الأقسامالاحتجاج للطبرسيالجزء الثاني
الاحتجاج

ما عولج من لحوم الأفاعي، فإن لحومها إذا أكلها المجذوم بشب نفعه، وتزعم أن الدود الأحمر الذي يصاب تحت الأرض نافع للأكلة؟ قال: نعم. قال: (عليه السلام): فأما البعوض والبق فبعض سببه أنه جعله أرزاق الطير، وأهان بها جبارا تمرد على الله وتجبر، وأنكر ربوبيته، فسلط الله عليه أضعف خلقه ليريه قدرته وعظمته، وهي البعوض، فدخلت في منخره حتى وصلت إلى دماغه فقتلته، واعلم أنا لو وقعنا على كل شئ خلقه الله تعالى لم خلقه؟ ولأي شئ أنشأه؟ لكنا قد ساويناه في علمه، وعلمنا كلما يعلم، واستغنينا عنه، وكنا وهو في العلم سواء. قال: فأخبرني هل يعاب شئ من خلق الله وتدبيره؟ قال: لا. قال: فإن الله خلق خلقه عزلا، أذلك منه حكمة أم عبث؟ قال: بل منه حكمة. قال: غيرتم خلق الله، وجعلتم فعلكم في قطع الغلفة أصوب مما خلق الله لها، وعبتم الأغلف، والله خلقه، ومدحتم الختان وهو فعلكم. أم تقولون أن ذلك من الله كان خطأ غير حكمة؟! قال: (عليه السلام): ذلك من الله حكمة وصواب، غير أنه سن ذلك وأوجبه على خلقه، كما أن المولود إذا خرج من بطن أمه وجدنا سرته متصلة بسرة أمه، كذلك خلقها الحكيم فأمر العباد بقطعها، وفي تركها فساد بين للمولود والأم، وكذلك أظفار الإنسان أمر إذا طالت أن تقلم، وكان قادرا يوم دبر خلق الإنسان أن يخلقها خلقة لا تطول، وكذلك الشعر من الشارب والرأس، يطول فيجز، وكذلك الثيران خلقها الله فحولة، وإخصاؤها أوفق، وليس في ذلك عيب في تقدير الله عز وجل. قال: ألست تقول: يقول الله تعالى: (ادعوني أستجب لكم) وقد نرى المضطر يدعوه فلا يجاب له، والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره؟ قال: ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له، أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب إليه، وأما المحق فإنه إذا دعاه استجاب له، وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه، أو ادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه، وإن لم يكن الأمر الذي سأل العبد خيرا له إن أعطاه أمسك عنه، والمؤمن العارف بالله ربما عز عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ، وقد يسأل العبد ربه هلاك من لم ينقطع مدته أو يسأل المطر وقتا ولعله أوان لا يصلح فيه المطر، لأنه أعرف بتدبير ما خلق من خلقه، وأشباه ذلك كثيرة فافهم هذا. قال: اخبرني أيها الحكيم ما بال السماء لا ينزل منها إلى الأرض أحد، ولا يصعد من الأرض إليها بشر، ولا طريق إليها، ولا مسلك، فلو نظر العباد في كل دهر مرة من يصعد إليها وينزل لكان ذلك أثبت في الربوبية، وأنفى للشك وأقوى لليقين، وأجدر أن يعلم العباد أن هناك مدبرا إليه يصعد الصاعد، ومن عنده يهبط الهابط. قال: إن كل ما ترى في الأرض من التدبير إنما هو ينزل من السماء، ومنها يظهر، أما ترى الشمس منها تطلع، وهي نور النهار، وفيها قوام الدنيا، ولو حبست حار من عليها، وهلك، والقمر منها يطلع، وهو نور الليل، وبه يعلم عدد السنين والحساب، والشهور والأيام، ولو حبس لحار من عليها وفسد التدبير، وفي السماء النجوم التي يهتدى بها في ظلمات البر، والبحر، ومن السماء ينزل الغيث الذي فيه حياة كل شئ، من: الزرع، والنبات، والأنعام، وكل الخلق لو حبس عنهم لما عاشوا، والريح لو حبست إياه لفسدت الأشياء جميعا، وتغيرت، ثم الغيم والرعد والبرق والصواعق، كل ذلك إنما هو دليل على أن هناك مدبرا يدبر كل شئ ومن عنده ينزل، وقد كلم الله موسى وناجاه، ورفع الله عيسى بن مريم، والملائكة تتنزل من عنده، غير أنك لا تؤمن بما لم تره بعينك، وفيما تراه بعينك كفاية أن تفهم وتعقل. قال: فلو أن الله رد إلينا من الأموات في كل مائة عام واحدا لنسأله عن من مضى منا. إلى ما صاروا، وكيف حالهم، وماذا لقوا بعد الموت، وأي شئ صنع بهم، ليعمل الناس على اليقين، واضمحل الشك، وذهب الغل عن القلوب. قال: إن هذه مقالة من أنكر الرسل وكذبهم، ولم يصدق بما جاءوا به من عند الله، إذ أخبروا وقالوا: أن الله أخبر في كتابه عز وجل على لسان أنبيائه، حال من مات منا، أفيكون أحد أصدق من الله قولا ومن رسله، وقد رجع إلى الدنيا ممن مات خلق كثير، منهم: (أصحاب الكهف) أماتهم الله ثلثمائة عام وتسعة ثم بعثهم في زمان قوم أنكروا البعث، ليقطع حجتهم، وليريهم قدرته وليعلموا أن البعث حق، وأمات الله (أرمياء) النبي (عليه السلام) الذي نظر إلى خراب بيت المقدس وما حوله حين غزاهم بخت نصر وقال: (أنى يحيي هذه الله بعد موتها) (فأماته الله مائة عام ثم أحياه) ونظر إلى أعضائه كيف تلتئم، وكيف تلبس اللحم، وإلى مفاصله وعروقه كيف توصل، فلما استوى قاعدا قال: (أعلم أن الله على كل شئ قدير) وأحيى الله قوما خرجوا عن أوطانهم هاربين من الطاعون، لا يحصى عددهم، وأماتهم الله دهرا طويلا، حتى بليت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، وصاروا ترابا، فبعث الله في وقت أحب أن يري خلقه قدرته، نبيا يقال له: (حزقيل) دعاهم فاجتمعت أبدانهم، ورجعت فيها أرواحهم، وقاموا كهيئة يوم ماتوا، لا يفقدون من أعدادهم رجلا، فعاشوا بعد ذلك دهرا طويلا، وأن الله أمات قوما خرجوا مع موسى (عليه السلام) حين توجه إلى الله فقالوا: (أرنا الله جهرة) (فأماتهم الله ثم أحياهم) قال: فأخبرني عمن قال: بتناسخ الأرواح، من أي شئ قالوا ذلك، وبأي حجة قاموا على مذاهبهم. قال: إن أصحاب التناسخ قد خلفوا ورائهم منهاج الدين، وزينوا لأنفسهم الضلالات، وأمرجوا أنفسهم في الشهوات وزعموا أن السماء خاوية ما فيها شئ مما يوصف، وأن مدبر هذا العالم في صورة المخلوقين، بحجة من روى أن الله عز وجل خلق آدم على صورته، وأنه لا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور، والقيامة عندهم خروج الروح من قالبه وولوجه في قالب آخر، فإن كان محسنا في القالب الأول أعيد في قالب أفضل منه حسنا في أعلى درجة من الدنيا، وإن كان مسيئا أو غير عارف صار في بعض الدواب المتعبة في الدنيا، أو هوام مشوهة الخلقة وليس عليهم صوم ولا صلاة، ولا شئ من العبادة أكثر من معرفة من تجب عليهم معرفته، وكل شئ من شهوات الدنيا مباح لهم، من: فروج النساء، وغير ذلك، من الأخوات، والبنات، والخالات، وذوات البعولة، وكذلك الميتة، والخمر، والدم، فاستقبح مقالتهم كل الفرق، ولعنهم كل الأمم، فلما سئلوا الحجة زاغوا وحادوا، فكذب مقالتهم التوراة، ولعنهم الفرقان، وزعموا مع ذلك أن إلههم ينتقل من قالب إلى قالب، وأن الأرواح الأزلية هي التي كانت في آدم، ثم هلم جرا تجري إلى يومنا هذا في واحد بعد آخر، فإذا كان الخالق في صورة المخلوق فبما يستدل على أن أحدهما خالق صاحبه؟! وقالوا: أن الملائكة من ولد آدم كل من صار في أعلى درجة من دينهم خرج من منزلة الامتحان والتصفية فهو ملك فطورا تخالهم نصارى في أشياء، وطورا دهرية يقولون: أن الأشياء على غير الحقيقة، فقد كان يجب عليهم أن لا يأكلوا شيئا من اللحمان، لأن الذرات عندهم كلها من ولد آدم حولوا من صورهم، فلا يجوز أكل لحوم القربات. قال: ومن زعم أن الله لم يزل، ومعه طينة موذية، فلم يستطع التفصي منها إلا بامتزاجه بها ودخوله فيها، فمن تلك الطينة خلق الأشياء! قال: سبحان الله وتعالى! ما أعجز إله يوصف بالقدرة، لا يستطيع التفصي من الطينة! إن كانت الطينة حية أزلية، فكانا إلهين قديمين فامتزجا ودبرا العالم من أنفسهما، فإن كان ذلك كذلك، فمن أين جاء الموت والفناء؟ وإن كانت الطينة ميتة فلا بقاء للميت مع الأزلي القديم، والميت لا يجئ منه حي، وهذه مقالة الديصانية، أشد الزنادقة قولا، وأمهنهم مثلا، نظروا في كتب قد صنفتها أوائلهم، وحبروها بألفاظ مزخرفة من غير أصل ثابت، ولا حجة توجب إثبات ما ادعوا، كل ذلك خلافا على الله وعلى رسله، بما جاءوا عن الله، فأما من زعم أن الأبدان ظلمة، والأرواح نور، وأن النور لا يعمل الشر، والظلمة لا تعمل الخير، فلا يجب عليهم أن يلوموا أحدا على معصية، ولا ركوب حرمة ولا إتيان فاحشة وأن ذلك عن الظلمة غير مستنكر، لأن ذلك فعلها، ولا له أن يدعو ربا، ولا يتضرع إليه، لأن النور الرب، والرب لا يتضرع إلى نفسه، ولا يستعبد بغيره، ولا لأحد من أهل هذه المقالة أن يقول: (أحسنت) يا محسن أو (أسأت) لأن الإسائة من فعل الظلمة، وذلك فعلها، والإحسان من النور، ولا يقول النور لنفسه أحسنت يا محسن، وليس هناك ثالث، وكانت الظلمة على قياس قولهم، أحكم فعلا، وأتقن تدبيرا، وأعز أركانا من النور، لأن الأبدان محكمة، فمن صور هذا الخلق صورة واحدة على نعوت مختلفة، وكل شئ يرى ظاهرا من الزهر، والأشجار والثمار، والطير، والدواب، يجب أن يكون إلها، ثم حبست النور في حبسها والدولة لها، وأما ما ادعوا بأن العاقبة سوف تكون للنور، فدعوى، وينبغي على قياس قولهم أن لا يكون للنور فعل، لأنه أسير، وليس له سلطان، فلا فعل له ولا تدبير، وإن كان له مع الظلمة تدبير، فما هو بأسير، بل هو مطلق عزيز، فإن لم يكن كذلك، وكان أسير الظلمة، فإنه يظهر في هذا العالم إحسان، وجامع فساد وشر، فهذا يدل على أن الظلمة تحسن الخير وتفعله، كما تحسن الشر وتفعله، فإن قالوا محال ذلك، فلا نور يثبت ولا ظلمة، وبطلت دعواهم، ورجع الأمر إلى أن الله واحد وما سواه باطل، فهذه مقالة ماني الزنديق وأصحابه. وأما من قال: النور والظلمة بينهما حكم، فلا بد من أن يكون أكبر الثلاثة الحكم، لأنه لا يحتاج إلى الحاكم إلا مغلوب أو جاهل أو مظلوم، وهذه مقالة المانوية والحكاية عنهم تطول. قال: فما قصة ماني؟ قال: متفحص أخذ بعض المجوسية فشابها ببعض النصرانية، فأخطأ الملتين ولم يصب مذهبا واحدا منهما، وزعم أن العالم دبر من إلهين، نور وظلمة، وأن النور في حصار من الظلمة على ما حكينا منه، فكذبته النصارى، وقبلته المجوس. قال: فأخبرني عن المجوس أفبعث الله إليهم نبيا؟ فإني أجد لهم كتبا محكمة ومواعظ بليغة، وأمثالا شافية، يقرون بالثواب والعقاب، ولهم شرايع يعملون بها. قال (عليه السلام): ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وقد بعث إليهم نبي بكتاب من عند الله، فأنكروه. وجحدوا كتابه. قال: ومن هو فإن الناس يزعمون أنه خالد بن سنان؟ قال (عليه السلام): إن خالدا كان عربيا بدويا، ما كان نبيا، وإنما ذلك شئ يقوله الناس. قال: أفزردشت؟ قال: إن زردشت أتاهم بزمزمة، وادعى النبوة، فآمن منهم قوم وجحده قوم، فأخرجوه فأكلته السباع في برية من الأرض. قال: فأخبرني عن المجوس كانوا أقرب إلى الصواب في دهرهم، أم العرب؟ قال: العرب في الجاهلية، كانت أقرب إلى الدين الحنيفي من المجوس وذلك أن المجوس كفرت بكل الأنبياء، وجحدت كتبهم، وأنكرت براهينهم، ولم تأخذ بشئ من سننهم، وآثارهم، وأن كيخسرو ملك المجوس في الدهر الأول قتل ثلثمائة نبي، وكانت المجوس لا تغتسل من الجنابة، والعرب كانت تغتسل والاغتسال من خالص شرايع الحنيفية، وكانت المجوس لا تختن، وهو من سنن الأنبياء، وأول من فعل ذلك إبراهيم خليل الله، وكانت المجوس لا تغسل موتاها ولا تكفنها، وكانت العرب تفعل ذلك، وكانت المجوس ترمي الموتى في الصحارى والنواويس، والعرب تواريها في قبورها وتلحدها، وكذلك السنة على الرسل، إن أول من حفر له قبر آدم أبو البشر، وألحد له لحد، وكانت المجوس تأتي الأمهات وتنكح البنات والأخوات، وحرمت ذلك العرب، وأنكرت المجوس بيت الله الحرام وسمته بيت الشيطان، والعرب كانت تحجه وتعظمه، وتقول: بيت ربنا، وتقر بالتوراة والإنجيل، وتسأل أهل الكتب وتأخذ، وكانت العرب في كل الأسباب أقرب إلى الدين الحنيفية من المجوس. قال: فإنهم احتجوا بإتيان الأخوات أنها سنة من آدم. قال: فما حجتهم في إتيان البنات والأمهات، وقد حرم ذلك آدم، وكذلك نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، وسائر الأنبياء، وكل ما جاء عن الله عز وجل. قال: ولم حرم الله الخمر ولا لذة أفضل منها؟ قال: حرمها لأنها أم الخبائث، وأس كل شر، يأتي على شاربها ساعة يسلب لبه، ولا يعرف ربه، ولا يترك معصية إلا ركبها، ولا حرمة إلا انتهكها ولا رحم ماسة إلا قطعها، ولا فاحشة إلا أتاها، والسكران زمامه بيد الشيطان، إن أمره أن يسجد للأوثان سجد، وينقاد حيث ما قاده. قال: فلم حرم الدم المسفوح؟ قال: لأنه يورث القساوة، ويسلب الفؤاد رحمته، ويعفن البدن ويغير اللون وأكثر ما يصيب الإنسان الجذام يكون من أكل الدم. قال: فأكل الغدد؟ قال: يورث الجذام. قال: فالميتة لم حرمها؟ قال: فرقا بينها وبين ما يذكى ويذكر اسم الله عليه، والميتة قد جمد فيها الدم، وتراجع إلى بدنها، فلحمها ثقيل غير مرئ، لأنها يؤكل لحمها بدمها. قال: فالسمك ميتة؟ قال: إن السمك ذكاته إخراجه حيا من الماء، ثم يترك حتى يموت من ذات نفسه، وذلك أنه ليس له دم، وكذلك الجراد. قال: فلم حرم الزنا؟ قال: لما فيه من الفساد، وذهاب المواريث، وانقطاع الأنساب، لا تعلم المرأة في الزنا من أحبلها، ولا المولود يعلم من أبوه، ولا أرحام موصولة، ولا قرابة معروفة. قال: فلم حرم اللواط؟ قال: من أجل أنه لو كان إتيان الغلام حلالا لاستغنى الرجال عن النساء وكان فيه قطع النسل، وتعطيل الفروج، وكان في إجازة ذلك فساد كثير. قال: فلم حرم إتيان البهيمة؟ قال: كره أن يضيع الرجل ماءه، ويأتي غير شكله، ولو أباح ذلك لربط كل رجل أتانا يركب ظهرها ويغشى فرجها، وكان يكون في ذلك فساد كثير، فأباح ظهورها، وحرم عليهم فروجها، وخلق للرجال النساء ليأنسوا بهن ويسكنوا إليهن، ويكن مواضع شهواتهم، وأمهات أولادهم. قال: فما علة الغسل من الجنابة، وأن ما أتى حلالا وليس في الحلال تدنيس؟ قال (عليه السلام): إن الجنابة بمنزلة الحيض، وذلك أن النطفة دم لم يستحكم ولا يكون الجماع إلا بحركة شديدة، وشهوة غالبة، فإذا فرغ تنفس البدن، ووجد الرجل من نفسه رائحة كريهة، فوجب الغسل لذلك، وغسل الجنابة مع ذلك أمانة ائتمن الله عليها عبيده ليختبرهم بها. قال: أيها الحكيم! فما تقول فيمن زعم أن هذا التدبير الذي يظهر في العالم تدبير النجوم السبعة؟ قال (عليه السلام): يحتاجون إلى دليل، أن هذا العالم الأكبر والعالم الأصغر من تدبير النجوم التي تسبح في الفلك، وتدور حيث دارت، متعبة لا تفتر، وسائرة لا تقف. ثم قال: وأن لكل نجم منها موكل مدبر، فهي بمنزلة العبيد المأمورين المنهيين فلو كانت قديمة أزلية لم تتغير من حال إلى حال. قال: فمن قال بالطبايع؟ قال: القدرية، فذلك قول من لم يملك البقاء، ولا صرف الحوادث، وغيرته الأيام والليالي، لا يرد الهرم، ولا يدفع الأجل، وما يدري ما يصنع به. قال: فأخبرني عمن يزعم أن الخلق لم يزل يتناسلون ويتوالدون، ويذهب قرن ويجئ قرن، وتفنيهم الأمراض والأعراض، وصنوف الآفات، ويخبرك الآخر عن الأول، وينبئك الخلف عن السلف، والقرون عن القرون، أنهم وجدوا الخلق على هذا الوصف بمنزلة الشجر والنبات في كل دهر يخرج منه حكيم عليم بمصلحة الناس، بصير بتأليف الكلام، ويصنف كتابا قد حبره بفطنته، وحسنه بحكمته، قد جعله حاجزا بين الناس، يأمرهم بالخير ويحثهم عليه، وينهاهم عن السوء والفساد، ويزجرهم عنه، لئلا يتهارشوا، ولا يقتل بعضهم بعضا. قال (عليه السلام): ويحك إن من خرج من بطن أمه أمس، ويرحل عن الدنيا غدا لا علم له بما كان قبله، ولا ما يكون بعده، ثم إنه لا يخلو الإنسان من أن يكون خلق نفسه، أو خلقه غيره، أو لم يزل موجودا، فما ليس بشئ ليس يقدر أن يخلق شيئا وهو ليس بشئ، وكذلك ما لم يكن فيكون شيئا، يسئل فلا يعلم كيف كان ابتداؤه، ولو كان الإنسان أزليا لم تحدث فيه الحوادث، لأن الأزلي لا تغيره الأيام، ولا يأتي عليه الفناء، مع أنا لم نجد بناء من غير بان، ولا أثرا من غير مؤثر، ولا تأليفا من غير مؤلف، فمن زعم أن أباه خلقه، قيل: فمن خلق أباه، ولو أن الأب هو الذي خلق ابنه، لخلقه على شهوته، وصوره على محبته، ولملك حياته، ولجاز فيه حكمه، ولكنه إن مرض فلم ينفعه، وإن مات فعجز عن رده، إن من استطاع أن يخلق خلقا وينفخ فيه روحا حتى يمشي على رجليه سويا، يقدر أن يدفع عنه الفساد. قال: فما تقول في علم النجوم؟ قال: هو علم قلت منافعه، وكثرت مضراته، لأنه لا يدفع به المقدور، ولا يتقى به المحذور، إن خبر المنجم بالبلاء لم ينجه التحرز من القضاء، وإن أخبر هو بخير لم يستطع تعجيله، وإن حدث به سوء لم يمكنه صرفه، والمنجم يضاد الله في علمه، بزعمه أن يرد قضاء الله عن خلقه. قال: فالرسول أفضل أم الملك المرسل إليه؟ قال: بل الرسول أفضل. قال: فما علة الملائكة الموكلين بعباده، يكتبون عليهم ولهم، والله عالم السر وما هو أخفى، قال: استعبدهم بذلك، وجعلهم شهودا على خلقه، ليكون العباد لملازمتهم إياهم أشد على طاعة الله مواظبة، وعن معصيته أشد انقباضا، وكم من عبد يهم بمعصيته فذكر مكانهما فارعوى وكف، فيقول ربي يراني، وحفظتي علي بذلك تشهد، وأن الله برأفته ولطفه أيضا وكلهم بعباده، يذبون عنهم مردة الشيطان، وهوام الأرض، وآفات كثيرة من حيث لا يرون بإذن الله إلى أن يجئ أمر الله. قال: فخلق الخلق للرحمة أم للعذاب؟ قال: خلقهم للرحمة، وكان في علمه قبل خلقه إياهم، أن قوما منهم يصيرون إلى عذابه بأعمالهم الردية، وجحدهم به. قال: يعذب من أنكر فاستوجب عذابه بإنكاره، فبم يعذب من وحده وعرفه؟ قال: يعذب المنكر لإلهيته عذاب الأبد، ويعذب المقر به عذاب عقوبة لمعصيته إياه فيما فرض عليه، ثم يخرج، ولا يظلم ربك أحدا. قال: فبين الكفر والإيمان منزلة؟ قال (عليه السلام): لا. قال: فما الإيمان وما الكفر؟ قال (عليه السلام): الإيمان: أن يصدق الله فيما غاب عنه من عظمة الله، كتصديقه بما شاهد من ذلك وعاين، والكفر: الجحود. قال: فما الشرك وما الشك؟ قال (عليه السلام): الشرك هو: أن يضم إلى الواحد الذي ليس كمثله شئ آخر والشك: ما لم يعتقد قلبه شيئا. قال: أفيكون العالم جاهلا؟ قال (عليه السلام): عالم بما يعلم، وجاهل بما يجهل. قال: فما السعادة وما الشقاوة؟ قال: السعادة: سبب الخير، تمسك به السعيد فيجره إلى النجاة، والشقاوة سبب خذلان، تمسك به الشقي فيجره إلى الهلكة، وكل بعلم الله. قال: أخبرني عن السراج إذا انطفى أين يذهب نوره؟ قال (عليه السلام): يذهب فلا يعود. قال: فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ذلك إذا مات وفارق الروح البدن، لم يرجع إليه أبدا كما لا يرجع ضوء السراج إليه أبدا إذا انطفى؟ قال: لم تصب القياس، إن النار في الأجسام كامنة، والأجسام قائمة بأعيانها كالحجر والحديد، فإذا ضرب أحدهما بالآخر، سقطت من بينهما بار، تقتبس منها سراج، له ضوء، فالنار ثابت في أجسامها، والضوء ذاهب، والروح: جسم رقيق، قد ألبس قالبا كثيفا، وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت، أن الذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف، وركب فيه ضروبا مختلفة: من عروق، وعصب وأسنان، وشعر، وعظام، وغير ذلك، هو يحييه بعد موته، ويعيده بعد فنائه. قال: فأين الروح؟ قال: في بطن الأرض حيث مصرع البدن إلى وقت البعث. قال: فمن صلب فأين روحه؟ قال: في كف الملك الذي قبضها حتى يودعها الأرض. قال: فأخبرني عن الروح أغير الدم؟ قال: نعم. الروح على ما وصفت لك: مادتها من الدم، ومن الدم رطوبة الجسم، وصفاء اللون، وحسن الصوت، وكثرة الضحك، فإذا جمد الدم فارق الروح البدن. قال: فهل يوصف بخفة وثقل ووزن؟ قال: الروح بمنزلة الريح في الزق، إذا نفخت فيه امتلأ الزق منها، فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه، ولا ينقصها خروجها منه، كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن. قال: فأخبرني ما جوهر الريح؟ قال: الريح هواء إذا تحرك يسمى ريحا، فإذا سكن يسمى هواء، وبه قوام الدنيا، ولو كفت الريح ثلاثة أيام لفسد كل شئ على وجه الأرض ونتن، وذلك أن الريح بمنزلة المروحة، تذب وتدفع الفساد عن كل شئ وتطيبه، فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن نتن البدن وتغير، وتبارك الله أحسن الخالقين. قال: أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال: بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء، وتفنى فلا حس ولا محسوس، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت فيها الخلق، وذلك بين النفختين. قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلى، والأعضاء قد تفرقت، فعضو ببلدة يأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط؟ قال: إن الذي أنشأه من غير شئ، وصوره على غير مثال كان سبق إليه، قادر أن يعيده كما بدأه. قال: أوضح لي ذلك! قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسئ في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها، مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب. محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وأن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخضوا مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا. قال: فأخبرني عن الناس يحشرون يوم القيامة عراة؟ قال: بل يحشرون في أكفانهم. قال: أنى لهم بالأكفان وقد بليت؟! قال: إن الذي أحيا أبدانهم جدد أكفانهم. قال: فمن مات بلا كفن؟ قال: يستر الله عورته بما يشاء من عنده. قال: أفيعرضون صفوفا؟ قال (عليه السلام): نعم. هم يومئذ عشرون ومائة ألف صف في عرض الأرض. قال: أو ليس توزن الأعمال؟ قال: لا إن الأعمال ليست بأجسام، وإنما هي صفة ما عملوا، وإنما يحتاج إلى وزن الشئ من جهل عدد الأشياء، ولا يعرف ثقلها أو خفتها، وأن الله لا يخفى عليه شئ. قال: فما معنى الميزان؟ قال (عليه السلام): العدل. قال: فما معناه في كتابه: (فمن ثقلت موازينه)؟ قال: فمن رجح عمله. قال: فأخبرني أو ليس في النار مقتنع أن يعذب خلقه بها دون الحيات والعقارب. قال: إنما يعذب بها قوما زعموا أنها ليست من خلقه، إنما شريكه الذي يخلقه، فيسلط الله عليهم العقارب والحيات في النار ليذيقهم بها وبال ما كذبوا عليه فجحدوا أن يكون صنعه. قال: فمن أين قالوا: (أن أهل الجنة يأتي الرجل منهم إلى ثمرة يتناولها فإذا أكلها عادت كهيئتها)؟ قال: نعم ذلك على قياس السراج يأتي القابس فيقتبس عنه فلا ينقص من ضوئه شيئا، وقد امتلأت الدنيا منه سراجا. قال: أليسوا يأكلون ويشربون، وتزعم أنه لا يكون لهم الحاجة؟ قال: بلى. لأن غذائهم رقيق لا ثقل له، بل يخرج من أجسادهم بالعرق. قال: فكيف تكون الحوراء في جميع ما أتاها زوجها عذراء؟ قال: لأنها خلقت من الطيب لا يعتريها عاهة، ولا يخالط جسمها آفة. ولا يجري في ثقبها شئ، ولا يدنسها حيض، فالرحم ملتزقة ملدم، إذ ليس فيها لسوى الإحليل مجرى. قال: فهي تلبس سبعين حلة ويرى زوجها مخ ساقها من وراء حللها وبدنها؟ قال: نعم. كما يرى أحدكم الدراهم إذا لقيت في ماء صاف قدره قدر رمح. قال: فكيف تنعم أهل الجنة بما فيه من النعيم، وما منهم أحد إلا وقد فقد ابنه، وأباه، أو حميمه، أو أمه، فإذا افتقدوهم في الجنة لم يشكوا في مصيرهم إلى النار، فما يصنع بالنعيم من يعلم أن حميمه في النار ويعذب؟ قال (عليه السلام): إن أهل العلم قالوا: أنهم ينسون ذكرهم. وقال: بعضهم انتظروا قدومهم، ورجوا أن يكونوا بين الجنة والنار في أصحاب الأعراف. قال (عليه السلام): فأخبرني عن الشمس أين تغيب؟ قال: إن بعض العلماء قال: إذا انحدرت أسفل القبة دار بها الفلك إلى بطن السماء صاعدة أبدا، إلى أن تنحط إلى موضع مطلعها يعني: أنها تغيب في عين حامية ثم تخرق الأرض راجعة إلى موضع مطلعها، فتحير تحت العرش حتى يؤذن لها بالطلوع، ويسلب نورها كل يوم، وتجلل نورا آخر. قال: فالكرسي أكبر أم العرش؟ قال: كل شئ خلقه الله في جوف الكرسي ما خلا عرشه فإنه أعظم من أن يحيط به الكرسي. قال: فخلق النهار قبل الليل؟ قال: خلق النهار قبل الليل، والشمس قبل القمر، والأرض قبل السماء ووضع الأرض على الحوت، والحوت في الماء، والماء في صخرة مجوفة، والصخرة على عاتق ملك، والملك على الثرى، والثرى على الريح العقيم، والريح على الهواء والهواء تمسكه القدرة، وليس تحت الريح العقيم إلا الهواء والظلمات، ولا وراء ذلك سعة ولا ضيق، ولا شئ يتوهم، ثم خلق الكرسي فحشاه السماوات والأرض والكرسي أكبر من كل شئ خلقه الله، ثم خلق العرش فجعله أكبر من الكرسي وعن أبان بن تغلب أنه قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، إذ دخل عليه رجل من أهل اليمن، فسلم عليه فرد عليه أبو عبد الله، فقال له: مرحبا يا سعد! فقال الرجل: بهذا الاسم سمتني أمي، وما أقل من يعرفني به، فقال له أبو عبد الله: صدقت يا سعد المولى! فقال الرجل: جعلت فدك بهذا اللقب كنت القب. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا خير في اللقب، إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: (ولا تتنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان). ما صناعتك يا سعد؟ قال: جعلت فداك! أنا أهل بيت ننظر في النجوم، لا يقال أن باليمن أحدا أعلم بالنجوم منا. فقال أبو عبد الله: كم يزيد ضوء الشمس على ضوء القمر درجة؟ فقال اليماني: لا أدري. فقال: صدقت. فقال: فكم ضوء القمر يزيد على ضوء المشتري درجة؟ قال: اليماني: لا أدري! فقال أبو عبد الله (عليه السلام): صدقت! قال: فكم يزيد ضوء المشتري على ضوء العطارد درجة؟ قال اليماني: لا أدري! فقال أبو عبد الله: صدقت! قال: فكم ضوء عطارد يزيد درجة على ضوء الزهرة؟ قال اليماني: لا أدري! قال أبو عبد الله: صدقت! قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الإبل؟ فقال اليماني: لا أدري! فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): صدقت! قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت البقر؟ فقال اليماني: لا أدري! فقال له أبو عبد الله: صدقت! قال: فما اسم النجم الذي إذا طلع هاجت الكلاب؟ فقال اليماني: لا أدري! فقال له أبو عبد الله: صدقت في قولك لا أدري! فما زحل عندكم في النجوم؟ فقال اليماني: نجم نحس. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): لا تقل هذا فإنه نجم أمير المؤمنين صلوات الله عليه وهو نجم الأوصياء (عليهم السلام)، وهو النجم الثاقب الذي قال الله تعالى في كتابه. فقال اليماني: فما معنى الثاقب؟ فقال: إن مطلعه في السماء السابعة، فإنه ثقب بضوئه حتى أضاء في السماء الدنيا، فمن ثم سماه الله النجم الثاقب. ثم قال: يا أخا العرب أعندكم عالم؟ فقال اليماني: جعلت فداك إن باليمن قوما ليسوا كأحد من الناس في علمهم. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): وما يبلغ من علم عالمهم؟ فقال اليماني: إن عالمهم ليزجر الطير، ويقفو الأثر في ساعة واحدة مسيرة شهر للراكب المحث. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فإن عالم المدينة أعلم من عالم اليمن. قال اليماني: وما يبلغ علم عالم المدينة؟ قال: إن علم عالم المدينة ينتهي إلى أن لا يقفو الأثر، ولا يزجر الطير، ويعلم ما في اللحظة الواحدة مسيرة الشمس، تقطع اثني عشر برجا، واثني عشر برا، واثني عشر بحرا، واثني عشر عالما. فقال له اليماني: ما ظننت أن أحدا يعلم هذا، وما يدري ما كنهه! قال: ثم قام اليماني وخرج. وعن سعيد بن أبي الخضيب قال: دخلت أنا وابن أبي ليلى المدينة، فبينما نحن في مسجد الرسول (صلى الله وعليه وآله) إذ دخل جعفر بن محمد (عليه السلام)، فقمنا إليه فسألني عن نفسي وأهلي ثم قال: من هذا معك؟ فقلت: ابن أبي ليلى قاضي المسلمين! فقال: نعم. ثم قال له: أتأخذ مال هذا فتعطيه هذا، وتفرق بين المرء وزوجه، ولا تخاف في هذا أحدا؟ قال: نعم. قال: فبأي شئ تقضي؟ قال: بما بلغني عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وعن أبي بكر، وعمر. قال: فبلغك أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قال: (أقضاكم علي بعدي)؟ قال: نعم. قال: فكيف تقضي …

الاحتجاج — الجزء الثاني · احتجاج أبي عبد الله الصادق (ع) في أنواع شتى من العلوم الدينية على أصناف كثيرة من أهل الملل والديانات.

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.