهرها اللّه تعالى فيه إبانة لحججنا و إيضاحا لجلالتنا و شرفنا، و لو قلت: شاهدت فيه معجزات لم انكره عليك، أ ليس إحياء عيسى- (عليه السلام)- الميّت معجزة؟ أ فهي للميّت أم لعيسى؟ أو ليس خلق من الطين كهيئة الطير فصار طيرا بإذن اللّه؟ أ هي للطائر أو لعيسى؟ أو ليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة، أ فهي من معجزة للقردة أو لنبيّ ذلك الزمان؟» فقال: الوالي أستغفر اللّه [ربّي] و أتوب إليه. [ثمّ] قال الحسن بن عليّ- (عليهما السلام)- للرجل الذي قال إنّه من شيعة عليّ- (عليه السلام)-: «يا عبد اللّه لست من شيعة عليّ- (عليه السلام)- إنّما أنت من محبّيه و إنّما شيعة عليّ- (عليه السلام)- الذين قال اللّه تعالى فيهم: ﴿وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ هم الّذين آمنوا باللّه و وصفوه بصفاته و نزّهوه عن خلاف صفاته، و صدّقوا محمّدا في أقواله و صوّبوه في كلّ أفعاله، و رأوا عليّا بعده سيّدا إماما و قرما هماما لا يعدله من أمّة محمّد أحد، و لا كلّهم إذا اجتمعوا في كفّة يوزنون بوزنه، بل يرجّح عليهم كما ترجّح السماء و الأرض على الذرّة. و شيعة عليّ- (عليه السلام)- هم الّذين لا يبالون في سبيل اللّه أوقع الموت عليهم أو وقعوا على الموت، و شيعة عليّ- (عليه السلام)- هم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة، و هم الذين لا يراهم اللّه حيث نهاهم و لا يفقدهم من حيث أمرهم، و شيعة عليّ- (عليه السلام)- هم الذين يقتدون بعليّ في إكرام إخوانهم المؤمنين، ما عن قولي أقول لك هذا، بل أقوله عن قول محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)-، فذلك قوله تعالى: ﴿وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ﴾ قضوا الفرائض كلّها بعد التوحيد و اعتقاد النّبوة و الإمامة، و أعظمها فرضان قضاء حقوق الإخوان في اللّه و استعمال التقيّة من أعداء اللّه عزّ و جلّ».
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر — معاجز الإمام الحسن العسكري عليه السلام · الثامن و الخمسون: خبر مدّعي التشيّع