بغير قضاء علي (عليه السلام)، وقد بلغك هذا؟ قال: فاصفر وجه ابن أبي ليلى ثم قال: التمس مثلا لنفسك، فوالله لا أكلمك من رأسي كلمة أبدا. وعن الحسين بن زيد عن جعفر الصادق (عليه السلام) أن رسول الله قال لفاطمة: يا فاطمة إن الله عز وجل يغضب لغضبك، ويرضى لرضاك. (قال) فقال المحدثون بها (قال): فأتاه ابن جريج فقال: يا أبا عبد الله حدثنا اليوم حديثا استهزأه الناس. قال: وما هو؟ قال: حديث أن رسول الله قال لفاطمة: (إن الله ليغضب لغضبك، ويرضى لرضاك). (قال): فقال (عليه السلام): إن الله ليغضب فيما تروون لعبده المؤمن، ويرضى لرضاه. فقال: نعم. قال (عليه السلام): فما تنكر أن تكون ابنة رسول الله (صلى الله وعليه وآله) مؤمنة، يرضى الله لرضاها، ويغضب لغضبها. قال: صدقت! الله أعلم حيث يجعل رسالاته. وعن حفص بن غياث قال: شهدت المسجد الحرام وابن أبي العوجاء يسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله تعالى: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) ما ذنب الغير؟ قال: ويحك هي هي وهي غيرها! قال: فمثل لي ذلك شيئا من أمر الدنيا! قال: نعم أرأيت لو أن رجلا أخذ لبنة فكسرها، ثم ردها في ملبنها، فهي هي وهي غيرها. وروي أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم (عليه السلام) (قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) قال: ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم (عليه السلام). قيل: وكيف ذلك؟ فقال: إنما قال إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون، فإن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فكبيرهم لم يفعل شيئا، فما نطقوا، وما كذب إبراهيم (عليه السلام) فسئل عن قوله في سورة يوسف: (أيتها العير أنكم لسارقون)؟. قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى إنه قال لهم حين قالوا: (ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك) ولم يقل سرقتم صواع الملك، إنما سرقوا يوسف من أبيه، فسئل عن قول إبراهيم: (فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم). قال: ما كان إبراهيم سقيما، وما كذب إنما عنى سقيما في دينه أي مرتادا. وعن عبد المؤمن الأنصاري قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أن قوما رووا: أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قال: (اختلاف أمتي رحمة)؟. فقال: صدقوا. قلت: إن كان اختلافهم رحمة، فاجتماعهم عذاب؟ قال: ليس حيث تذهب وذهبوا، إنما أراد قول الله عز وجل: (فلو لا نفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) أمرهم أن ينفروا إلى رسول الله، ويختلفوا إليه، ويتعلموا، ثم يرجعوا إلى قومهم فيعلموهم، إنما أراد اختلافهم في البلدان، لا اختلافا في الدين، إنما الدين واحد. وروي عنه صلوات الله عليه: أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قال: ما وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل لكم به، ولا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عز وجل وكانت في سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا، إنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم، بأيها أخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة. قيل: يا رسول الله من أصحابك؟ قال: أهل بيتي. قال محمد بن الحسين بن بابويه القمي رضي الله عنه: إن أهل البيت لا يختلفون ولكن يفتون الشيعة بمر الحق، وربما أفتوهم بالتقية، فما يختلف من قولهم فهو للتقية، والتقية رحمة للشيعة، ويؤيد. تأويله رضي الله عنه، أخبار كثيرة. منها: ما رواه محمد بن سنان، عن نصر الخثعمي قال: سمعت أبا عبد الله يقول: من عرف من أمرنا أن لا نقول إلا حقا فليكتف بما يعلم منا، فإن سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك منا دفاع واختيار له. وعن عمر بن حنظلة: قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام): عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحا كما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك؟ قال (عليه السلام): من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الجبت والطاغوت المنهي عنه، وما حكم له به فإنما يأخذ سحتا وإن كان حقه ثابتا له لأنه أخذه بحكم الطاغوت، ومن أمر الله عز وجل أن يكفر به، قال الله عز وجل: (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به). قلت: فكيف يصنعان وقد اختلفا؟ قال: ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضيا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكم ولم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد، والراد علينا كافر وراد على الله، وهو على حد من الشرك بالله. ____________ قلت. فإن كان كل واحد منهما اختار رجلا من أصحابنا، فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما فيما حكما، فإن الحكمين اختلفا في حديثكم؟. قال: إن الحكم ما حكم به أعدلهما، وأفقههما، وأصدقهما في الحديث، وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما حكم به الآخر. قلت: فإنهما عدلان مرضيان، عرفا بذلك لا يفضل أحدهما صاحبه؟ قال: ينظر الآن إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما، المجمع عليه بين أصحابك، فيؤخذ به من حكمهما ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه، وإنما الأمور ثلاث: أمر بين رشده فيتبع، وأمر بين غيه فيجتنب، وأمر مشكل يرد حكمه إلى الله عز وجل وإلى رسوله، حلال بين، وحرام بين، وشبهات تتردد بين ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات، وهلك من حيث لا يعلم. قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟. قال ينظر ما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنة، ثم وجدنا أحد الخبرين يوافق العامة، والآخر يخالف بأيهما تأخذ من الخبرين؟. قال: ينظر إلى ما هم إليه يميلون، فإن ما خالف العامة ففيه الرشاد. قلت جعلت فداك فإن وافقهم الخبران جميعا؟. قال: انظروا إلى ما تميل إليه حكامهم وقضاتهم، فاتركوا جانبا وخذوا بغيره. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا؟. قال: إذا كان كذلك فارجه وقف عنده، حتى تلقي إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات، والله هو المرشد. جاء هذا الخبر على سبيل التقدير، لأنه قل ما يتفق في الأثر أن يرد خبران مختلفان في حكم من الأحكام، موافقين للكتاب والسنة، وذلك مثل غسل الوجه واليدين في الوضوء لأن الأخبار جاءت بغسلهما مرة مرة وغسلهما مرتين مرتين، فظاهر القرآن لا يقتضي خلاف ذلك، بل يحتمل كلتا الروايتين، ومثل ذلك يؤخذ في أحكام الشرع. وأما قوله (عليه السلام) للسائل ارجه وقف عنده حتى تلقي إمامك، أمره بذلك عند تمكنه من الوصول إلى الإمام، فأما إذا كان غائبا ولا يتمكن من الوصول إليه، والأصحاب كلهم مجمعون على الخبرين، ولم يكن هناك رجحان لروايات أحدهما على الآخر بالكثرة والعدالة، كان الحكم بهما من باب التخيير. يدل على ما قلنا: ما روي عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام): قال: قلت للرضا (عليه السلام): تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟. قال: ما جاءك عنا فقسه على كتاب الله عز وجل وأحاديثنا، فإن كان يشبهما فهو منا وإن لم يشبهما فليس منا. قلت: يجيئنا الرجلان وكلاهما ثقة، بحديثين مختلفين، فلا نعلم أيهما الحق. فقال: إذا لم تعلم فموسع عليك بأيهما أخذت. وما رواه الحرث بن المغيرة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا سمعت من أصحابك الحديث وكلهم ثقة، فموسع عليك حتى ترى القائم فترده عليه. وروى سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت: يرد علينا حديثان، واحد يأمرنا بالأخذ به، والآخر به ينهانا عنه؟. قال: لا تعمل بواحد منهما حتى تلقي صاحبك فتسأله عنه. قال: قلت: لا بد من أن نعمل بأحدهما. قال: خذ بما فيه خلاف العامة، فقد أمر (عليه السلام) بترك ما وافق العامة، لأنه يحتمل أن يكون قد ورد مورد التقية، وما خالفهم لا يحتمل ذلك. وروي عنهم (عليهم السلام) أيضا أنهم قالوا: إذا اختلف أحاديثنا عليكم فخذوا بما اجتمعت عليه شيعتنا، فإنه لا ريب فيه، وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا يحتمل ذكرها هنا، وما أردناه عارض ليس هنا موضعه. وعن بشير بن يحيى العامري عن ابن أبي ليلى قال: دخلت أنا والنعمان أبو حنيفة على جعفر بن محمد، فرحب بنا فقال. يا بن أبي ليلى من هذا الرجل؟ فقلت: جعلت فداك من أهل الكوفة له رأي وبصيرة ونفاذ. قال: فلعله الذي يقيس الأشياء برأيه؟ ثم قال: يا نعمان! هل تحسن أن تقيس رأسك؟ قال: لا. قال: ما أراك تحسن أن تقيس شيئا فهل عرفت الملوحة في العينين، والمرارة في الأذنين والبرودة في المنخرين، والعذوبة في الفم؟ قال: لا. قال: فهل عرفت كلمة أولها كفر وآخرها إيمان؟. قال: لا. قال ابن أبي ليلى: قلت: جعلت فداك لا تدعنا في عمياء مما وصفت. قال: نعم حدثني أبي عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله قال: إن الله خلق عيني ابن آدم شحمتين، فجعل فيها الملوحة، فلولا ذلك لذابتا، ولم يقع فيهما شئ من القذى إلا أذابه، والملوحة تلفظ ما يقع في العين من القذى، وجعل المرارة في الأذنين حجابا للدماغ، وليس من دابة تقع في الأذن إلا التمست الخروج، ولو لا ذلك لوصلت إلى الدماغ فأفسدته وجعل الله البرودة في المنخرين حجابا للدماغ، ولولا ذلك لسال الدماغ وجعل العذوبة في الفم منا من الله تعالى على ابن آدم ليجد لذة الطعام والشراب، وأما كلمة أولها كفر وآخرها إيمان فقول لا إله إلا الله ثم قال: يا نعمان إياك والقياس: فإن أبي حدثني عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول الله قال: من قاس شيئا من الدين برأيه قرنه الله تبارك وتعالى مع إبليس، فإنه أول من قاس حيث قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فدعوا الرأي والقياس فإن دين الله لم يوضع على القياس. وفي رواية أخرى أن الصادق (عليه السلام) قال لأبي حنيفة لما دخل عليه: من أنت؟ قال أبو حنيفة: قال (عليه السلام): مفتي أهل العراق؟ قال: نعم. قال: بما تفتيهم؟ قال: بكتاب الله. قال: (عليه السلام): وأنك لعالم بكتاب الله، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه و متشابهه؟ قال: نعم. قال: فأخبرني عن قول الله عز وجل: (وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين أي موضع هو؟ قال أبو حنيفة: هو ما بين مكة والمدينة، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه. وقال: نشدتكم بالله هل تسيرون بين مكة والمدينة ولا تأمنون على دمائكم من القتل، وعلى أموالكم من السرق؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال أبو عبد الله: ويحك يا أبا حنيفة! إن الله لا يقول إلا حقا أخبرني عن قول الله عز وجل: (ومن دخله كان آمنا) أي موضع هو؟ قال: ذلك بيت الله الحرام، فالتفت أبو عبد الله إلى جلسائه وقال: نشدتكم بالله هل تعلمون: إن عبد الله بن الزبير وسعيد بن جبير دخلاه فلم يأمنا القتل؟ قالوا: اللهم نعم. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): ويحك يا أبا حنيفة! إن الله لا يقول إلا حقا. فقال أبو حنيفة: ليس لي علم بكتاب الله، إنما أنا صاحب قياس. قال أبو عبد الله: فانظر في قياسك إن كنت مقيسا أيما أعظم عند الله القتل أو الزنا؟ قال: بل القتل. قال: فكيف رضى في القتل بشاهدين، ولم يرض في الزنا إلا بأربعة؟ ثم قال له: الصلاة أفضل أم الصيام؟ قال: بل الصلاة أفضل. قال (عليه السلام): فيجب على قياس قولك على الحايض قضاء ما فاتها من الصلاة في حال حيضها دون الصيام، وقد أوجب الله تعالى عليها قضاء الصوم دون الصلاة. قال له: البول أقذر أم المني؟ قال البول أقذر. قال (عليه السلام): يجب على قياسك أن يجب الغسل من البول دون المني، وقد وجب الله تعالى الغسل من المني دون البول. قال: إنما أنا صاحب رأي. قال (عليه السلام): فما ترى في رجل كان له عبد فتزوج وزوج عبده في ليلة واحدة، فدخلا بامرأتيهما في ليلة واحدة ثم سافرا وجعلا امرأتيهما في بيت واحد وولدتا غلامين فسقط البيت عليهم، فقتل المرأتين وبقي الغلامان أيهما في رأيك المالك وأيهما المملوك وأيهما الوارث وأيهما الموروث؟ قال: إنما أنا صاحب حدود. قال: فما ترى في رجل أعمى فقأ عين صحيح وأقطع قطع يد رجل، كيف يقام عليهما الحد. قال: إنما أنا رجل عالم بمباعث الأنبياء. قال: فأخبرني عن قول الله لموسى وهارون حين بعثهما إلى فرعون: (لعله يتذكر أو يخشى) ولعل منك شك؟ قال: نعم. قال: وكذلك من الله شك إذ قال: (لعله)؟ قال أبو حنيفة: لا علم لي. قال (عليه السلام): تزعم أنك تفتي بكتاب الله ولست ممن ورثه، وتزعم أنك صاحب قياس وأول من قاس إبليس لعنه الله ولم يبن دين الإسلام على القياس، وتزعم أنك صاحب رأي وكان الرأي من رسول الله (صلى الله وعليه وآله) صوابا، ومن دونه خطأ، لأن الله تعالى قال: (فاحكم بينهم بما أراك الله) ولم يقل ذلك لغيره، وتزعم أنك صاحب حدود، ومن أنزلت عليه أولى بعلمها منك، وتزعم أنك عالم بمباعث الأنبياء، ولخاتم الأنبياء أعلم بمباعثهم منك، لولا أن يقال: دخل على ابن رسول الله فلم يسأله عن شئ ما سألتك عن شئ، فقس إن كنت مقيسا. قال أبو حنيفة: لا أتكلم بالرأي والقياس في دين الله بعد هذا المجلس. قال: كلا إن حب الرياسة غير تاركك كما لم يترك من كان قبلك تمام الخبر. وعن عيسى بن عبد الله القرشي قال. دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال: يا أبا حنيفة قد بلغني أنك تقيس! فقال: نعم. فقال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس لعنه الله حين قال: خلقتني من نار وخلقته من طين، فقاس بين النار والطين، ولو قاس نورية آدم بنورية النار وعرف ما بين النورين، وصفاء أحدهما على الآخر. وعن الحسن بن محبوب عن سماعة قال: قال أبو حنيفة لأبي عبد الله (عليه السلام): كم بين المشرق والمغرب؟ قال: مسيرة يوم للشمس بل أقل من ذلك، قال: فاستعظمه. قال: يا عاجز لم تنكر هذا أن الشمس تطلع من المشرق، وتغرب في المغرب في أقل من يوم. تمام الخبر. عن عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) بمكة، إذ دخل عليه أناس من المعتزلة، فيهم عمرو بن عبيد، وواصل بن عطا وحفص بن سالم، وأناس من رؤسائهم، وذلك أنه حين قتل الوليد، واختلف أهل الشام بينهم، فتكلموا فأكثروا وخطبوا فأطالوا. فقال لهم أبو عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام): إنكم قد أكثرتم علي فأطلتم، فاسندوا أمركم إلى رجل منكم، فليتكلم بحجتكم وليوجز. فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد، فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال: قتل أهل الشام خليفتهم، وضرب الله بعضهم ببعض، وتشتت أمرهم، فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروة، ومعدن للخلافة، وهو محمد بن عبد الله بن الحسن فأردنا أن نجتمع معه فنبايعه، ثم نظهر أمرنا معه، وندعو الناس إليه، فمن بايعه كنا معه وكان منا، ومن اعتزلنا كففنا عنه، ومن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغية ونرده إلى الحق وأهله، وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك، فإنه لا غنا بنا عن مثلك، لفضلك ولكثرة شيعتك، فلما فرغ قال أبو عبد الله (عليه السلام): أكلكم على مثل ما قال عمرو؟ قالوا: نعم. فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ثم قال: إنما نسخط إذا عصي الله فإذا أطيع الله رضينا أخبرني يا عمرو لو أن الأمة قلدتك أمرها فملكته بغير قتال ولا مؤنة، فقيل لك: (ولها من شئت) من كنت تولي؟ قال: كنت أجعلها شورى بين المسلمين. قال: بين كلهم؟ قال: نعم. فقال: بين فقهائهم وخيارهم؟ قال: نعم. قال: قريش وغيرهم؟ قال: العرب والعجم. قال: فأخبرني يا عمرو أتتولى أبا بكر وعمر أو تتبرأ منهما؟ قال: أتولاهما. قال: يا عمرو إن كنت رجلا تتبرأ منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما، وإن كنت تتولاهما فقد خالفتها، قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور أحدا، ثم ردها أبو بكر عليه ولم يشاور أحدا، ثم جعلها عمر شورى بين ستة، فأخرج منها الأنصار غير أولئك الستة من قريش، ثم أوصى الناس فيهم بشئ ما أراك ترضى أنت ولا أصحابك. قال: وما صنع؟ قال: أمر صهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام، وأن يتشاور أولئك الستة ليس فيهم أحد سواهم إلا ابن عمر ويشاورونه وليس له من الأمر شئ، وأوصى من كان بحضرة من المهاجرين والأنصار إن مضت ثلاثة أيام ولم يفرغوا ويبايعوه أن يضرب أعناق الستة جميعا وإن اجتمع أربعة قبل أن يمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضرب أعناق الاثنين، افترضون بذا فيما تجعلون من الشورى في المسلمين؟ قالوا: لا. قال: يا عمرو دع ذا أرأيت لو بايعت صاحبك هذا الذي تدعو إليه، ثم اجتمعت لكم الأمة ولم يختلف عليكم منها رجلان، فأفضيتم إلى المشركين الذين لم يسلموا ولم يؤدوا الجزية، كان عندكم وعند صاحبكم من العلم ما تسيرون فيهم بسيرة رسول الله (صلى الله وعليه وآله) في المشركين في الجزية؟ قالوا: نعم. قال: فتصنعون ماذا؟ قالوا: ندعوهم إلى الإسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية. قال: فإن كانوا مجوسا، وأهل كتاب، وعبدة النيران والبهائم وليسوا بأهل كتاب؟ قالوا: سواء. قال: فأخبرني عن القرآن أتقرأونه؟ قال: نعم. قال: اقرأ (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) قال: فاستثنى الله عز وجل واشترط من الذين أوتوا الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء. قال: نعم. قال (عليه السلام): عمن أخذت هذا؟ قال سمعت الناس يقولونه. قال: فدع ذا فإنهم إن أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع بالغنيمة؟ قال: اخرج الخمس واقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليها. قال: تقسمه بين جميع من قاتل عليها؟ قال: نعم. قال: فقد خالفت رسول الله في فعله وفي سيرته، وبيني وبينك فقهاء أهل المدينة ومشيختهم، فسلهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله إنما صالح الأعراب على أن يدعهم في ديارهم، وأن لا يهاجروا، على أنه إن دهمه من عدوه دهم فيستفزهم فيقاتل بهم، وليس لهم من الغنيمة نصيب، وأنت تقول بين جميعهم، فقد خالفت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) في سيرته في المشركين، دع ذا ما تقول في الصدقة؟ قال: فقرأ عليه هذه الآية: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) إلى آخرها. قال: نعم فكيف تقسم بينهم؟ قال: اقسمها على ثمانية أجزاء، فاعطي كل جزء من الثمانية جزء. فقال (عليه السلام) إن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة، جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف. قال: نعم. قال: وما تصنع بين صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟ قال: نعم. قال: فخالفت رسول الله في كل ما أتى به، كان رسول الله يقسم صدقة البوادي في أهل البوادي، وصدقة الحضر في أهل الحضر، ولا يقسم بينهم بالسوية إنما يقسمه قدر ما يحضره منهم، وعلى قدر ما يحضره فإن كان في نفسك شئ مما قلت لك فإن فقهاء أهل المدينة، ومشيختهم كلهم لا يختلفون في أن رسول الله كذا كان يصنع، ثم أقبل على عمرو وقال: اتق الله يا عمرو وأنتم أيها الرهط! فاتقوا الله، فإن أبي حدثني وكان خير أهل الأرض وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسوله أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قال: (من ضرب الناس بسيفه، ودعاهم إلى نفسه، وفي المسلمين من هو أعلم منه، فهو ضال متكلف). وروي عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فورد عليه رجل من أهل الشام فقال: أني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك. فقال له أبو عبد الله: كلامك هذا من كلام رسول الله (صلى الله وعليه وآله) أو من عندك؟ فقال: من كلام رسول الله بعضه، ومن عندي بعضه. فقال أبو عبد الله: فأنت إذا شريك رسول الله! (صلى الله وعليه وآله) قال: لا. قال: فسمعت الوحي من الله تعالى؟ قال: لا. قال: فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله؟ قال: لا. قال: فالتفت إلي أبو عبد الله فقال: يا يونس هذا خصم نفسه قبل أن يتكلم، ثم قال: يا يونس لو كنت تحسن الكلام كلمته. قال يونس: فيا لها من حسرة. فقلت: جعلت فداك سمعتك تنهى عن الكلام، وتقول: ويل لأصحاب الكلام، يقولون: هذا ينقاد، وهذا ينساق، وهذا لا ينساق، وهذا نعقله، وهذا لا نعقله! فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إنما قلت: ويل لقوم تركوا قولي بالكلام، وذهبوا إلى ما يريدون ثم قال: اخرج إلى الباب فمن ترى من المتكلمين فادخله! قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين، وكان يحسن الكلام، ومحمد بن نعمان الأحول، وكان متكلما، وهشام بن سالم، وقيس الماصر، وكانا متكلمين وكان قيس عندي أحسنهم كلاما، وكان قد تعلم الكلام من علي بن الحسين، فأدخلتهم، فلما استقربنا المجلس وكنا في خيمة لأبي عبد الله (عليه السلام)، في طرف جبل في طريق الحرم، وذلك قبل الحج بأيام، فأخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة فإذا هو ببعير يخب قال: هشام ورب الكعبة. قال: وكنا ظننا أن هشاما رجل من ولد عقيل، وكان شديد المحبة لأبي عبد الله، فإذا هشام بن الحكم، وهو أول ما اختطت لحيته، وليس فينا إلا من هو أكبر منه سنا، فوسع له أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: (ناصرنا بقلبه ولسانه ويده) ثم قال لحمران: كلم الرجل يعني: الشامي. فكلمه حمران وظهر عليه ثم قال: يا طاقي كلمه! فكلمه فظهر عليه محمد بن نعمان. ثم قال لهشام بن سالم: كلمه! فتعارفا ثم قال لقيس الماصر: كلمه! وأقبل أبو عبد الله (عليه السلام) يتبسم من كلامهما وقد استخذل الشامي في يده، ثم قال للشامي: كلم هذا الغلام! يعني: هشام بن الحكم فقال: نعم ثم قال الشامي لهشام: يا غلام سلني في إمامة هذا يعني: أبا عبد الله (عليه السلام)؟ فغضب هشام حتى ارتعد ثم قال له: أخبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه، أم خلقه لأنفسهم؟ فقال الشامي: بل ربي أنظر لخلقه! قال: ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا؟ قال: كلفهم، وأقام لهم حجة ودليلا على ما كلفهم به، وأزاح في ذلك عللهم. فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم؟ قال الشامي: هو رسول الله (صلى الله وعليه وآله). قال هشام: فبعد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) من؟ قال: الكتاب والسنة. فقال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه، حتى رفع عنا الاختلاف، ومكننا من الاتفاق؟ فقال الشامي: نعم. قال هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت، جئتنا من الشام تخالفنا، وتزعم أن الرأي طريق الدين، وأنت مقر بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين؟ فسكت الشامي كالمفكر. فقال أبو عبد الله (عليه السلام)! ما لك لا تتكلم؟ قال: إن قلت: أنا ما اختلفنا كابرت، وإن قلت أن الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف، أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، ولكن لي عليه مثل ذلك. فقال له أبو عبد الله: سله تجده مليا! فقال الشامي لهشام: من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم؟ فقال: بل ربهم أنظر لهم. فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم، ويرفع اختلافهم، ويبين لهم حقهم من باطلهم؟ فقال هشام: نعم. قال الشامي: من هو؟ قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وأما بعد النبي فعترته. قال الشامي: من هو عترة النبي القائم مقامه في حجته؟ قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟ قال الشامي: بل في وقتنا هذا. قال هشام: هذا الجالس يعني: أبا عبد الله (عليه السلام)، الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء وراثة عن جده. قال الشامي: وكيف لي بعلم ذلك؟ فقال هشام: سله عما بدا لك. قال الشامي: قطعت عذري، فعلي السؤال. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أنا أكفيك المسألة يا شامي: أخبرك عن مسيرك وسفرك، خرجت يوم كذا، وكان طريقك كذا، ومررت على كذا، ومر بك كذا، فأقبل الشامي كلما وصف له شيئا من أمره يقول: (صدقت والله) فقال الشامي: أسلمت لله الساعة! فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): بل آمنت بالله الساعة، أن الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون، ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون. قال: صدقت، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأنك وصي الأنبياء. قال: فأقبل أبو عبد الله (عليه السلام) على حمران فقال: يا حمران تجري الكلام على الأثر فتصيب فالتفت إلى هشام بن سالم فقال: تريد الأثر ولا تعرف! ثم التفت إلى الأحول فقال: قياس رواع، تكسر باطلا بباطل. ألا إن باطلك أظهر ثم التفت إلى قيس الماصر فقال: تكلم وأقرب ما يكون من الخبر عن الرسول (صلى الله وعليه وآله) أبعد ما تكون منه، تمزج الحق بالباطل، وقليل الحق يكفي من كثير الباطل أنت والأحول قفازان حاذقان. قال يونس بن يعقوب: فظننت والله أنه يقول لهشام، قريبا مما قال لهما. فقال: يا هشام لا تكاد تقع تلوي رجليك إذ هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم الناس إتق الزلة، والشفاعة من ورائك. وعن يونس بن يعقوب قال: كان عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من أصحابه فيهم حمران بن أعين، ومؤمن الطاق، وهشام بن سالم، والطيار، وجماعة من أصحابه، فيهم هشام بن الحكم، وهو شاب فقال أبو عبد الله: يا هشام! قال: لبيك يا بن رسول الله! قال: ألا تخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟ قال هشام: جعلت فداك يا بن رسول الله، إني أجلك وأستحييك، ولا يعمل لساني بين يديك. فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أمرتكم بشئ فافعلوه! قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد، وجلوسه في مسجد البصرة، وعظم ذلك علي، فخرجت إليه، ودخلت البصرة يوم الجمعة، وأتيت مسجد البصرة فإذا أنا بحلقة كبيرة، وإذا بعمرو بن عبيد عليه شملة سوداء مؤتزر بها من صوف وشملة مرتد بها، والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثم قعدت في آخر القوم على ركبتي، ثم قلت: أيها العالم أنا رجل غريب، أتأذن لي فأسألك عن مسألة؟ قال: اسأل! قلت له: ألك عين؟ قال: يا بني أي شئ هذا من السؤال، إذا كيف تسأل عنه؟ فقلت: هذا مسئلتي. فقال: يا بني! سل وإن كانت مسألتك، حمقى. قلت: أجبني فيها. قال: فقال لي: سل! فقلت: ألك عين؟ قال: نعم. قال: قلت: فما تصنع بها؟ قال: أرى بها الألوان والأشخاص. قال: قلت: ألك أنف؟ قال: نعم. قال: قلت: فما تصنع به؟ قال: أشم به الرائحة. قال: قلت: ألك لسان؟ قال: نعم. قال: قلت: فما تصنع به؟ قال: أتكلم به. قال: قلت: ألك أذن؟ قال: نعم. قلت: تصنع بها؟ قال: أسمع بها الأصوات قال: قلت: ألك يدان؟ قال: نعم. قلت: فما تصنع بهما؟ قال: أبطش بهما، وأعرف بهما اللين من الخشن. قال: قلت: ألك رجلان؟ قال: نعم. قال: قلت: فما تصنع بهما؟ قال انتقل بهما من مكان إلى مكان. قال: قلت: ألك فم. قال: نعم. قال: قلت: فما تصنع به؟ قال: أعرف به المطاعم والمشارب على اختلافها. قال: قلت: ألك قلب؟ قال: نعم. قال: قلت: فما تصنع به؟ قال: أميز به كلما ورد على هذه الجوارح. قال: قلت: أفليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال: لا. قلت: وكيف ذاك وهي صحيحة سليمة؟ قال: يا بني إن الجوارح إذا شكت في شئ شمته أو رأته أو ذاقته، ردته إلى القلب، فتيقن بها اليقين، وأبطل الشك. قال: فقلت: فإنما أقام الله عز وجل القلب لشك الجوارح؟ قال: نعم. قلت: لا بد من القلب وإلا لم يستيقن الجوارح. قال: نعم. قلت: يا أبا مروان! إن الله تبارك وتعالى لم يترك جوارحكم حتى جعل لها إماما، يصحح لها الصحيح، وينفي ما شكت فيه، ويترك هذه الخلق كله في حيرتهم، وشكهم، واختلافهم، لا يقيم لهم إماما يردون إليه شكهم، وحيرتهم ويقيم لك إماما لجوارحك، ترد إليه حيرتك وشكك. قال: فسكت ولم يقل لي شيئا. قال: ثم التفت إلي فقال لي: أنت هشام؟ قال: قلت: لا. فقال لي: أجالسته؟ فقلت: لا. قال: فمن أين أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: فأنت إذا هو. ثم ضمني إليه، وأقعدني في مجلسه، وما نطق حتى قمت، فضحك أبو عبد الله، ثم قال: يا هشام من علمك هذا؟ قلت: يا بن رسول الله جرى على لساني. قال: يا هشام هذا والله مكتوب في صحف إبراهيم وموسى. وبالإسناد المقدم ذكره عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: قوله عز وجل: (اهدنا الصراط المستقيم) يقول أرشدنا للزم الطريق المؤدي إلى محبتك والمبلغ إلى جنتك من أن نتبع أهوائنا فنعطب، ونأخذ بآرائنا فنهلك، فإن من اتبع هوائه …
الاحتجاج — الجزء الثاني · احتجاج أبي عبد الله الصادق (ع) في أنواع شتى من العلوم الدينية على أصناف كثيرة من أهل الملل والديانات.