جاء رجل من أهل البصرة إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فقال: يا علي بن الحسين إن جدك علي بن أبي طالب قتل المؤمنين، فهملت عينا علي بن الحسين دموعا حتى امتلأت كفه منها، ثم ضرب بها على الحصى، ثم قال: يا أخا أهل البصرة لا والله ما قتل علي مؤمنا، ولا قتل مسلما، وما أسلم القوم ولكن استسلموا وكتموا الكفر وأظهروا الإسلام، فلما وجدوا على الكفر أعوانا أظهروه، وقد علمت صاحبة الجدب والمستحفظون من آل محمد (صلى الله وعليه وآله) أن أصحاب الجمل وأصحاب صفين وأصحاب النهروان لعنوا على لسان النبي الأمي وقد خاب من افترى. فقال شيخ من أهل الكوفة: يا علي بن الحسين إن جدك كان يقول: (إخواننا بغوا علينا). فقال علي بن الحسين (عليه السلام): أما تقرأ كتاب الله (وإلى عاد أخاهم هودا) فهم مثلهم أنجى الله عز وجل هودا والذين معه وأهلك عادا بالريح العقيم. وبالإسناد المقدم ذكره: أن علي بن الحسين (عليه السلام) كان يذكر حال من مسخهم الله قردة من بني إسرائيل ويحكي قصتهم، فلما بلغ آخرها قال: إن الله تعالى مسخ أولئك القوم لإصطيادهم السمك، فكيف ترى عند الله عز وجل يكون حال من قتل أولاد رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وهتك حريمه؟! إن الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدنيا فإن المعد لهم من عذاب الآخرة أضعاف أضعاف عذاب المسخ. فقيل له: يا بن رسول الله فإنا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض النصاب: فإن كان قتل الحسين باطلا فهو أعظم عند الله من صيد السمك في السبت، أفما كان الله غضب على قاتليه كما غضب على صيادي السمك؟ قال علي بن الحسين (عليه السلام): قل لهؤلاء النصاب فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه فأهلك الله من شاء منهم، كقوم: نوح، وفرعون، ولم يهلك إبليس، وهو أولى بالهلاك، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا عن إبليس في عمل الموبقات، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المحرمات، أما كان ربنا عز وجل حكيما تدبيره حكمة فيمن أهلك وفيمن استبقى؟ فكذلك هؤلاء الصائدون في السبت، وهؤلاء القاتلون للحسين، يفعل في الفريقين ما يعلم أنه أولى بالصواب والحكمة، لا يسأل عما يفعل وعباده يسألون. وقال الباقر (عليه السلام): فلما حدث علي بن الحسين (عليه السلام) بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا بن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتاها أسلافهم - وهو يقول: (ولا تزروا وازرة وزر أخرى)؟ فقال زين العابدين (عليه السلام): إن القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميمي - قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه -: أغرتم على بلد كذا، وفعلتم كذا، ويقول العربي: نحن فعلنا ببني فلان، ونحن سبينا آل فلان، ونحن خربنا بلد كذا. لا يريد أنهم باشروا ذلك، ولكن يريد هؤلاء بالعذل وأولئك بالإفتخار: أن قومهم فعلوا كذا، وقول الله عز وجل في هذه الآيات إنما هو توبيخ لأسلافهم، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لأن ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن، والآن هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم، مصوبون لهم، فجاز أن يقال: أنتم فعلتم أي: إذ رضيتم قبيح فعلهم وعن أبي حمزة الثمالي قال: دخل قاض من قضاة أهل الكوفة على علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له: جعلني الله فداك! أخبرني عن قول الله عزو جل: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) قال له: ما يقول الناس فيها قبلكم؟ قال: يقولون: أنها مكة. فقال: وهل رأيت السرق في موضع أكثر منه بمكة. قال: فما هو؟ قال: إنما عنى الرجال. قال: وأين ذلك في كتاب الله؟ فقال: أو ما تسمع إلى قوله عز وجل: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله) وقال: (وتلك القرى أهلكناهم) وقال: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أفيسأل القرية أو الرجال أو العير؟ قال: وتلا عليه آيات في هذا المعنى. قال: جعلت فداك! فمن هم؟ قال: نحن هم. فقال: أو ما تسمع إلى قوله: (سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)؟ قال: آمنين من الزيغ. وروي أن زين العابدين (عليه السلام) مر بالحسن البصري وهو يعظ الناس بمنى فوقف (عليه السلام) عليه ثم قال: امسك أسألك عن الحال التي أنت عليها مقيم، أترضاها لنفسك فيما بينك وبين الله إذا نزل بك غدا؟ قال: لا. قال: أفتحدث نفسك بالتحول والانتقال عن الحال التي لا ترضاها لنفسك إلى الحال التي ترضاها؟ (قال): فأطرق مليا ثم قال: إني أقول ذلك بلا حقيقة. قال: أفترجو نبيا بعد محمد (صلى الله وعليه وآله) يكون لك معه سابقة؟ قال: لا. قال: أفترجو دارا غير الدار التي أنت فيها ترد إليها فتعمل فيها؟ قال: لا. قال: أفرأيت أحدا به مسكة عقل رضي لنفسه من نفسه بهذا؟ إنك على حال لا ترضاها ولا تحدث نفسك بالانتقال إلى حال ترضاها على حقيقة، ولا ترجو نبيا بعد محمد، ولا دار غير الدار التي أنت فيها فترد إليها فتعمل فيها، وأنت تعظ الناس، قال: فلما ولى (عليه السلام) قال الحسن البصري: من هذا؟ قالوا: علي بن الحسين. قال: أهل بيت علم فما رأي الحسن البصري بعد ذلك يعظ الناس. وعن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت علي بن الحسين (عليه السلام) يحدث رجلا من قريش قال: لما تاب الله على آدم واقع حواء ولم يكن غشيها منذ خلق وخلقت إلا في الأرض، وذلك بعد ما تاب الله عليه، قال: وكان آدم يعظم البيت وما حوله من حرمة البيت، فكان إذا أراد أن يغشى حواء خرج من الحرم وأخرجها معه، فإذا جاز الحرم غشيها في الحل، ثم يغتسلان إعظاما منه للحرم، ثم يرجع إلى فناء البيت. قال: فولد لآدم من حواء عشرون ذكرا وعشرون أنثى، فولد له في كل بطن ذكر وأنثى، فأول بطن ولدت حواء: (هابيل) ومعه جارية يقال لها: (أقليما) قال: وولدت في البطن الثاني: (قابيل) ومعه جارية يقال لها (لوزا) وكانت لوزا أجمل بنات آدم. (قال): فلما أدركوا خاف عليهم آدم الفتنة فدعاهم إليه فقال: أريد أن أنكحك يا هابيل لوزا، وأنكحك يا قابيل أقليما. قال قابيل: ما أرضى بهذا أتنكحني أخت هابيل القبيحة، وتنكح هابيل أختي الجميلة. قال: فأنا أقرع بينكما، فإن خرج سهمك يا قابيل على لوزا، وخرج سهمك يا هابيل على أقليما، زوجت كل واحد منكما التي خرج سهمه عليها. (قال): فرضيا بذلك، فاقترعا، (قال): فخرج سهم هابيل على لوزا أخت قابيل، وخرج سهم قابيل على أقليما أخت هابيل. قال: فزوجهما على ما خرج لهما من عند الله. (قال) ثم حرم الله نكاح الأخوات بعد ذلك. قال: فقال له القرشي: فأولداهما؟ قال: نعم. قال: فقال القرشي: فهذا فعل المجوس اليوم! قال: فقال علي بن الحسين: إن المجوس إنما فعلوا ذلك بعد التحريم من الله. ثم قال له علي بن الحسين (عليه السلام): لا تنكر هذا، إنما هي الشرايع جرت أليس الله قد خلق زوجة آدم منه ثم أحلها له، فكان ذلك شريعة من شرايعهم، ثم أنزل الله التحريم بعد ذلك. لقي عباد البصري علي بن الحسين (عليه السلام) في طريق مكة فقال له: يا علي بن الحسين تركت الجهاد وصعوبته، وأقبلت على الحج ولينه، وأن الله عز وجل يقول: (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون - إلى قوله - وبشر المؤمنين). فقال علي بن الحسين: إذا رأينا هؤلاء الذين هذه صفتهم فالجهاد معهم أفضل من الحج. وسأل (عليه السلام) عن النبيذ فقال: شربه قوم وحرمه قوم صالحون، فكان شهادة الذين دفعوا بشهادتهم شهواتهم أولى أن تقبل من الذين جروا بشهادتهم شهواتهم. وعن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رجل لعلي بن الحسين (عليه السلام): إن فلانا ينسبك إلى أنك ضال مبتدع! فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حيث أبلغني عن أخي ما لست أعلمه، إن الموت يعمنا، والبعث محشرنا، والقيامة موعدنا، والله يحكم بيننا، إياك والغيبة! فإنها أدام كلاب النار، واعلم أن من أكثر عيوب الناس شهد عليه الاكثار إنه إنما يطلبها بقدر ما فيه. وسأل (عليه السلام) عن الكلام والسكوت أيهما أفضل فقال (عليه السلام). لكل واحد منهما آفات، فإذا سلما من الآفات، فالكلام أفضل من السكوت قيل: وكيف ذاك يا بن رسول الله؟ قال: لأن الله عز وجل ما بعث الأنبياء والأوصياء بالسكوت، إنما يبعثهم بالكلام، ولا استحقت الجنة بالسكوت، ولا استوجب ولاية الله بالسكوت، ولا توقيت النار بالسكوت، ولا نجنب سخط الله بالسكوت، إنما ذلك كله بالكلام وما كنت لأعدل القمر بالشمس، إنك تصف فضل السكوت بالكلام، ولست تصف فضل الكلام بالسكوت. روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: لما قتل الحسين بن علي (عليه السلام) أرسل محمد بن الحنفية إلى علي بن الحسين (عليه السلام) فخلا به ثم قال: يا بن أخي قد علمت أن رسول الله كان جعل الوصية والإمامة من بعده لعلي ابن أبي طالب (عليه السلام)، ثم إلى الحسن، ثم الحسين، وقد قتل أبوك رضي الله عنه وصلى عليه ولم يوص، وأنا عمك وصنو أبيك، وأنا في سني وقدمتي أحق بها منك في حداثتك، فلا تنازعني الوصية والإمامة، ولا تخالفني. فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): إتق الله ولا تدع ما ليس لك بحق، إني أعظك أن تكون من الجاهلين، يا عم! إن أبي صلوات الله عليه أوصى إلي قبل أن يتوجه إلى العراق، وعهد إلي في ذلك قبل أن يستشهد بساعة، وهذا سلاح رسول الله (صلى الله وعليه وآله) عندي، فلا تعرض لهذا فإني أخاف عليك بنقص العمر، وتشتت الحال وأن الله تبارك وتعالى أبى إلا أن يجعل الوصية والإمامة إلا في عقب الحسين، فإن أردت أن تعلم فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتى نتحكم إليه ونسأله عن ذلك. قال الباقر (عليه السلام): وكان الكلام بينهما وهما يومئذ بمكة، فانطلقا حتى أتيا الحجر الأسود فقال علي بن الحسين (عليه السلام) لمحمد: ابتدء فابتهل إلى الله واسأله أن ينطق لك الحجر ثم سله. فابتهل محمد في الدعاء وسأل الله ثم دعا الحجر فلم يجبه، فقال علي بن الحسين (عليه السلام): أما أنك يا عم لو كنت وصيا وإماما لأجابك! فقال له محمد: فادع أنت يا بن أخي! فدعا الله علي بن الحسين (عليه السلام) بما أراد ثم قال: (أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق الناس أجمعين، لما أخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي! فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه، ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي بن أبي طالب إلى علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وابن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين (عليه السلام). وعن ثابت البناني قال: كنت حاجا وجماعة عباد البصرة مثل: أيوب السجستاني، وصالح المروي، وعتبة الغلام، وحبيب الفارسي، ومالك بن دينار فلما أن دخلنا مكة رأينا الماء ضيقا، وقد اشتد بالناس العطش لقلة الغيث ففزع إلينا أهل مكة والحجاج يسألوننا أن نستسقي لهم، فأتينا الكعبة وطفنا بها ثم سألنا الله خاضعين متضرعين بها فمنعنا الإجابة. فبينما نحن كذلك إذا نحن بفتى قد أقبل وقد أكربته أحزانه، وأقلقته أشجانه، فطاف بالكعبة أشواطا ثم أقبل علينا فقال: يا مالك بن دينار! ويا ثابت البناني! ويا أيوب السجستاني! ويا صالح المروي ويا عتبة الغلام! ويا حبيب الفارسي! ويا سعد! ويا عمر! ويا صالح الأعمى! ويا رابعة ويا سعدانة! ويا جعفر بن سليمان! فقلنا: لبيك وسعديك يا فتى! فقال: أما فيكم أحد يحبه الرحمن؟ فقلنا: يا فتى علينا الدعاء وعليه الإجابة. فقال: ابعدوا عن الكعبة فلو كان فيكم أحد يحبه الرحمن لأجابه، ثم أتى الكعبة فخر ساجدا فسمعته يقول - في سجوده -: (سيدي بحبك لي إلا سقيتهم الغيث). قال: فما استتم الكلام حتى أتاهم الغيث كافواه القرب. فقلت: يا فتى من أين علمت أنه يحبك؟ قال: لو لم يحبني لم يستزرني، فلما استزارني علمت أنه يحبني، فسألته بحبه لي فأجباني، ثم ولى عنا وأنشأ يقول: من عرف الرب فلم تغنه معرفة الرب فذاك الشقي ما ضر في الطاعة ما ناله في طاعة الله وماذا لقي ما يصنع العبد بغير التقى والعز كل العز للمتقي فقلت يا أهل مكة من هذا الفتى؟ قالوا: علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام). وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين (عليه السلام) قال: نحن أئمة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغر المحجلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وينشر الرحمة، وتخرج بركات الأرض منا لساخت الأرض بأهلها. ثم قال: ولم تخلوا الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله، ولو لا ذلك لم يعبد الله. وعن أبي حمزة الثمالي عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) فقلت له: يا بن رسول الله أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأوجب على خلقه الاقتداء بهم بعد رسول الله (صلى الله وعليه وآله)؟ فقال لي: يا أبا كنكر! إن أولي الأمر الذين جعلهم الله أئمة الناس وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم انتهى الأمر إلينا، ثم سكت. فقلت له: يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: (لا تخلو الأرض من حجة الله على عباده) فمن الحجة والإمام بعدك؟ قال: ابني (محمد) واسمه في التوراة (باقر) يبقر العلم بقرا، هو الحجة والإمام بعدي، ومن بعد محمد ابنه (جعفر) اسمه عند أهل السماء (الصادق). فقلت له: يا سيدي فكيف صار اسمه: الصادق، وكلكم صادقون؟ فقال حدثني أبي عن أبيه: أن رسول الله قال: (إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فسموه: الصادق، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله، وكذبا عليه، فهو عند الله (جعفر الكذاب) المفتري على الله، المدعي لما ليس له بأهل، المخالف على أبيه، والحاسد لأخيه، ذلك الذي يكشف سر الله عند غيبة ولي الله). ثم بكى علي بن الحسين بكاءا شديدا، ثم قال: كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيب في حفظ الله، والتوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا على قتله إن ظفر به، طمعا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه. قال أبو خالد: فقلت له: يا بن رسول الله وأن ذلك لكائن؟ فقال: إي وربي إنه المكتوب عندنا في الصحيفة: التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول الله (صلى الله وعليه وآله). قال أبو خالد: فقلت: يا بن رسول الله ثم يكون ماذا؟ قال: ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمة بعده يا أبا خالد! إن أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل أهل كل زمان، لأن الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، أولئك المخلصون حقا وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا. وقال (عليه السلام): انتظار الفرج من أعظم الفرج. وبالإسناد المتقدم ذكره عن علي بن الحسين (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (لكم في القصاص حياة) الآية ولكم يا أمة محمد في القصاص حياة لأن من هم بالقتل فعرف أنه يقتص منه فكف لذلك عن القتل، كان حياة للذي هم بقتله، وحياة لهذا الجاني الذي أراد أن يقتل، وحياة لغيرهما من الناس، إذا علموا أن القصاص واجب لا يجسرون على القتل مخافة القصاص، يا أولي الألباب: أولي العقول لعلكم تتقون. ثم قال (عليه السلام): عباد الله هذا قصاص قتلكم لمن تقتلونه في الدنيا، وتفنون روحه، أفلا أنبئكم بأعظم من هذا القتل، وما يوحيه الله على قاتله مما هو أعظم من هذا القصاص؟ قالوا: بلى يا بن رسول الله. قال: أعظم من هذا القتل أن يقتله قتلا لا يجبر ولا يحيى بعده أبدا. قالوا: ما هو؟ قال: أن يضله عن نبوة محمد، وعن ولاية علي بن أبي طالب، ويسلك به غير سبيل الله، ويغير به باتباع طريق أعداء علي والقول بإمامتهم، ودفع علي عن حقه، وجحد فضله، وألا يبالي بإعطائه واجب تعظيمه، فهذا هو القتل الذي هو تخليد المقتول في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، فجزاء هذا القتل مثل ذلك الخلود في نار جهنم. وقال أبو محمد الحسن العسكري صلوات الله عليه: أن رجلا جاء إلى علي بن الحسين برجل يزعم أنه قاتل أبيه، فاعترف فأوجب عليه القصاص، وسأله أن يعفو عنه ليعظم الله ثوابه، فكأن نفسه لم تطب بذلك فقال علي بن الحسين - للمدعي الدم الذي هو الولي المستحق للقصاص -: إن كنت تذكر لهذا الرجل عليك فضلا فهب له هذه الجناية، واغفر له هذا الذنب. قال: يا بن رسول الله له علي حق، ولكن لم يبلغ به أن أعفو له عن قتل والدي. قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد القود، فإن أراد لحقه علي أن أصالحه على الدية صالحة وعفوت عنه قال: علي بن الحسين (عليه السلام) فماذا حقه عليك؟ قال: يا بن رسول الله لقنني توحيد الله، ونبوة رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وإمامة علي والأئمة (عليهم السلام). فقال علي بن الحسين: فهذا لا يفي بدم أبيك؟ بلى والله هذا يفي بدماء أهل الأرض كلهم من الأولين والآخرين سوى الأنبياء والأئمة، إن قتلوا فإنه لا يفي بدمائهم شئ. تمام الخبر. وبالإسناد المقدم ذكره أن محمد بن علي الباقر (عليه السلام) قال: دخل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري على علي بن الحسين (عليه السلام)، وهو كئيب حزين فقال له زين العابدين (عليه السلام). ما بالك مغموما؟ قال: يا بن رسول الله غموم وهموم تتوالى علي لما امتحنت به من جهة حساد نعمي، والطامعين في، وممن أرجو، وممن أحسنت إليه، فيخلف ظني. فقال له علي بن الحسين (عليه السلام): إحفظ عليك لسانك تملك به إخوانك. قال الزهري: يا بن رسول الله إني أحسن إليهم بما يبدر من كلامي. قال علي بن الحسين (عليه السلام): هيهات هيهات! إياك أن تعجب من نفسك بذلك وإياك أن تتكلم بما يسبق إلى القلوب إنكاره. وإن كان عندك اعتذاره، فليس كل من تسمعه شرا يمكنك أن توسعه عذرا. ثم قال: يا زهري من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه. ثم قال: يا زهري أما عليك أن تجعل المسلمين منك بمنزلة أهل بيتك فتجعل كبيرهم بمنزلة والدك، وتجعل صغيرهم بمنزلة ولدك، وتجعل تربك منهم بمنزلة أخيك، فأي هؤلاء أن تظلم، وأي هؤلاء تحب أن تدعو عليه، وأي هؤلاء تحب أن تهتك ستره، وإن عرض لك إبليس لعنه الله بأن لك فضلا على أحد من أهل القبلة، فانظر إن كان أكبر منك فقل: قد سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإن كان أصغر منك فقل: قد سبقته بالمعاصي والذنوب فهو خير مني، وإن كان تربك فقل: أنا على يقين من ذنبي في شك من أمره فما لي أدع يقيني لشكي، وإن رأيت المسلمين يعظمونك ويوقرونك ويبجلونك فقل: هذا أفضل أخذوا به، وإن رأيت منهم جفا وانقباضا فقل: هذا الذنب أحدثته، فإنك إذا فعلت ذلك سهل الله عليك عيشك، وكثر أصدقائك، وفرحت بما يكون من برهم، ولم تأسف على ما يكون من جفائهم. واعلم أن أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فايضا، وكان عنهم مستغنيا متعففا، وأكرم الناس بعده عليهم من كان مستعففا، وإن كان إليهم محتاجا، فإنما أهل الدنيا يتعقبون الأموال، فمن لم يزدحمهم فيما يتبقونه كرم عليهم، ومن لم يزاحمهم فيما ومكنهم من بعضها كان أعز وأكرم. وبالإسناد المقدم ذكره عن الرضا (عليه السلام) أنه قال: قال علي بن الحسين: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته وهديه، وتماوت في منطقه، وتخاضع في حركاته فرويدا لا يغرنكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب الحرام منها لضعف نيته ومهانته، وجبن قلبه، فنصب الدين فخا لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره فإن تمكن من حرام اقتحمه، وإذا وجدتموه يعف عن المال الحرام، فرويدا لا يغرنكم! فإن شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبوا عن المال الحرام وإن كثر، ويحمل نفسه على شوها قبيحة، فيأتي منها محرما، فإذا وجدتموه يعف عن ذلك فرويدا لا يغرنكم، حتى تنظروا ما عقدة عقله، فما أكثر من ترك ذلك أجمع ثم لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسد بجهله أكثر مما يصلحه بعقله فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغركم! تنظروا أمع هواه يكون على عقله أم يكون مع عقله على هواه وكيف محبة للرياسات الباطلة وزهده فيها فإن في الناس من خسر الدنيا والآخرة يترك الدنيا للدنيا ويرى أن لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة فيترك ذلك أجمع طلبا للرياسة حتى إذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد، فهو يخبط خبط عشواء، يقوده أول باطل إلى أبعد غايات الخسارة، ويمده ربه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه، فهو يحل ما حرم الله، ويحرم ما أحل الله، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رياسة التي قد شقي من أجلها، فأولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذابا مهينا، ولكن الرجل كل الرجل. نعم الرجل هو: الذي جعل هواه تبعا لأمر الله، وقواه مبذولة في رضى الله، يرى الذل مع الحق أقرب إلى عز الأبد من العز في الباطل، ويعلم أن قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفذ، وأن كثيرا ما يلحقه من سرائها إن اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا يزول فذلكم الرجل نعم الرجل فيه فتمسكوا وبسنته فاقتدوا وإلى ربكم فتوسلوا فإنه لا ترد له دعوة ولا يخيب له طلبة.
الاحتجاج — الجزء الثاني · إحتجاجه (ع) في أشياء شتى من علوم الدين وذكر طرف من مواعظه البليغة.