الأقسامالاحتجاج للطبرسيالجزء الأول
الاحتجاج

روي أن رجلا من أصحابه قام إليه فقال: إنك نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها، فما ندري أي الأمرين أرشد، فصفق (عليه السلام) إحدى يديه على الأخرى ثم قال: هذا جزاء من ترك العقدة، أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي جعل الله فيه خيرا كثيرا فإن استقمتم هديتكم وإن اعوججتم قومتكم، وإن أبيتم تداركتكم لكانت الوثقى، ولكن بمن وإلى من أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي؟! كناقش الشوكة بالشوكة، وهو يعلم أن ضلعها معها. اللهم قد ملت أطباء الداء الدوي وكلت النزعة بأشطان الركى. فقال (عليه السلام) وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة بعد كلام طويل: ألم تقولوا - عند رفعهم المصاحف حيلة، وغيلة، ومكرا، وخديعة -: إخواننا، وأهل دعوتنا. استقالونا، واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول منهم، والتنفيس عنهم، فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان، وباطنه عدوان وأوله رحمة، وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم، والزموا طريقتكم، وعضوا على الجهاد بنواجذكم ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق، إن أجيب أضل وإن ترك ذل، فلقد كنا مع رسول الله وإن القتل ليدور بين الآباء والأبناء، والإخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا، ومضيا على الحق، وتسليما للأمر، وصبرا على مضض الجراح ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل، فإذا طعمنا في خصلة يلم الله بها شعثنا، ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا، رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها وقال (عليه السلام) - في التحكيم -: إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال ولما أن دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله عز وجل وقد قال الله سبحانه: " وإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " فرده إلى الله أن نحكم بكتابه، ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته، فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به وإذا حكم بسنة رسوله فنحن أولادهم به، وأما قولكم لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم؟ فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ولا تؤخذ بإكظامها فتعجل عن تبين الحق وتنقاد لأول الغي؟ وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أرسل عبد الله بن العباس إلى الخوارج وكان بمرأى منهم ومسمع قالوا له في الجواب: إنا نقمنا يا بن عباس على صاحبك خصالا كلها مكفرة، موبقة، تدعوا إلى النار أما " أولها " فإنه محي اسمه من إمرة المؤمنين ثم كتب بينه وبين معاوية فإذا لم يكن أمير المؤمنين ونحن المؤمنون لسنا نرضى بأن يكون أميرنا. وأما " الثانية " فإنه شك في نفسه حين قال للحكمين: " انظروا فإن كان معاوية أحق بها فاثبتاه، وإن كنت أولى بها فاثبتاني " فإذا هو شك في نفسه ولم يدر أهو المحق أم معاوية، فنحن فيه أشد شكا. و " الثالثة " إنه جعل الحكم إلى غيره وقد كان عندنا أحكم الناس. و " الرابعة " إنه حكم الرجال في دين الله ولم يكن ذلك إليه. و " الخامسة ": إنه قسم بيننا الكراع والسلاح يوم البصرة ومنعنا النساء والذرية و " السادسة " إنه كان وصيا فضيع الوصية. قال ابن عباس: قد سمعت يا أمير المؤمنين مقالة القوم، وأنت أحق بجوابهم فقال: نعم. ثم قال: يا بن عباس قل لهم ألستم ترضون بحكم الله وحكم رسوله؟ قالوا: نعم. قال: ابدأ على ما بدأتم به في بدئ الأمر. ثم قال: كنت أكتب لرسول الله (صلى الله وعليه وآله) الوحي، والقضايا، والشروط، والأمان يوم صالح أبا سفيان، وسهيل بن عمرو فكتبت: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله أبا سفيان صخر بن حرب، وسهيل بن عمرو فقال سهيل: لا نعرف الرحمن الرحيم، ولا نقر أنك رسول الله، ولكنا نحسب ذلك شرفا لك أن تقدم اسمك على أسمائنا وإن كنا أسن منك وأبي أسن من أبيك. فأمرني رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فقال: اكتب - مكان بسم الله الرحمن الرحيم -: " باسمك اللهم " فمحوت ذلك وكتبت: " باسمك اللهم " ومحوت " رسول الله " وكتبت " محمد بن عبد الله " فقال لي " إنك تدعى إلى مثلها فتجيب وأنت مكره " وهكذا كتبت بيني وبين معاوية وعمرو بن العاص: " هذا ما اصطلح عليه أمير المؤمنين ومعاوية وعمرو بن العاص " فقالا: لقد ظلمناك بأن أقررنا بأنك أمير المؤمنين وقاتلناك، ولكن اكتب: علي بن أبي طالب " فمحوت كما محي رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، فإن أبيتم ذلك فقد جحدتم، فقالوا: هذه لك خرجت منها. قال: وأما قولكم " إني شككت في نفسي حيث قلت للحكمين: انظرا فإن كان معاوية أحق بها مني فاثبتاه " فإن ذلك لم يكن شكا مني، ولكن أنصفت في القول، قال الله تعالى: " وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين " ولم يكن ذلك شكا وقد علم الله أن نبيه على الحق، قالوا: وهذه لك. قال: وأما قولكم: " إني جعلت الحكم إلى غيري وقد كنت عندكم أحكم الناس " فهذا رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قد جعل الحكم إلى سعد يوم بني قريظة وقد كان من أحكم الناس وقد قال الله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " فتأسيت برسول الله صل الله عليه وآله، قالوا: وهذه لك بحجتنا. قال: وأما قولكم: " إني حكمت في دين الله الرجال " فما حكمت الرجال وإنما حكمت كلام ربي، الذي جعله الله حكما بين أهله، وقد حكم الله الرجال في طائر فقال: " ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم " فدماء المسلمين أعظم من دم طائر قالوا: وهذه لك بحجتنا. قال: وأما قولكم: " إني قسمت يوم البصرة لما ظفرني الله بأصحاب الجمل الكراع والسلاح ومنعتكم النساء والذرية " فإني مننت على أهل البصرة كما من رسول الله على أهل مكة، فإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، ولم نأخذ صغيرا بكبير فأيكم كان يأخذ عائشة في سهمه؟ قالوا: وهذه لك بحجتنا. قال: وأما قولكم: " إني كنت وصيا فضيعت الوصية فأنتم كفرتم وقدمتم علي، وأزلتم الأمر عني، وليس على الأوصياء الدعاء إلى أنفسهم، إنما يبعث الله الأنبياء (عليهم السلام) فيدعون إلى أنفسهم، وأما الوصي فمدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه، وذلك لمن آمن بالله ورسوله، ولقد قال الله جل ذكره: " ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا " فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت ليكفر بتركهم إياه، ولكن كانوا يكفرون بتركهم، لأن الله تعالى قد نصبه لهم علما وكذلك نصبني علما حيث قال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): " يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى وأنت مني بمنزلة الكعبة تؤتى ولا تأتي " فقالوا: وهذه لك بحجتنا. فاذعنوا فرجع بعضهم وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ممن كانوا قعدوا عنه فقاتلهم وقتلهم.

الاحتجاج — الجزء الأول · إحتجاجه (ع) على الخوارج () لما حملوه على التحكم ثم أنكروا عليه ذلك ونقموا عليه أشياء فأجابهم (ع) عن ذلك بالحجة وبين لهم أن الخطأ من قبلهم بل وإليهم يعود.

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.