الأقسامالاحتجاج للطبرسيالجزء الأول
الاحتجاج

الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعمه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل ممدود، فطر الخلايق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال تصديقه توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه، لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف، وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة، فمن وصف الله سبحانه فقد قرنه، ومن قرنه فقد ثناه، ومن ثناه فقد جزأه، ومن جزأه فقد جهله، ومن أشار إليه فقد حده ومن حده فقد عده، ومن قال: " فيم؟ " فقد ضمنه، ومن قال: " على م؟ " فقد أخلي منه، كائن لا عن حدث، موجود لا عن عدم، مع كل شئ لا بمزايلة فاعل لا بمعنى الحركات والآلة، بصير إذ لا منظور إليه من حلقه، متوحد إذ لا سكن يستأنس به، ولا يستوحش لفقده أنشأ الخلق إنشاءا: وابتدأه ابتداءا بلا روية أجالها، ولا تجربة استفادها، ولا حركة أحدثها، ولا همامة نفس اضطرب فيها، أحال الأشياء لأوقاتها، ولائم بين مختلفاتها، وغرز غرائزها، وألزمها أشباحها، عالما بها قبل ابتدائها، محيطا بحدودها وانتهائها، عارفا بقرائنها وأحنائها وقال (عليه السلام) في خطبة أخرى: أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفته توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه، جل أن تحله الصفات بشهادة العقول: إن كل من حلته الصفات فهو مصنوع وشهادة العقول: أنه جل جلاله صانع ليس بمصنوع، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفكر تثبت حجته، جعل الخلق دليلا عليه، فكشف به ربوبيته، هو الواحد الفرد في أزليته، لا شريك له في إلهيته، ولا ند له في ربوبيته، بمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضد له، وبمقارنته بين الأمور المقترنة علم أن لا قرين له. وقال (عليه السلام) في خطبة أخرى: دليله آياته، ووجوده إثباته، ومعرفته توحيده، وتوحيده تمييزه من خلقه وحكم التمييز بينونة صفة لا بينونة عزلة، إنه رب خالق غير مربوب مخلوق، كل ما تصور فهو بخلافه. ثم قال - بعد ذلك -: ليس بآله من عرف بنفسه هو الدال بالدليل عليه، والمؤدي بالمعرفة إليه. وقال (عليه السلام) في خطبة أخرى:. لا يشمل بحد، ولا يحسب بعد، وإنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلات إلى نظائرها، منعتها منذ القدمة، وحمتها قد الأزلية، وجنبتها لولا التكملة، بها تجلى صانعها للعقول، وبها امتنع عن نظر العيون لا تجري عليه الحركة والسكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، ويعود إليه ما هو أبداه، ويحدث فيه ما هو أحدثه، إذا لتفاوتت ذلته، ولتجزأ كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولكان له وراء إذا وجد له إمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وإذا لقامت آية المصنوع فيه، ولتحول دليلا بعد أن كان مدلولا عليه، وخرج بسلطان الامتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره، الذي لا يحول، ولا يزول، ولا يجوز عليه الأفول، لم يلد فيكون مولودا، ولم يولد فيصير محدودا جل عن اتخاذ الأبناء، وطهر عن ملامسة النساء، لا تناله الأوهام فتقدره، ولا تتوهمه الفطن فتصوره، ولا تدركه الحواس فتحسه، ولا تلمسه الأيدي فتمسه، ولا يتغير بحال، ولا يتبدل بالأحوال، ولا تبليه الليالي والأيام، ولا يغيره الضياء والظلام، ولا يوصف بشئ من الأجزاء، ولا الجوارح والأعضاء، ولا بعرض من الأعراض ولا بالغيرية والأبعاض، ولا يقال له حد ولا نهاية، ولا انقطاع ولا غاية، ولا أن الأشياء تحويه، فتقله أو تهويه، ولا أن شيئا يحمله فيميله أو يعدله، ليس في الأشياء بوالج، ولا عنها بخارج، يخبر لا بلسان ولهوات، ويسمع لا بخروق وأدوات، يقول ولا يلفظ، ويحفظ ولا يتحفظ، ويريد ولا يضمر، يحب ويرضى من غير رقة، ويبغض ويغضب من غير مشقة، ويقول - لما أراد كونه -: " كن فيكون " لا بصوت يقرع، ولا نداء يسمع، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا، ولا يقال له: " كان بعد أن لم يكن " فتجري عليه صفات المحدثات، ولا يكون بينه وبينها فصل، ولا له عليها فضل، فيستوي الصانع والمصنوع، ويتكافأ المبتدع والبديع خلق الخلائق على غير مثال خلا من غيره ولم يستعن على خلقها بأحد من خلقه أنشأ الأرض فأمسكها من غير اشتغال، وأرساها على غير قرار وأقامها بغير قوائم، ورفعها بغير دعائم، وحصنها من الأود والاعوجاج، ومنعها من التهافت والانفراج أرسى أوتادها، وضرب أسدادها، واستفاض عيونها، وخد أوديتها فلم يهن ما بناه، ولا ضعف ما قواه، هو الظاهر عليها بسلطانه وعظمته، والباطن لها بعلمه ومعرفته، والعالي على كل شئ منها بجلالته وعزته، لا يعجزه شئ منها طلبه، ولا يمتنع عليه فيغلبه، ولا يفوته السريع منها فيسبقه، ولا يحتاج إلى ذي مال فيرزقه، خضعت الأشياء له، وظلت مستكينة لعظمته لا تستطيع الهرب من سلطانه إلى غيره، فتمتنع من نفعه وضره، ولا كفؤ له فيكافئه ولا نظير له فيساويه، هو المفني لها بعد وجودها، حتى يصير موجودها كمفقودها، وليس فناء الدنيا بعد ابتداعها بأعجب من إنشائها واختراعها، وكيف! ولو اجتمع جميع حيوانها: من طيرها، وبهائمها، وما كان من مراحها، وسائمها، وأصناف أشباحها، وأجناسها، ومتلبدة أممها وأكياسها على إحداث بعوضة ما قدرت على إحداثها، ولا عرفت كيف السبيل إلى إيجادها ولتحيرت عقولها في علم ذلك وتاهت، وعجزت قواها وتناهت، ورجعت خاسئة حسيرة عارفة بأنها مقهورة مقرة بالعجز عن إنشائها، مذعنة بالضعف عن إفنائها، وأنه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه، كما كان قبل ابتدائها، كذلك يكون بعد فنائها، لا وقت ولا مكان، ولا حين ولا زمان، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الواحد القهار، الذي إليه مصير جميع الأمور، بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها، وبغير امتناع منها كان فنائها، ولو قدرت على الامتناع لدام بقائها، لم يتكاده صنع شئ منها إذا صنعه، ولم يؤده منها خلق ما براه وخلقه، ولم يكونها لتشديد سلطان، ولا لخوف من زوال ونقصان، ولا للاستعانة بها على ند مكاثر، ولا للاحتراز بها من ضد مساور ولا للإزدياد بها في ملكه ولا لمكاثرة شريك في شركته، ولا لوحشة كانت منه فأراد أن يستأنس إليها، ثم هو يفنيها بعد تكوينها لا لسأم دخل عليه من تصريفها وتدبيرها، ولا لراحة واصلة إليه، ولا لثقل شئ منها عليه، لا يمله طول بقائها فيدعوه إلى نزعة إفنائها، لكنه سبحانه دبرها بلطفه، وأمسكها بأمره، وأتقنها بقدرته، ثم يعيدها بعد الفناء من غير حاجة منه إليها، ولا استعانة بشئ منها عليها، ولا لانصراف من حال وحشة إلى حال استيناس، ولا من حال جهل وعمى إلى حال علم والتماس، ولا من فقر ولا حاجة إلى غنى وكثرة، ولا من ذل وضعة إلى عز وقدرة. ومن خطبة له (عليه السلام): الحمد لله الذي لا تدركه الشواهد ولا تحويه المشاهد، ولا تراه النواظر ولا تحجبه السواتر، الدال على قدمه بحدوث خلقه، وبحدوث خلقه على وجوده وباشتباههم على أن لا شبه له، الذي صدق في ميعاده، وارتفع عن ظلم عباده، وقام بالقسط في خلقه، وعدل عليهم في حكمه، مستشهد بحدوث الأشياء على أزليته وبما وسمها به من العجز على قدرته، وبما اضطرها إليه من الفناء على دوامه، واحد لا بعدد، ودائم لا بأمد، وقائم لا بعمد، تتلقاه الأذهان لا بمشاعرة وتشهد له المرائي لا بمحاضرة لم تحط به الأوهام بل تجلى لها بها، وبها امتنع منها، وإليها حاكمها ليس بذي كبر امتدت به النهايات فكبرته تجسيما ولا بذي عظم تناهت به الغايات فعظمته تجسيدا، بل كبر شانا، وعظم سلطانا. ومنها في الاستدلال عليه تعالى بعجيب خلقه من أصناف الحيوان وغيرها: ولو فكروا في عظيم القرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والأبصار مدخولة، أفلا ينظرون إلى صغير ما خلق كيف أحكم خلقه، وأتقن تركيبه، وفلق له السمع والبصر، وسوى له العظم والبشر انظروا إلى النملة في صغرة جثتها، ولطافة هيئتها، لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصبت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع في حرها لبردها، وفي ورودها لصدورها، مكفولة برزقها، مرزوقة بوفقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفاء اليابس، والحجر الجامس، ولو فكرت في مجاري أكلها، وفي علوها وسفلها وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقتها عجبا، ولقيت من وصفها تعبا، فتعالى الذي أقامها على قوائمها، وبناها على دعائمها، ولم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر، ولو ضربت في مذاهب فكرك لتبلغ غاياته ما دلتك الدلالة إلا على أن فاطر النملة هو فاطر النحلة، لدقيق تفصيل كل شئ، وغامض اختلاف كل حي، وما الجليل واللطيف والثقيل والخفيف، والقوي والضعيف في خلقه إلا سواء، كذلك السماء والهواء، والريح والماء، فانظر إلى الشمس والقمر والنبات والشجر، والماء والحجر، واختلاف هذا الليل والنهار، وتفجر هذه البحار والأنهار، وكثرة هذه الجبال وطول هذه القلال، وتفرق هذه اللغات والألسن المختلفات، فالويل لمن أنكر المقدر، أو جحد المدبر، وزعموا أنهم كالنبات ما لهم زارع، ولا لاختلاف صورهم صانع، لم يلجؤا إلى حجة فيما ادعوا، ولا تحقيق فيما أوعوا، وهل يكون بناء من غير بأن، أو جناية من غير جان، وإن شئت قلت في الجرادة: إذ خلق لها عينين حمراوين، وأسرج لها حدقتين قمراوين، وجعل لها السمع الخفي، وفتح لها الفم السوي، وجعل لها الحس القوي، ونابين بهما تقرض، ومنجلين بهما تقبض ترهبها الزراع في زرعهم، ولا يستطيعون ذبها ولو أجمعوا بجمعهم، حتى ترد الحرث من نزواتها، وتقضي منه شهواتها، وخلقها كله لا يكون إصبعا مستدقة، فتبارك الله الذي يسجد له من في السماوات والأرض طوعا وكرها، ويعفر له خدا ووجها، ويلقي بالطاعة له سلما وضعفا، ويعطي له القياد رهبة وخوفا، والطير مسخرة لأمره، أحصى عدد الريش منها والنفس، وأرسى قوائمها على الندى واليبس قدر أقواتها وأحصى أجناسها، فهذا غراب، وهذا عقاب، وهذا حمام، وهذا نعام دعا كل طائر باسمه، وكفل له برزقه، وأنشأ السحاب الثقال فأهطل ديمها، وعدد قسمها، قبل الأرض بعد جفوفها، وأخرج نبتها بعد جدوبها. وروي أنه وفد وفد من بلاد الروم إلى المدينة على عهد أبي بكر وفيهم راهب من رهبان النصارى فأتى مسجد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) ومعه بختي موقر ذهبا وفضة وكان أبو بكر حاضرا وعنده جماعة من المهاجرين والأنصار. فدخل عليهم، وحياهم، ورحب بهم، وتصفح وجوههم، ثم قال: أيكم خليفة رسول الله وأمين دينكم؟ فأومي إلى أبي بكر فأقبل إليه بوجهه ثم قال أيها الشيخ ما اسمك؟ قال، عتيق. قال ثم ماذا؟ قال: صديق. قال: ثم ماذا؟ قال: لا أعرف لنفسي اسما غيره فقال: لست بصاحبي فقال له: وما حاجتك؟ قال: أنا من بلاد الروم جئت منها ببختي موقر ذهبا وفضة، لأسأل أمين هذه الأمة من مسألة إن أجابني عنها أسلمت، وبما أمرني أطعت، وهذا المال بينكم فرقت وإن عجز عنها رجعت إلى الوراء بما معي ولم أسلم، فقال له أبو بكر: سل عما بدا لك. فقال الراهب: والله لا أفتح الكلام ما لم تؤمني من سطوتك وسطوة أصحابك فقال أبو بكر: أنت آمن، وليس عليك بأس، قل ما شئت. فقال الراهب: أخبرني عن شئ: ليس لله، ولا من عند الله، ولا يعلمه الله. فارتعش أبو بكر ولم يحر جوابا، فلما كان بعد هنيئة قال - لبعض أصحابه -: ائتني بأبي حفص عمر. فجاء به فجلس عنده ثم قال: أيها الراهب سله. فأقبل بوجهه إلى عمر وقال له مثل ما قال لأبي بكر فما يحر جوابا ثم أتى بعثمان، فجرا بين الراهب وعثمان مثل ما جرى بينه وبين أبي بكر وعمر فلم يحر جوابا. فقال الراهب: أشياخ كرام، ذووا فجاج لإسلام. ثم نهض ليخرج. فقال أبو بكر: يا عدو الله لولا العهد لخضبت الأرض بدمك. فقام سلمان الفارسي رضي الله عنه، أتى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو جالس في صحن داره مع الحسن والحسين ((عليهم السلام))، وقص عليه القصة. فقام علي (عليه السلام) وخرج ومعه الحسن الحسين ((عليهم السلام)) حتى أتى المسجد، فلما رأى القوم عليا (عليه السلام)، كبروا الله، وحمدوا الله، وقاموا إليه أجمعهم، فدخل علي (عليه السلام) وجلس فقال أبو بكر: أيها الراهب سله فإنه صاحبك وبغيتك، فأقبل الراهب بوجهه إلى علي (عليه السلام) ثم قال: يافتى ما اسمك؟ قال: إسمي عند اليهود " إليا " وعند النصارى " إيليا " وعند والدي " علي " وعند أمي " حيدرة " قال: ما محلك من نبيكم؟ قال: أخي وصهري وابن عمي لحا. قال: الراهب: أنت حاصبي ورب عيسى، أخبرني عن شئ ليس لله، ولا من عند الله، ولا يعلمه الله. قال: (عليه السلام) على الخبير سقطت: أما قولك " ما ليس لله ": فإن الله تعالى أحد ليس له صاحبة ولا ولد. وأما قولك " ولا من عند الله ": فليس من عند الله ظلم لأحد. وأما قولك " لا يعلمه الله ": فإن الله لا يعلم له شريكا في الملك. فقام الراهب، وقطع زناره، وأخذ رأسه وقبل ما بين عينيه، وقال: " أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وأشهد أنك أنت الخليفة وأمين هذه الأمة، ومعدن الدين والحكمة، ومنبع عين الحجة، لقد قرأت اسمك في التوراة إليا، وفي الإنجيل إيليا، وفي القرآن عليا، وفي الكتب السابقة حيدرة، ووجدتك بعد النبي وصيا، وللإمارة وليا، وأنت أحق بهذا المجلس من غيرك، فخبرني ما شأنك وشأن القوم؟ " فأجابه بشئ فقام الراهب وسلم المال إليه بأجمعه، فما برح علي (عليه السلام) مكانه حتى فرقه في مساكين أهل المدينة، ومحاويجهم، وانصرف الراهب إلى قومه مسلما. وروي أنه اتصل بأمير المؤمنين (عليه السلام) أن قوما من أصحابه خاضوا في التعديل والتجريح فخرج حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال، أيها الناس إن الله تبارك وتعالى لما خلق خلقه، أراد أن يكونوا على آداب رفيعة، وأخلاق شريفة، فعلم أنهم لم يكونوا كذلك إلا بأن يعرفهم: ما لهم، وما عليهم، والتعريف لا يكون إلا بالأمر والنهي، والأمر والنهي لا يجتمعان إلا بالوعد والوعيد، والوعد لا يكون إلا بالترغيب والوعيد لا يكون إلا بالترهيب والترغيب لا يكون إلا بما تشتهيه أنفسهم، وتلذ أعينهم، والترهيب لا يكون إلا بضد ذلك، ثم خلقهم في داره وأراهم طرفا من اللذات، ليستدلوا به على ما ورائهم من اللذات الخالصة التي لا يشوبها ألم، ألا وهي الجنة، وأراهم طرفا من الآلام ليستدلوا به على ما ورائهم من الآلام الخالصة التي لا يشوبها لذة، ألا وهي النار فمن أجل ذلك ترون نعيم الدنيا مخلوطا بمحنها، وسرورها ممزوجا بكدرها وهمومها قيل: فحدث الجاحظ بهذا الحديث، فقال: هو جماع الكلام الذي دونه الناس في كتبهم، وتحاوره بينهم. قيل: ثم سمع أبو علي الجبائي بذلك، فقال صدق الجاحظ هذا ما لا يحتمله الزيادة والنقصان. وروي عن علي بن محمد العسكري ((عليهم السلام)) - في رسالته إلى أهل الأهواز في نفي الجبر والتفويض -: أنه قال: روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه سأله رجل بعد انصرافه من الشام فقال: يا أمير المؤمنين أخبرنا عن خروجنا إلى الشام أبقضاء وقدر؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): نعم يا شيخ ما علوتم تلعة ولا هبطتم بطن واد إلا بقضاء من عند الله وقدر. فقال الرجل: عند الله أحتسب عنائي، والله ما أرى لي من الأجر شيئا. فقال علي (عليه السلام): بلى فقد عظم الله لكم الأجر في مسيركم وأنتم ذاهبون، وعلى منصرفكم وأنتم منقلبون، ولم يكونوا في شئ من حالاتكم مكرهين، ولا إليه مضطرين. فقال الرجل: وكيف لا نكون مضطرين والقضاء والقدر ساقانا، وعنهما كان مسيرنا؟! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) لعلك أردت قضاءا لازما، وقدرا حتما ولو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد، والأمر من الله والنهي، وما كانت تأتي من الله لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، ولا كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المذنب، ولا المذنب أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان، وجنود الشيطان، وخصماء الرحمن، وشهداء الزور والبهتان، وأهل العمى والطغيان هم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله تعالى أمر تخييرا، وكلف يسيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يرسل الرسل هزلا، ولم ينزل القرآن عبثا، ولم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار ثم تلى عليهم: " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه " قال: فنهض الرجل مسرورا وهو يقول: أنت الإمام الذي نرجو بطاعته يوم النشور من الرحمن رضوانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبسا جزاك ربك عنا فيه إحسانا وليس معذرة في فعل فاحشة قد كنت راكبها فسقا وعصيانا كلا ولا قائلا ناهيه أوقعه فيه عبدت إذا يا قوم شيطانا ولا أحب ولا شاء الفسوق ولا قتل الولي له ظلما وعدوانا أنى يحب وقد صحت عزيمته على الذي قال أعلن ذاك إعلانا وروي أن رجلا قال: فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟ قال: الأمر بالطاعة، والنهي عن المعصية، والتمكين من فعل الحسنة وترك المعصية، والمعونة على القربة إليه، والخذلان لمن عصاه، والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا، وقدره لأعمالنا، وأما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محبط للأعمال. فقال الرجل: فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك. وروي أنه سئل عن القضاء والقدر فقال: لا تقولوا: وكلهم الله عليه أنفسهم فتوهنوه، ولا تقولوا أجبرهم على المعاصي فتظلموه، ولكن قولوا: الخير بتوفيق الله، والشر بخذلان الله، وكل سابق في علم الله. وروى أهل السير: أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين خبرني عن الله أرأيته حين عبدته؟ فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): لم أك بالذي أعبد من لم أره. فقال له: كيف رأيته يا أمير المؤمنين؟ فقال له: يا ويلك لم تره العيون بمشاهدة العيان، لكن رأته العقول بحقايق الإيمان، معروف بالدلالات، منعوت بالعلامات، لا يقاس بالناس، ولا يدرك بالحواس فانصرف الرجل وهو يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالته. وروي أن بعض الأحبار جاء إلى أبي بكر فقال له: أنت خليفة نبي هذه الأمة؟ فقال: نعم. قال: فإنا نجد في التوارة أن خلفاء الأنبياء أعلم أممهم، فخبرني عن الله أين هو أفي السماء أم في الأرض؟ فقال له أبو بكر: في السماء على العرش. قال اليهودي: فأرى الأرض خالية منه، وأراه - على هذا القول - في مكان دون مكان. فقال أبو بكر: هذا كلام الزنادقة أعزب عني وإلا قتلتك. فولى الرجل متعجبا يستهزئ بالإسلام، فاستقبله أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: يا يهودي قد عرفت ما سألت عنه، وما أجبت به، وإنا نقول: إن الله عز وجل أين الأين فلا أين له، وجل عن أن يحويه مكان، وهو في كل مكان، بغير مماسة ولا مجاورة، يحيط علما بها، ولا يخلق شئ من تدبيره تعالى، وإني مخبرك بما جاء في كتاب من كتبكم يصدق ما ذكرته لك، فإن عرفته أتؤمن به؟ قال اليهودي: نعم. قال: ألستم تجدون في بعض كتبكم: أن موسى بن عمران كان ذات يوم جالسا إذ جاءه ملك من المشرق، فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله. وجاءه ملك آخر من المغرب فقال له: من أين جئت؟ فقال: من عند الله. ثم جاءه ملك فقال: من أين جئت؟ فقال: قد جئتك من السماء السابعة من عند الله عز وجل. وجاء ملك آخر قال: قد جئتك من الأرض السابعة السفلى من عند الله عز وجل فقال موسى (عليه السلام): سبحان من لا يخلو منه مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب من مكان، فقال اليهودي: أشهد أن هذا هو الحق المبين، وأنك أحق بمقام نبيك ممن استولى عليه. وروى الشعبي: أنه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلا يقول: " والذي احتجب بسبع طباق " فعلاه بالدرة ثم قال له: يا ويلك إن الله أجل من أن يحتجب عن شئ، أو يحتجب عنه شئ، سبحان الذي لا يحويه مكان، ولا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء، فقال الرجل: فأكفر عن يميني يا أمير المؤمنين؟. قال: لم تحلف بالله فيلزمك كفارة، فإنما حلفت بغيره. وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: جاء حبر من الأحبار إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين متى كان ربك؟ فقال له: ثكلتك أمك ومتى لم يكن حتى يقال: متى كان؟! كان ربي قبل القبل بلا قبل، وبعد البعد بلا بعد، ولا غاية ولا منتهى لغايته انقطعت الغايات عنه فهو منتهى كل غاية. فقال: يا أمير المؤمنين أفنبي أنت؟ فقال: ويلك إنما أنا عبد من عبيد محمد.

الاحتجاج — الجزء الأول · إحتجاجه (عليه السلام) فيما يتعلق بتوحيد الله وتنزيهه عما لا يليق به من صفات المصنوعين من الجبر والتشبيه والرؤية والمجيئ والذهاب والتغيير والزوال والانتقال من حال إلى حال في أثناء خطبه ومجاري كلامه ومخاطباته ومحاوراته.

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.