الأقسامالاحتجاج للطبرسيالجزء الأول
الاحتجاج

بأكرم على الله من أبي ولا الناقة بأكرم مني ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي. قال سلمان رضي الله عنه: كنت قريبا منها، فرأيت والله أساس حيطان مسجد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) تقلعت من أسفلها حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها فقلت: يا سيدتي ومولاتي إن الله تبارك وتعالى بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة، فرجعت ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا. وروي عن الباقر (عليه السلام) أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكر: اكتب إلى أسامة ابن زيد يقدم عليك، فإن في قدومه قطع الشنيعة عنا. فكتب أبو بكر إليه: " من أبي بكر خليفة رسول الله (صلى الله وعليه وآله) إلى أسامة بن زيد. - أما بعد فانظر إذا أتاك كتابي فاقبل إلي أنت ومن معك، فإن المسلمين قد اجتمعوا علي وولوني أمرهم فلا تتخلفن فتعصي ويأتيك مني ما تكره والسلام ". قال: فكتب أسامة إليه جواب كتابه " من أسامة بن زيد عامل رسول الله (صلى الله وعليه وآله) على غزوة الشام. أما بعد فقد أتاني منك كتاب ينقض أوله آخره، ذكرت في أوله أنك خليفة رسول الله، وذكرت في آخره أن المسلمين قد اجتمعوا عليك فولوك أمرهم ورضوك، فاعلم أني ومن معي من جماعة المسلمين والمهاجرين فلا والله ما رضيناك ولا وليناك أمرنا، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله وتخليهم وإياه فإنهم أحق به منك، فقد علمت ما كان من قول رسول الله (صلى الله وعليه وآله) في علي يوم الغدير، فما طال العهد فتنسى، انظر مركزك ولا تخالف فتعصي الله ورسوله وتعصي من استخلفه رسول الله (صلى الله وعليه وآله) عليك وعلى صاحبك، ولم يعزلني حتى قبض رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وأنك وصاحبك رجعتما وعصيتما فأقمتما في المدينة بغير إذن ". فأراد أبو بكر أن يخلعها من عنقه قال: فقال له عمر لا تفعل قميص قمصك الله لا تخلعه فتندم ولكن ألح عليه بالكتب والرسائل ومر فلانا وفلانا أن يكتبوا إلى أسامة أن لا يفرق جماعة المسلمين وأن يدخل معهم فيما صنعوا. قال: فكتب إليه أبو بكر وكتب إليه الناس من المنافقين " أن ارض بما اجتمعنا عليه وإياك أن تشتمل المسلمين فتنة من قبلك فإنهم حديثو عهد بالكفر ". قال: فلما وردت الكتب على أسامة انصرف بمن معه حتى دخل المدينة، فلما رأى اجتماع الخلق على أبي بكر انطلق إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له: ما هذا؟ قال له علي: هذا ما ترى. قال له أسامة: فهل بايعته؟ فقال: نعم يا أسامة. فقال: طائعا أو كارها؟ فقال: لا بل كارها. قال: فانطلق أسامة فدخل على أبي بكر وقال له، السلام عليك يا خليفة المسلمين. قال، فرد عليه أبو بكر وقال، السلام عليك أيها الأمير. وروي أن أبا قحافة كان بالطائف لما قبض رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وبويع لأبي بكر، فكتب ابنه إليه كتابا عنوانه " من خليفة رسول الله إلى أبي قحافة. أما بعد فإن الناس قد تراضوا بي، فإني اليوم خليفة الله، فلو قدمت علينا كان أقر لعينك " قال: فلما قرأ أبو قحافة الكتاب قال للرسول: ما منعكم من علي؟ قال: هو حدث السن وقد أكثر القتل في قريش وغيرها وأبو بكر أسن منه. قال أبو قحافة: إن كان الأمر في ذلك بالسن فأنا أحق من أبي بكر، لقد ظلموا عليا حقه وقد بايع له النبي (صلى الله وعليه وآله) وأمرنا ببيعته. ثم كتب إليه " من أبي قحافة إلى ابنه أبي بكر. أما بعد فقد أتاني كتابك فوجدته كتاب أحمق ينقض بعضه بعضا، مرة تقول خليفة رسول الله (صلى الله وعليه وآله) ومرة تقول خليفة الله ومرة تقول تراضى بي الناس، وهو أمر ملتبس فلا تدخلن في أمر يصعب عليك الخروج منه غدا ويكون عقباك منه إلى النار والندامة وملامة النفس اللوامة لدى الحساب بيوم القيامة، فإن للأمور مداخل ومخارج وأنت تعرف من هو أولى بها منك، فراقب الله كأنك تراه ولا تدعن صاحبها، فإن تركها اليوم أخف عليك وأسلم لك ". وعن عامر الشعبي عن عروة بن الزبير بن العوام قال، لما قال المنافقون إن أبا بكر تقدم عليا وهو يقول أنا أولى بالمكان منه قام أبو بكر خطيبا فقال: صبرا على من ليس يؤول إلى دين ولا يحتجب برعاية ولا يرعوي لولاية، أظهر الإيمان ذلة وأسر النفاق غلة، هؤلاء عصبة الشيطان وجمع الطغيان يزعمون أني أقول إني أفضل من علي، وكيف أقول ذلك وما لي سابقته ولا قرابته ولا خصوصيته، وحد الله وأنا ملحده وعبده علي قبل أن أعبده ووالى الرسول وأنا عدوه، وسبقني بساعات لو انقطعت لم ألحق شأوه ولم أقطع غباره، وأن علي بن أبي طالب فاز والله من الله بمحبة ومن الرسول بقرابة ومن الإيمان برتبة، لو جهد الأولون والآخرون إلا النبيين لم يبلغوا درجته ولم يسلكوا منهجه، بذل في الله مهجته ولابن عمه مودته كاشف الكرب ودامغ الريب وقاطع السبب إلا سبب الرشاد وقامع الشرك ومظهر ما تحت سويداء حبة النفاق، محنة لهذا العالم، لحق قبل أن يلاحق وبرز قبل أن يسابق، جمع العلم والحلم والفهم فكان جميع الخيرات لقلبه كنوزا لا يدخر منها مثقال ذرة إلا أنفقه في بابه، فمن ذا يؤمل أن ينال درجته وقد جعله الله ورسوله للمؤمنين وليا وللنبي وصيا وللخلافة راعيا وبالإمامة قائما، أفيغتر الجاهل بمقام قمته إذ أقامني وأطعته إذ أمرني، سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول " الحق مع علي وعلي مع الحق، من أطاع عليا رشد ومن عصى عليا فسد، ومن أحبه سعد ومن أبغضه شقي " والله لو لم يحب ابن أبي طالب إلا لأجل أنه لم يواقع الله محرما ولا عبد من دونه صنما ولحاجة الناس إليه بعد نبيهم لكان في ذلك ما يجب، فكيف لأسباب أقلها موجب وأهونها مرغب، للرحم الماسة بالرسول والعلم بالدقيق والجليل والرضا بالصبر الجميل والمواساة في الكثير والقليل، وخلال لا يبلغ عدها ولا يدرك مجدها ود المتمنون أن لو كانوا تراب أقدام ابن أبي طالب، أليس هو صاحب لواء الحمد والساقي يوم الورود وجامع كل كرم وعالم كل علم والوسيلة إلى الله وإلى رسوله. وعن محمد بن عمر بن علي عن أبيه عن أبي رافع قال، إني لعند أبي بكر إذ طلع علي والعباس يتدافعان ويختصمان في ميراث النبي (صلى الله وعليه وآله)، فقال أبو بكر: يكفيكم القصير الطويل - يعني بالقصير عليا وبالطويل العباس - فقال العباس: أنا عم النبي (صلى الله وعليه وآله) ووارثه، وقد حال علي بيني وبين تركته. فقال أبو بكر: فأين كنت يا عباس حين جمع النبي (صلى الله وعليه وآله) بني عبد المطلب وأنت أحدهم فقال " أيكم يوازرني ويكون وصيي وخليفتي في أهلي ينجز عدتي ويقضي ديني " فأحجمتم عنها إلا علي، فقال النبي (صلى الله وعليه وآله) أنت كذلك؟ فقال العباس: فما أقعدك في مجلسك هذا تقدمته وتأمرت عليه؟ قال أبو بكر: أعذروني يا بني عبد المطلب. وروى رافع بن أبي رافع الطائي عن أبي بكر وقد صحبه في سفر قال، قلت له: يا أبا بكر علمني شيئا ينفعني الله به. قال: قد كنت فاعلا ولو لم يسألني لا تشرك بالله شيئا، واقم الصلاة، وآت الزكاة، وصم شهر رمضان، وحج البيت واعتمر، ولا تأمرن على اثنين من المسلمين. قال: قلت له أما ما أمرتني به من الإيمان والصلاة والزكاة والصوم والحج والعمرة فأنا أفعله، وأما الإمارة فإني رأيت الناس لا يصيبون هذا الشرف وهذا الغنى والعز والمنزلة عند رسول الله إلا بها. قال: إنك استنصحتني فأجهدت نفسي لك. فلما توفي رسول الله (صلى الله وعليه وآله) واستخلف أبو بكر جئته وقلت له: يا أبا بكر ألم تنهني أن أتأمر على اثنين؟ قال بلى. قلت: فما بالك تأمرت على أمة محمد (صلى الله وعليه وآله) قال اختلف الناس وخفت عليهم الضلالة ودعوني فلم أجد من ذلك بدا. وروى أن أبا بكر وعمر بعثا إلى خالد بن الوليد فواعداه وفارقاه على قتل علي (عليه السلام) وضمن ذلك لهما، فسمعت ذلك الخبر أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر في خدرها، فأرسلت خادمة لها، وقالت ترددي في دار علي وقولي له " الملأ يأتمرون بك ليقتلوك " ففعلت الجارية وسمعها علي (عليه السلام)، فقال رحمها الله قولي لمولاتك فمن يقتل الناكثين والمارقين والقاسطين؟ ووقعت المواعدة لصلاة الفجر إذ كان أخفى، واختيرت للسدفة والشبهة [ فإنهم كانوا يغسلون بالصلاة حتى لا تعرف المرأة من الرجل] ولكن الله بالغ أمره، وكان أبو بكر قال لخالد بن الوليد: إذا انصرفت من صلاة الفجر فاضرب عنق علي. فصلى إلى جنبه لأجل ذلك وأبو بكر في الصلاة يفكر في العواقب فندم فجلس في صلاته حتى كادت الشمس تطلع يتعقب الآراء ويخاف الفتنة ولا يأمن على نفسه. فقال قبل أن يسلم في صلاته: يا خالد لا تفعل ما أمرتك به - ثلاثا - وفي رواية أخرى لا يفعلن خالد ما أمر به، فالتفت علي (عليه السلام) فإذا خالد مشتمل على السيف إلى جانبه فقال: يا خالد ما الذي أمرك به؟ قال: بقتلك يا أمير المؤمنين قال: أو كنت فاعلا؟ فقال، أي والله لولا أنه نهاني لوضعته في أكثرك شعرا فقال له علي (عليه السلام): كذبت لا أم لك من يفعله أضيق حلقة است منك، أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لولا ما سبق به القضاء لعلمت أي الفريقين شر مكانا واضعف جندا. وفي رواية أخرى لأبي ذر رحمه الله أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أخذ خالدا بأصبعيه السبابة والوسطى في ذلك الوقت، فعصره عصرا فصاح خالد صيحة منكرة، ففزع الناس وهمتهم أنفسهم وأحدث خالد في ثيابه وجعل يضرب برجليه الأرض ولا يتكلم. فقال أبو بكر لعمر: هذه مشورتك المنكوسة، كأني كنت أنظر إلى هذا وأحمد الله على سلامتنا، وكلما دنى أحد ليخلصه من يده لحظة تنحى عنه رعبا فبعث أبو بكر وعمر إلى العباس فجاء وتشفع إليه وأقسم عليه فقال: بحق هذا القبر ومن فيه وبحق ولديه وأمهما إلا تركته، ففعل ذلك وقبل العباس بين عينيه.

الاحتجاج — الجزء الأول · ذكر تعيين الأئمة الطاهرة بعد النبي (صلى الله وعليه وآله) واحتجاج الله تعالى بمكانهم على كافة الخلق.

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.