الأقسامالاحتجاج للطبرسيالجزء الأول
الاحتجاج

جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) وقال له: لولا ما في القرآن من الاختلاف والتناقض لدخلت في دينكم. فقال له (عليه السلام): وما هو؟ قال: قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم " وقوله: " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " وقوله: " وما كان ربك نسيا " وقوله: " يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " وقوله: " والله ربنا ما كنا مشركين " وقوله تعالى: " يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " وقوله: " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " وقوله: " لا تختصموا لدي " وقوله: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " وقوله تعالى: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " وقوله: " لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار " وقوله: " ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى " وقوله: " لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا الآيتين " وقوله: " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا " وقوله: " كلا إنهم يومئذ لمحجوبون " وقوله: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك " وقوله: " بل هم بلقاء ربهم كافرون " وقوله: " فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه " وقوله: " فمن كان يرجو لقاء ربه " وقوله: " ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها " وقوله: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة " وقوله: " فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه ". فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): فأما قوله تعالى: " نسوا الله فنسيهم " إنما يعني نسوا الله في دار الدنيا لم يعملوا بطاعته، فنسيهم في الآخرة أي: لم يجعل لهم من ثوابه شيئا، فصاروا منسيين من الخير، وكذلك تفسير قوله عز وجل: " فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا " يعني بالنسيان: أنه لم يثيبهم كما يثيب أوليائه، والذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به وبرسوله وخافوه بالغيب. وأما قوله: " وما كان ربك نسيا " فإن ربنا تبارك وتعالى علوا كبيرا ليس بالذي ينسى، ولا يغفل، بل هو الحفيظ العليم، وقد تقول العرب: نسينا فلان فلا يذكرنا: أي إنه لا يأمر لهم بخير، ولا يذكرهم به. قال علي (عليه السلام) وأما قوله عز وجل: " يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا " وقوله: " والله ربنا ما كنا مشركين " وقوله عز وجل " يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا " وقوله عز وجل يوم القيامة " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " وقوله: " لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد " وقوله: " اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، المراد: يكفر أهل المعاصي بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، والكفر في هذه الآية: " البرائة " يقول: فيبرأ بعضهم من بعض، ونظيرها في سورة إبراهيم قول الشيطان: " إني كفرت بما أشركتمون من قبل " وقول إبراهيم خليل الرحمن: " كفرنا بكم " يعني تبرأنا منكم. ثم يجتمعون في مواطن أخر يبكون فيها، فلو أن تلك الأصوات فيها بدت لأهل الدنيا لا زالت جميع الخلق عن معايشهم، وانصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله ولا يزالون يبكون حتى يستنفدوا الدموع، ويفضوا إلى الدماء. ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيه، فيقولون: " والله ربنا ما كنا مشركين " وهؤلاء خاصة هم: المقرون في دار الدنيا بالتوحيد، فلا ينفعهم إيمانهم بالله لمخالفتهم رسله، وشكهم فيما أتوا به عن ربهم، ونقضهم عهودهم في أوصيائهم واستبدا لهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، فكذبهم الله فيما انتحلوه من الإيمان بقوله: " انظر كيف كذبوا على أنفسهم " فيختم الله على أفواههم، ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود، فتشهد بكل معصية كانت منهم، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا؟ قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شئ. ثم يجتمعون في موطن آخر فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الأمر، وعظم البلاء فذلك قوله عز وجل: " يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه الآية ". ثم يجتمعون في موطن آخر يستنطق فيه أولياء الله وأصفياؤه، فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالة التي حملوها إلى أممهم، وتسأل الأمم فتجحد كما قال الله تعالى: " فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين " فيقولون: " ما جائنا من بشير ولا نذير " فتشهد الرسل رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فيشهد بصدق الرسل، وتكذيب من جحدها من الأمم، فيقول - لكل أمة منهم -: " بلى قد جائكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير " أي: مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم، كذلك قال الله - لنبيه -: " فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا فلا يستطيعون رد شهادته، خوفا من أن يختم الله على أفواههم، وأن تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون، ويشهد على منافقي قومه، وأمته، وكفارهم بإلحادهم، وعنادهم، ونقضهم عهده، وتغييرهم سنته، واعتدائهم على أهل بيته، وانقلابهم على أعقابهم، وارتدادهم على أدبارهم، واحتذائهم في ذلك سنة من تقدمهم من الأمم الظالمة، الخائنة لأنبيائها، فيقولون بأجمعهم: " ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ظالمين ". ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد (صلى الله وعليه وآله) وهو: " المقام المحمود " فيثني على الله بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على الملائكة كلهم، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد، ثم يثني على الأنبياء بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على كل مؤمن ومؤمنة، يبدأ بالصديقين والشهداء، ثم الصالحين، فيحمده أهل السماوات وأهل الأرضين، فذلك قوله تعالى: " عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا " فطوبى لمن كان له في ذلك المكان حظ ونصيب، وويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ ولا نصيب. ثم يجتمعون في موطن آخر ويزال بعضهم عن بعض، وهذا كله قبل الحساب فإذا أخذ في الحساب شغل كل إنسان بما لديه، نسأل الله بركة ذلك اليوم. قال علي (عليه السلام) وأما قوله: " وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة " ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز وجل، بعدما يفرغ من الحساب، إلى نهر يسمى: " نهر الحيوان " فيغتسلون منه، ويشربون من آخر فتبيض وجوههم، فيذهب عنهم كل أذى وقذى ووعث، ثم يؤمرون بدخول الجنة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم، ومنهم يدخلون الجنة فذلك قول الله عز وجل - في تسليم الملائكة عليهم -: " سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين " فعند ذلك قوله تعالى: أثيبوا بدخول الجنة والنظر إلى ما وعدهم الله عز وجل، فلذلك قوله تعالى: " إلى ربها ناظرة " والناظرة في بعض اللغة هي: المنتظرة ألم تسمع إلى قوله تعالى: " فناظرة بم يرجع المرسلون " أي: منتظرة بم يرجع المرسلون؟ وأما قوله: " ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى " يعني: محمدا كان عند سدرة المنتهى حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله عز وجل، وقوله - في آخر الآية -: " ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى " وأي جبرئيل في صورته مرتين: هذه مرة، ومرة أخرى، وذلك إن خلق جبرئيل خلق عظيم، فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم، ولا صفتهم إلا الله رب العالمين قال علي (عليه السلام) وأما قوله: " ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء " كذلك قال الله تعالى قد كان الرسول يوحي إليه رسل من السماء فتبلغ رسل السماء إلى الأرض وقد كان الكلام بين رسل أهل الأرض وبينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء وقد قال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): " يا جبرئيل هل رأيت ربك؟ " فقال جبرئيل: " إن ربي لا يرى ". فقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): " من أين تأخذ الوحي؟ " قال: " آخذه من إسرافيل " قال: " ومن أين يأخذه إسرافيل؟ " قال: " يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين " قال: " ومن أين يأخذه ذلك الملك؟ " قال: " يقذف في قلبه قذفا ". فهذا وحي، وهو كلام الله عز وجل، وكلام ليس بنحو واحد، منه: ما كلم الله به الرسل، ومنه ما قذف في قلوبهم، ومنه رؤيا يراها الرسل، ومنه وحي وتنزيل يتلى ويقرأ فهو كلام الله عز وجل. قال علي (عليه السلام) وأما قوله: " كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون " فإنما يعني به يوم القيامة عن ثواب ربهم لمحجوبون. وقوله تعالى: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " يخبر محمدا عن المشركين المنافقين، الذين لم يستجيبوا لله ولرسوله، فقال: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة " وحيث لم يستجيبوا لله ولرسوله، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يعني بذلك: العذاب، يأتيهم في دار الدنيا كما عذب القرون الأولى، فهذا خبر يخبر به النبي (صلى الله وعليه وآله) عنهم، ثم قال: " يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل الآية " يعني: لم تكن آمنت من قبل أن تأتي هذه الآية، وهذه الآية هي: طلوع الشمس من مغربها، وقال - في آية أخرى -: " فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا " يعني: أرسل عليهم عذابا، وكذلك إتيانه بنيانهم حيث قال: " فأتى بنيانهم من القواعد " يعني: أرسل عليهم العذاب. قال علي (عليه السلام): وأما قوله عز وجل: " بل هم بلقاء ربهم كافرون " وقوله " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " وقوله: " إلى يوم يلقونه " وقوله: " فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا " يعني: البعث، فسماه الله لقاء، كذلك قوله " من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت " يعني: من كان يؤمن أنه مبعوث فإن وعد الله لآت: من الثواب، والعقاب، فاللقاء هاهنا ليس بالرؤية، واللقاء هو: البعث، وكذلك: " تحيتهم يوم يلقونه سلام " يعني: أنه لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون. قال علي (عليه السلام): وأما قوله عز وجل: " ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها " يعني: تيقنوا أنهم يدخلونها، وكذلك قوله: " إني ظننت أني ملاق حسابيه " وأما قوله عز وجل - للمنافقين -: " ويظنون بالله الظنونا " فهو: ظن شك وليس ظن يقين، والظن ظنان: ظن شك، وظن يقين، فما كان من أمر المعاد من الظن فهو ظن يقين، وما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك. قال علي (عليه السلام): وأما قوله عز وجل: " ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا " فهو: ميزان العدل، يؤخذ به الخلايق يوم القيامة، بدين الله تبارك وتعالى، الخلايق بعضهم من بعض، ويجزيهم بأعمالهم، ويقتص للمظلوم من الظالم، ومعنى قوله: " فمن ثقلت موازينه، ومن خفت موازينه " فهو: قلة الحساب وكثرته، والناس يومئذ على طبقات ومنازل، فمنهم: من يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا، ومنهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، لأنهم لم يتلبسوا من أمر الدنيا، وإنما الحساب هناك على من تلبس بها هاهنا، ومنهم من يحاسب على النقير والقطمير ويصير إلى عذاب السعير، ومنهم أئمة الكفر وقادة الضلالة، فأولئك لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا، ولا يعبؤ بهم بأمره ونهيه يوم القيامة وهم في جهنم خالدون، وتلفح وجوههم النار، وهم فيها كالحون. ومن سؤال هذا الزنديق أن قال أجد الله يقول: " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ". ومن موضع آخر يقول: " والله يتوفى الأنفس حين موتها " " والذين تتوفاهم الملائكة طيبين " " وما أشبه ذلك فمرة يجعل الفعل لنفسه، ومرة لملك الموت، ومرة للملائكة. وأجده يقول: " ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه " ويقول، " وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " أعلم في الآية الأولى: أن الأعمال الصالحة لا تكفر، وأعلم في الثانية، أن الإيمان والأعمال الصالحات لا تنفع إلا بعد الاهتداء. واجده يقول: " واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا " فكيف يسأل الحي من الأموات قبل البعث والنشور. واجده يقول: " إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا " فما هذه الأمانة ومن هذا الإنسان؟ وليس من صفته العزيز العليم التلبيس على عباده. واجده قد شهر هفوات أنبيائه بقوله: " وعصى آدم ربه فغوى " وبتكذيبه نوحا لما قال: " إن ابني من أهلي " بقوله: " إنه ليس من أهلك " وبوصفه إبراهيم بأنه: عبد كوكبا مرة، ومرة قمرا، ومرة شمسا، وبقوله في يوسف: " ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه " وبتهجينه موسى حيث قال: " رب أرني أنظر إليك قال لن تراني الآية " وببعثه على داود جبرئيل وميكائيل حيث تسور المحراب، وبحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغضبا وأظهر خطأ الأنبياء وزللهم، ووارى اسم من اغتر وفتن خلقا وضل وأضل، وكنى عن أسمائهم في قوله: " ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جائني " فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبياء؟ واجده يقول: " وجاء ربك والملك صفا صفا " " وهل ينظرون إلا أن يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " " ولقد جئتمونا فرادى " فمرة يجيئهم، ومرة يجيئونه واجده: يخبر أنه يتلو نبيه شاهد منه، وكان الذي تلاه عبد الأصنام برهة من دهره. واجده يقول: " ولتسألن يومئذ عن النعيم " فما هذا النعيم الذي يسأل العباد عنه؟ وأجده يقول: " بقية الله خير لكم " ما هذه البقية؟ وأجده يقول: " يا حسرتي على فرطت في جنب الله " وأينما تولوا فثم وجه الله " " وكل شئ هالك إلا وجهه " " وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين " وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال " ما معنى: الجنب، والوجه واليمين، والشمال، فإن الأمر في ذلك ملتبس جدا؟ واجده يقول: " الرحمن على العرش استوى " ويقول: " أأمنتم من في السماء " " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " " وهو معكم أينما كنتم " " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " " وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم الآية " واجده يقول: " وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فأنكحوا ما طاب لكم من النساء " وليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، ولا كل النساء أيتام فما معنى ذلك؟ واجده يقول: " وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " فكيف يظلم الله ومن هؤلاء الظلمة؟ وأجده يقول: " إنما أعظكم بواحدة " فما هذه الواحدة؟ وأجده يقول: " وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " وقد أرى مخالفي الإسلام معتكفين على باطلهم، غير مقلعين عنه، وأرى غيرهم من أهل الفساد مختلفين في مذاهبهم، يلعن بعضهم بعضا، فأي موضع للرحمة العامة لهم المشتملة عليهم؟ واجده قد بين فضل نبيه على سائر الأنبياء، ثم خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الازراء عليه، وانتقاص محله، وغير ذلك من تهجينه وتأنيبه، ما لم يخاطب أحدا من الأنبياء، مثل قوله: " ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين " وقوله: " لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا " " إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا " وقوله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه " وقوله: " وما أدري ما يفعل بي ولا بكم " وقال: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " " وكل شئ أحصيناه في إمام مبين " فإذا كانت الأشياء تحصى في الإمام وهو وصي النبي فالنبي أولى أن يكون بعيدا من الصفة التي قال فيها: وما أدري ما يفعل بي ولا بكم، وهذه كلها صفات مختلفة، وأحوال متناقضة، وأمور مشكلة، فإن يكن الرسول والكتاب حقا فقد قلت لشكي في ذلك، وإن كانا باطلين فما علي من بأس. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): سبوح قدوس، رب الملائكة والروح، تبارك وتعالى، هو الحي الدائم، القائم على كل نفس بما كسبت، هات أيضا ما شككت فيه قال: حسبي ما ذكرت يا أمير المؤمنين. قال: سأنبئك بتأويل ما سألت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وعليه فليتوكل المتوكلون. فأما قوله: الله يتوفى الأنفس حين موتها، وقوله يتوفاكم ملك الموت، وتوفته رسلنا، والذين تتوفاهم الملائكة طيبين، والذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، فهو تبارك وتعالى أجل وأعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، وفعل رسله وملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا وسفرة بينه وبين خلقه، وهم الذين قال الله فيهم: الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فمن كان من أهل الطاعة تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، ومن كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، ولملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة والنقمة، يصدرون عن أمره، وفعلهم فعله، وكل ما يأتون منسوب إليه، وإذا كان فعلهم فعل ملك الموت، وفعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء، ويعطي ويمنع، ويثيب ويعاقب على يد من يشاء، وإن فعل أمنائه فعله، كما قال: وما تشاؤن إلا أن يشاء الله. وأما قوله: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه، وقوله وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى، فإن ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء، وليس كل من وقع عليه اسم الإيمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة، ولو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها، بالتوحيد، وإقرارها بالله ونجى ساير المقرين بالوحدانية، من إبليس فمن دونه في الكفر، وقد بين الله ذلك بقوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون وبقوله: الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وللإيمان حالات ومنازل يطول شرحها، ومن ذلك: أن الإيمان قد يكون على وجهين: إيمان بالقلب، وإيمان باللسان، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله، لما قهرهم بالسيف وشملهم الخوف فإنهم آمنوا بألسنتهم، ولم تؤمن قلوبهم، فالإيمان بالقلب هو التسليم للرب، ومن سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره، كما استكبر إبليس عن السجود لآدم، واستكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام، ولم يرد بها غير زخرف الدنيا، والتمكين من النظرة، فلذلك لا تنفع الصلاة والصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة، وطرق الحق، وقد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته، وإرسال رسله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، ولم يخل أرضه من عالم بما يحتاج إليه الخليقة، ومتعلم على سبيل النجاة، أولئك هم الأقلون عددا، وقد بين الله ذلك في أمم الأنبياء وجعلهم مثلا لمن تأخر، مثل قوله - في قوم نوح -: وما آمن معه إلا قليل، وقوله - فيمن آمن من أمة موسى -: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون، وقوله - في حواري عيسى حيث ولا يستكبرون عن أمر ربهم، فما أجابه منهم إلا الحواريون، وقد جعل الله للعلم أهلا، وفرض على العباد طاعتهم بقوله: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، وبقوله: ولو ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم، وبقوله: اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وبقوله: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وأتوا البيوت من أبوابها، والبيوت هي: بيوت العلم الذي استودعته الأنبياء، وأبوابها أوصيائهم، فكل من عمل من أعمال الخير فجرى على غير أيدي أهل الاصطفاء، وعهودهم، وشرائعهم، وسننهم، ومعالم دينهم، مردود وغير مقبول، وأهله بمحل كفر، وإن شملتهم صفة الإيمان، ألم تسمع إلى قوله تعالى: وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم كارهون، فمن لم يهتد من أهل الإيمان إلى سبيل النجاة لم يغن عنه إيمانه بالله مع دفع حق أوليائه، وهبط عمله، وهو في الآخرة من الخاسرين، وكذلك قال الله سبحانه: فلم يك ينفعهم أيمانهم لما رأوا بأسنا، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، والهداية هي: الولاية كما قال الله عز وجل: ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون، والذين آمنوا في هذا الموضع هم: المؤتمنون على الخلائق من الحجج، والأوصياء في عصر بعد عصر، وليس كل من أقر أيضا من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمنا إن المنافقين كانوا يشهدون: أن لا إلا إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويدفعون عهد رسول الله بما عهد به: من دين الله، وعزائمه، وبراهين نبوته، إلى وصيه ويضمرون من الكراهة لذلك، والنقض لما أبرمه منه عند إمكان الأمر لهم، فيما قد بينه الله لنبيه بقوله: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكمونك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " وبقوله: " وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم " ومثل قوله: " لتركبن طبقا عن طبق " أي: لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم: في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء، وهذا كثير في كتاب الله عز وجل، وقد شق على النبي ما يؤول إليه عاقبة أمرهم، واطلاع الله إياه على بوارهم، فأوحى الله عز وجل إليه، " فلا تذهب نفسك عليهم حسرات " " ولا تأس على القوم الكافرين " وأما قوله: " واسأل من أرسلنا قبلك من رسلنا " فهذا من براهين نبينا التي آتاه الله إياها، وأوجب به الحجة على سائر خلقه، لأنه لما ختم به الأنبياء، وجعله الله رسولا إلى جميع الأمم، وسائر الملل، خصه الله بالارتقاء إلى السماء عند المعراج وجمع له يومئذ الأنبياء، فعلم منهم ما أرسلوا به وحملوه من: عزائم الله وآياته وبراهينه، وأقروا أجمعون بفضله، وفضل الأوصياء والحجج في الأرض من بعده وفضل شيعة وصيه من المؤمنين والمؤمنات، الذين سلموا لأهل الفضل فضلهم، ولم يستكبروا عن أمرهم، وعرف من أطاعهم وعصاهم من أممهم، وسائر من مضى ومن غبر، أو تقدم أو تأخر. وأما هفوات الأنبياء (عليهم السلام) وما بينه الله في كتابه، ووقوع الكناية من أسماء من اجترم أعظم مما اجترمته الأنبياء، ممن شهد الكتاب بظلمهم، فإن ذلك من أدل الدلائل على: حكمة الله عز وجل الباهرة، وقدرته القاهرة، وعزته الظاهرة لأنه علم: أن براهين الأنبياء تكبر في صدور أممهم، وأن منهم من يتخذ بعضهم إلها، كالذي كان من النصارى في ابن مريم، فذكرها دلالة على تخلفهم عن الكمال الذي تفرد به عز وجل، ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى حيث قال فيه وفي أمه: " كانا يأكلان الطعام " يعني: أن من أكل الطعام كان له ثقل: ومن كان له ثقل فهو بعيد مما ادعته النصارى لابن مريم، ولم يكن عن أسماء الأنبياء تبجرا وتعزرا بل تعريفا لأهل الاستبصار. إن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، وإنها من فعل المغيرين والمبدلين، الذين جعلوا القرآن عضين واعتاضوا الدنيا من الدين، وقد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: " الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا " وبقوله " وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب " وبقوله: " إذ يبيتون ما لا يرضى من القول " بعد فقد الرسول مما يقيمون به أود باطلهم حسب ما فعلته اليهود والنصارى بعد فقد موسى وعيسى من: تغيير التوراة والإنجيل، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبقوله: " يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون " يعني: أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليقة فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على ما أحدثوه فيه، وبين عن إفكهم، وتلبيسهم وكتمان ما عملوه منه، ولذلك قال لهم: لم تلبسون الحق بالباطل، وضرب مثلهم بقوله: " فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض " فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل، ويبطل ويتلاشى عند التحصيل، والذي ينفع الناس منه: فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، والقلوب تقبله، والأرض في هذا الموضع فهي: محل العلم وقراره. وليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، ولا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل والكفر، والملل المنحرفة عن قبلتنا، وإبطال هذا العلم الظاهر الذي قد استكان له الموافق والمخالف بوقوع الاصطلاح على الايتمار لهم، والرضا بهم، ولأن أهل الباطل في القديم والحديث أكثر عدا من أهل الحق، فلأن الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله عز وجل لنبيه (صلى الله وعليه وآله): " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل " وإيجابه مثل ذلك على أوليائه، وأهل طاعته، بقوله: " لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة " فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت، فإن شريعة التقية تخطر التصريح بأكثر منه. وأما قوله: وجاء ربك والملك صفا صفا، وقوله: " ولقد جئتمونا فرادى " وقوله: " هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " فذلك كله حق، وليست جيئته جل ذكره كجيئة خلقه، فإنه رب كل شئ. ومن كتاب الله عز وجل يكون تأويله على غير تنزيله، ولا يشبه تأويله بكلام البشر، ولا فعل البشر وسأنبئك بمثال لذلك تكتفي به إنشاء الله تعالى وهو حكاية الله عز وجل عن إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: " إني ذاهب إلى ربي " فذهابه إلى ربه توجهه إليه في عبادته واجتهاده، ألا ترى أن تأويله غير تنزيله، وقال: " وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج " وقال: " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد " فإنزاله ذلك: خلقه إياه. وكذلك قوله: " إن كان للرحمن ولد فإنا أول العابدين " أي: الجاحدين والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره. ومعنى قوله: " فهل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك " فإنما خاطب نبينا محمدا (صلى الله وعليه وآله) هل ينتظر المنافقون والمشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينونهم، أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يعني بذلك: أمر ربك، والآيات هي: العذاب في دار الدنيا، كما عذب الأمم السالفة، والقرون الخالية، وقال: " أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها " يعني بذلك: ما يهلك من القرون فسماه إتيانا، وقال: " قاتلهم الله أنى يؤفكون " أي لعنهم الله أنى يؤفكون، فسمى اللعنة قتالا، وكذلك قال: " قتل الإنسان ما أكفره " أي: لعن الإنسان، وقال: " فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى " فسمى فعل النبي (صلى الله وعليه وآله) فعلا له، ألا ترى تأويله على غير تنزيله ومثل قوله: " بل هم بلقاء ربهم كافرون " فسمى البعث: لقاء، وكذلك قوله: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم " أي: يوقنون أنهم مبعوثون، ومثله قوله: " ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم " أي: ليس يوقنون أنهم مبعوثون، واللقاء عند المؤمن: البعث، وعند الكافر: المعاينة والنظر. وقد يكون بعض ظن الكافر يقينا، وذلك قوله: " ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها " أي: تيقنوا أنهم مواقعوها، وأما قوله في المنافقين: " ويظنون بالله الظنونا " فليس ذلك بيقين ولكنه شك، فاللفظ واحد في الظاهر، ومخالف في الباطن، وكذلك قوله: " الرحمن على العرش استوى " يعني: استوى تدبيره وعلا أمره، وقوله، " وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله " وقوله: " هو معكم أينما كنتم " وقوله: " ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم " فإنما أراد بذلك استيلاء أمنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على جميع خلقه، وأن فعله فعلهم. فافهم عني ما أقول لك، فإني إنما أزيدك في الشرح لا ثلج في صدرك وصدر من لعله بعد اليوم يشك في مثل ما شككت فيه، فلا يجد مجيبا عما يسأل عنه، لعموم الطغيان، والافتنان، واضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب، إلى الاكتتام والاحتجاب، خيفة أهل الظلم والبغي. أما إنه سيأتي على الناس زمان يكون الحق فيه مستورا، والباطل ظاهرا مشهورا، وذلك إذا كان أولى الناس به أعدائهم له، واقترب الوعد الحق، وعظم الإلحاد، وظهر الفساد، هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ونحلهم الكفار أسماء الأشرار، …

الاحتجاج — الجزء الأول · إحتجاجه (ع) على زنديق جاء مستدلا عليه بأي من القرآن متشابهة، تحتاج إلى التأويل، على أنها تقتضي التناقض والاختلاف فيه، وعلى أمثاله في أشياء أخرى.

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.