وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء الناس تعظمه وتصفه، فأحببت لقائه من حيث لا يعرفني لا نظر مقداره ومحله فرأيته في موضع قد احدقوا به جماعة من غثاء العامة فوقفت منتبذا عنهم، متغشيا بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم، وفارقهم، ولم يقر. فتفرقت جماعة العامة عنه لحوائجهم، وتبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معامله، ثم مر بعده بصاحب رمان، فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معامله ثم أقول وما حاجته إذا إلى المسارقة، ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض، فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه، ومضى وتبعته، حتى استقر في بقعة من صحراء، فقلت له: يا أبا عبد الله لقد سمعت بك وأحببت لقائك، فلقيتك لكني رأيت منك ما شغل قلبي، وأني سائلك عنه ليزول به شغل قلبي. قال: ما هو؟ قلت: رأيتك مررت بخباز وسرقت منه رغيفين، ثم بصاحب الرمان فسرقت منه رمانتين. فقال لي: قبل كل شئ حدثني من أنت؟ قلت: رجل من ولد آدم من أمة محمد (صلى الله وعليه وآله). قال: حدثني ممن أنت؟ قلت: رجل من أهل بيت رسول الله. قال: أين بلدك؟ قلت: المدينة. قال: لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ قلت: بلى. قال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به، وتركك علم جدك وأبيك، لأنه لا ينكر ما يجب أن يحمد ويمدح فاعله. قلت: وما هو؟ قال: القرآن كتاب الله. قلت: وما الذي جهلت؟ قال: قول الله عز وجل: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) وأني لما سرقت الرغيفين، كانت سيئتين، ولما سرقت الرمانتين، كانت سيئتين، فهذه أربع سيئات، فلما تصدقت بكل واحد منها كانت أربعين حسنة، أنقص من أربعين حسنة أربع سيئات، بقي ست وثلاثون. قلت: ثكلتك أمك! أنت الجاهل بكتاب الله! أما سمعت قول الله عز وجل: (إنما يتقبل الله من المتقين) إنك لما سرقت رغيفين، كانت سيئتين، ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين، ولما دفعتها إلى غيرها من غير رضا صاحبها، كنت إنما أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات، ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات، فجعل يلاحيني فانصرفت وتركته. وبالإسناد الذي تقدم: عن أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) أنه قال: قال بعض المخالفين بحضرة الصادق (عليه السلام) لرجل من الشيعة. ما تقول في العشرة من الصحابة؟ قال: أقول فيهم القول الجميل الذي يحط الله به سيئاتي، ويرفع به درجاتي قال السائل: الحمد لله على ما أنقذني من بغضك، كنت أظنك رافضيا تبغض الصحابة. فقال الرجل: ألا من أبغض واحدا من الصحابة فعليه لعنة الله. قال: لعلك تتأول ما تقول، فمن أبغض العشرة من الصحابة؟ فقال: من أبغض العشرة من الصحابة فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين. فوثب فقبل رأسه فقال: اجعلني في حل مما قذفتك به من الرفض قبل اليوم. قال: أنت في حل وأنت أخي ثم انصرف السائل فقال له الصادق (عليه السلام): جودت لله درك! لقد عجبت الملائكة ومن حسن توريتك، وتلفظك بما خلصك، ولم تثلم دينك، زاد الله في قلوب مخالفينا غما إلى غم وحجب عنهم مراد منتحلي مودتنا في تقيتهم. فقال أصحاب الصادق (عليه السلام): يا بن رسول (صلى الله وعليه وآله) ما عقلنا من كلام هذا إلا موافقته لهذا المتعنت الناصب. فقال الصادق (عليه السلام): لئن كنتم لم تفهموا ما عنى، فقد فهمناه نحن، فقد شكره الله له، إن ولينا الموالي لأوليائنا المعادي لأعدائنا إذا ابتلاه الله بمن يمتحنه من مخالفيه، وفقه لجواب يسلم معه دينه وعرضه، ويعظم الله بالتقية ثوابه إن صاحبكم هذا قال: من عاب واحدا منهم فعليه لعنة الله أي: من عاب واحدا منهم، هو: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقال في الثانية: من عابهم وشتمهم فعليه لعنة الله، وقد صدق لأن من عابهم فقد عاب عليا (عليه السلام) لأنه أحدهم، فإذا لم يعب عليا ولم يذمه فلم يعبهم جميعا، وإنما عاب بعضهم، ولقد كان لحزقيل المؤمن من قوم فرعون الذين وشوا به إلى فرعون مثل هذه التورية كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله، ونبوة موسى، وتفضيل محمد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) على جميع رسل الله وخلقه، وتفضيل علي بن أبي طالب (عليه السلام) والخيار من الأئمة على سائر أوصياء النبيين، وإلى البرائة من فرعون، فوشى به واشون إلى فرعون، وقالوا إن حزقيل يدعو إلى مخالفتك، ويعين أعدائك على مضادتك. فقال لهم فرعون: ابن عمي، وخليفتي في ملكي، وولي عهدي، إن كان قد فعل ما قلتم فقد استحق العذاب على كفره نعمتي وإن كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم أشد العذاب لإيثاركم الدخول في مساءته، فجاء بحزقيل وجاء بهم فكاشفوه وقالوا: أنت تجحد ربوبية فرعون الملك، وتكفر نعمائه. فقال حزقيل: أيها الملك هل جربت علي كذبا قط. قال: لا. قال: فسلهم من ربهم؟ قالوا: فرعون. قال: ومن خلقكم؟ قالوا: فرعون هذا. قال: ومن رازقكم الكافل لمعايشكم، والدافع عنكم مكارهكم؟ قالوا: فرعون هذا. قال حزقيل: أيها الملك فأشهدك وكل من حضرك: أن ربهم هو ربي، وخالقهم هو خالقي، ورازقهم هو رازقي، ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي، لا رب لي ولا خالق غير ربهم وخالقهم ورازقهم، وأشهدك ومن حضرك: أن كل رب وخالق سوى ربهم وخالقهم ورازقهم فأنا برئ منه، ومن ربوبيته، وكافر بإلهيته. يقول حزقيل هذا وهو يعني: أن ربهم هو الله ربي ولم يقل أن الذي قالوا: هم أنه ربهم هو ربي، وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره، وتوهموا أنه يقول: فرعون ربي وخالقي ورازقي، فقال لهم: يا رجال السوء ويا طلاب الفساد في ملكي: ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمي، وهو عضدي، أنتم المستحقون لعذابي، لإرادتكم فساد أمري، وهلاك ابن عمي والفت في عضدي ثم أمر بالأوتاد فجعل في ساق كل واحد منهم وتد وفي صدره وتد، وأمر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم، فذلك ما قال الله تعالى: (فوقيه الله سيئات ما مكروا) لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه وحاق بآل فرعون سوء العذاب، وهم الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الأوتاد، ومشط عن أبدانهم لحومها بالأمشاط. ومثل هذه التورية قد كانت لأبي عبد الله (عليه السلام) في مواضع كثيرة. فمن ذلك ما رواه معاوية بن وهب عن سعيد بن سمان قال: كنت عند أبي عبد الله إذ دخل عليه رجلان من الزيدية، فقالا له: أفيكم إمام مفترض طاعته؟ قال: فقال: لا. فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنك تقول به، وسموا أقواما وقالوا: هم أصحاب ورع وتشمير، وهم ممن لا يكذب، فغضب أبو عبد الله (عليه السلام) وقال: ما أمرتهم بهذا، فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا. فقال لي: أتعرف هذين؟ قلت: هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان: أن سيف رسول الله عند عبد الله بن الحسن. فقال: كذبا لعنهما الله، وهو ما رآه عبد الله بن الحسن بعينيه، ولا بواحدة من عينيه. ولا رآه أبوه. اللهم إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين (عليه السلام) فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه، وما أثر في موضع مضربه، وأن عندي لسيف رسول الله، وأن عندي لراية رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، ودرعه، ولامته، ومغفره، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله (صلى الله وعليه وآله)؟ وأن عندي لراية رسول الله المغلبة، وأن عندي ألواح موسى وعصاه، وأن عندي لخاتم سليمان بن داود وأن عندي الطست الذي كان موسى يقرب بها القربان، وأن عندي الاسم الذي كان رسول الله إذا وضعه بين المسلمين والمشركين، لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وأن عندي لمثل التابوت الذي جاءت به الملائكة، ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم أوتوا النبوة، ومن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة، ولقد لبس أبي درع رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فخطت على الأرض خططا، ولبستها أنا وكانت تخط على الأرض - يعني: طويلة - مثل ما كانت على أبي، وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله تعالى. وكان الصادق (عليه السلام) يقول: علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع، وأن عندنا الجفر الأحمر، والجفر الأبيض، ومصحف فاطمة (عليه السلام) وعندنا الجامعة، فيها جميع ما يحتاج إليه الناس، فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال: أما الغابر: فالعلم بما يكون، والمزبور: فالعلم بما كان، وأما النكت في القلوب: فهو الالهام، والنقر في الأسماع: فحديث الملائكة، نسمع كلامهم، ولا نرى أشخاصهم، وأما الجفر الأحمر: فوعاء فيه توراة موسى، وإنجيل عيسى وزبور داود، وكتب الله. وأما مصحف فاطمة: ففيه ما يكون من حادث، وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة. وأما الجامعة: فهو: كتاب طوله سبعون ذراعا، إملاء رسول الله من فلق فيه وخط علي بن أبي طالب (عليه السلام) بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، حتى أن فيه أرش الخدش، والجلدة، ونصف الجلدة. ولقد كان زيد بن علي بن الحسين يطمع أن يوصي إليه أخوه الباقر (عليه السلام)، ويقيمه مقامه في الخلافة بعده، مثل ما كان يطمع في ذلك محمد بن الحنفية بعد وفاة أخيه الحسين صلوات الله عليه، حتى رأى من ابن أخيه زين العابدين (عليه السلام) من المعجزة الدالة على إمامته ما رأى، وقد تقدم ذكره في هذا الكتاب، فكذلك زيد رجا أن يكون القائم مقام أخيه الباقر صلوات الله عليه، حتى سمع ما سمع من أخيه، ورأى ما رأى من ابن أخيه، أبي عبد الله الصادق فمن ذلك ما رواه صدقة بن أبي موسى، عن أبي بصير قال: لما حضر أبا جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) الوفاة، دعا بابنه الصادق (عليه السلام) ليعهد إليه عهدا، فقال له أخوه زيد بن علي: لما امتثلت في مثال الحسن والحسين ((عليهم السلام)) رجوت أن لا تكون أتيت منكرا. فقال له الباقر (عليه السلام): يا أبا الحسن إن الأمانات ليست بالمثال، ولا العهود بالرسوم، إنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى، ثم دعا بجابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا جابر حدثنا بما عاينت من الصحيفة؟ فقال له: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) لأهنيها بولادة الحسن (عليه السلام)، فإذا بيدها صحيفة بيضاء من درة، فقلت يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟ قالت: فيها أسماء الأئمة من ولدي. قلت لها: ناوليني لأنظر فيها! قالت: يا جابر لولا النهي لكنت أفعل، ولكنه قد نهي أن يمسها إلا نبي أو وصي نبي، أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها. قال جابر: فقرأت فإذا فيها: أبو القاسم محمد بن عبد الله المصطفى ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أمه آمنة. أبو الحسن علي بن أبي طالب (عليه السلام) المرتضى، أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم ابن عبد مناف. أبو محمد الحسن بن علي البر التقي، أبو عبد الله الحسين بن علي أمهما فاطمة بنت محمد. أبو محمد علي بن الحسين العدل، أمه شهر بانويه بنت يزدجرد بن شهريار. أبو جعفر محمد بن علي الباقر، أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق، أمه: (أم فروة) بنت القسم بن محمد بن أبي بكر. أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة، أمه جارية اسمها (حميدة) المصفاة. أبو الحسن علي بن موسى الرضا، أمه جارية اسمها: (نجمة). أبو جعفر محمد بن علي الزكي أمه جارية اسمها: (خيزران). أبو الحسن علي بن محمد الأمين، أمه جارية اسمها: (سوسن). أبو محمد الحسن بن علي الرضي، أمه جارية اسمها: (سمانة) تكنى أم الحسن. أبو القاسم محمد بن الحسن وهو حجة القائم، أمه جارية اسمها: (نرجس) صلوات الله عليهم أجمعين. وعن زرارة بن أعين قال: قال لي زيد بن علي وأنا عند أبي عبد الله (عليه السلام): يا فتى ما تقول في رجل من آل محمد استنصرك؟ قال: قلت: إن كان مفروض الطاعة، فلي أن أفعل ولي أن لا أفعل. فلما خرج قال أبو عبد الله: أخذته والله من بين يديه ومن خلفه، وما تركت له مخرجا. وقيل للصادق (عليه السلام): ما يزال يخرج رجل منكم أهل البيت فيقتل ويقتل معه بشر كثير فأطرق طويلا ثم قال: إن فيهم الكذابين وفي غيرهم المكذبين. وروي عنه صلوات الله عليه أنه قال: ليس منا أحد إلا وله عدو من أهل بيته، فقيل له: بنو الحسن لا يعرفون لمن الحق؟ قال: بلى ولكن يحملهم الحسد. عن أبي يعقوب قال: لقيت أنا ومعلى بن خنيس الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا يهودي فأخبرنا بما قال فينا جعفر ابن محمد (عليه السلام) فقال: هو والله أولى باليهودية منكما إن اليهودي من شرب الخمر. وبهذا الإسناد قال: سمعت أبا عبد الله يقول لو توفي الحسن بن الحسن على الزنا والربا وشرب الخمر، كان خيرا له مما توفي عليه وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) قال: أي شئ تقول؟ قلت: إني أقول أنها خاصة لولد فاطمة. فقال (عليه السلام): أما من سل سيفه ودعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد فاطمة وغيرهم، فليس بداخل في الآية، قلت: من يدخل فيها قال: الظالم لنفسه الذي لا يدعو الناس إلى ضلال ولا هدى والمقتصد منا أهل البيت هو العارف حق الإمام والسابق بالخيرات هو الإمام. عن محمد بن أبي عمير الكوفي عن عبد الله بن الوليد السمان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ما يقول الناس في أولي العزم وصاحبكم أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ قال: قلت: ما يقدمون على أولي العزم أحدا. قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى قال لموسى: (وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة) ولم يقل كل شئ موعظة. وقال لعيسى: (وليبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) ولم يقل كل شئ وقال لصاحبكم أمير المؤمنين (عليه السلام): (قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) وقال الله عز وجل: (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) وعلم هذا الكتاب عنده. وعن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: أن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل، قلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: الأمر لا يؤذن لي في كشفه لكم. قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: وجه الحكمة في غيبته، وجه الحكمة في غيبات من تقدمه من حجج الله تعالى ذكره، أن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، كما لم ينكشف وجه الحكمة لما آتاه الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام)، إلى وقت افتراقهما. يا بن الفضل إن هذا الأمر أمر من الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنه عز وجل حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف. وعن علي بن الحكم عن أبان قال: أخبرني الأحول أبو جعفر محمد بن النعمان الملقب بمؤمن الطاق: أن زيد بن علي بن الحسين بعث إليه وهو مختف قال: فأتيته فقال لي: يا أبا جعفر ما تقول إن طرقك طارق منا أتخرج معه؟ قال: قلت له: إن كان أبوك أو أخوك خرجت معه. قال: فقال لي: فأنا أريد أن أخرج وأجاهد هؤلاء القوم فاخرج معي! قال: قلت: لا أفعل جعلت فداك! قال: فقال لي: أترغب بنفسك عني؟ قال: فقلت له: إنما هي نفس واحدة، فإن كان لله تعالى في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج، والخارج معك هالك، وإن لم يكن لله في الأرض حجة، فالمتخلف عنك والخارج معك سواء. قال: فقال لي: يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان، فيلقمني اللقمة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد شفقة علي، ولم يشفق علي من حر النار إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به. قال: قلت له: من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار وأخبرني، فإن قبلته نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار، ثم قلت له: جعلت فداك أنتم أفضل أم الأنبياء؟ قال: بل الأنبياء. قلت: يقول يعقوب ليوسف: (يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا) لم لم يخبرهم حتى كانوا لا يكيدونه ولكن كتمه، وكذا أبوك كتمك لأنه خاف عليك. قال: فقال: أما والله لئن قلت ذلك فقد حدثني صاحبك بالمدينة أني أقتل وأصلب بالكناسة، وأن عنده لصحيفة فيها قتلي وصلبي. قال: فحججت وحدثت أبا عبد الله (عليه السلام) بمقالة زيد وما قلت له: فقال لي: أخذته من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن يساره، ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه، ولم تترك له مسلكا يسلكه. وعن هشام بن الحكم قال: اجتمع ابن أبي العوجاء، وأبو شاكر الديصاني الزنديق، وعبد الملك البصري، وابن المقفع، عند بيت الله الحرام، يستهزؤن بالحاج ويطعنون بالقرآن. فقال ابن أبي العوجاء: تعالوا ننقض كل واحد منا ربع القرآن، وميعادنا من قابل في هذا الموضع، نجتمع فيه وقد نقضنا القرآن كله، فإن في نقض القرآن إبطال نبوة محمد، وفي إبطال نبوته إبطال الإسلام، وإثبات ما نحن فيه، فاتفقوا على ذلك وافترقوا، فلما كان من قابل اجتمعوا عند بيت الله الحرام، فقال ابن أبي العوجاء: أما أنا فمفكر منذ افترقنا في هذه الآية: (فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا) فما أقدر أن أضم إليها في فصاحتها وجميع معانيها شيئا، فشغلتني هذه الآية عن التفكر في ما سواها. فقال عبد الملك: وأنا منذر فارقتكم مفكر في هذه الآية (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له أن الذين يدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) ولم أقدر على الإتيان بمثلها. فقال أبو شاكر: وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) لم أقدر على الإتيان بمثلها. فقال ابن المقفع: يا قوم إن هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر، وأنا منذ فارقتكم مفكر في هذه الآية: (وقيل يا أرض ابلعي مائك ويا سماء اقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين) لم أبلغ غاية المعرفة بها، ولم أقدر على الإتيان بمثلها. قال هشام بن الحكم: فبينما هم في ذلك، إذ مر بهم جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) فقال: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) فنظر القوم بعضهم إلى بعض وقالوا: لئن كان للإسلام حقيقة لما انتهت أمر وصية محمد إلا إلى جعفر بن محمد، والله ما رأيناه قط إلا هبناه واقشعرت جلودنا لهيبته، ثم تفرقوا مقرين بالعجز. ولهذا الأمر قال محمد بن أبي بكر في خبر عجيب شعرا: تجملت تبلغت وإن عشت تفيلت لك التسع من الثمن وبالكل تملكت وعن أحمد بن عبد الله البرقي عن أبيه عن شريك بن عبد الله عن الأعمش قال: اجتمعت الشيعة والمحكمة عند أبي نعيم النخعي بالكوفة وأبو جعفر محمد بن النعمان مؤمن الطاق حاضر، فقال ابن أبي حذرة: أنا أقرر معكم أيتها الشيعة أن أبا بكر أفضل من علي ومن جميع أصحاب النبي بأربع خصال لا يقدر على دفعها أحد من الناس، هو ثان مع رسول الله في بيته مدفون، وهو ثاني اثنين معه في الغار، وهو ثاني اثنين صلى بالناس آخر صلاة قبض بعده رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وهو ثاني اثنين الصديق من هذه الأمة. قال أبو جعفر مؤمن الطاق رحمة الله عليه: يا بن أبي حذرة وأنا أقرر معك أن عليا أفضل من أبي بكر وجميع أصحاب النبي (صلى الله وعليه وآله) بهذه الخصال التي وصفتها، وأنها مثلبة لصاحبك، وألزمك طاعة علي من ثلاث جهات، من القرآن وصفا، ومن خبر الرسول نصا، ومن حجة العقل اعتبارا، ووقع الاتفاق على إبراهيم النخعي وعلى أبي إسحاق السبيعي، وعلى سليمان بن مهران الأعمش. فقال: أبو جعفر مؤمن الطاق: أخبرني يا بن أبي حذرة عن النبي (صلى الله وعليه وآله) كيف ترك بيوته - التي أضافها الله إليه، ونهى الناس عن دخولها إلا بإذنه - ميراثا لأهله وولده، أو تركها صدقة على جميع المسلمين؟ قل ما شئت. فانقطع ابن أبي حذرة لما أورد عليه ذلك، وعرف خطأ ما فيه. فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: إن تركها ميراثا لولده وأزواجه فإنه قبض عن تسع نسوة، وإنما لعايشة بنت أبي بكر تسع ثمن هذا البيت الذي دفن فيه صاحبك، ولا يصيبها من البيت ذراع في ذراع، وإن كان صدقة فالبلية أطم وأعظم فإنه لم يصب من البيت إلا ما لأدنى رجل من المسلمين، فدخول بيت النبي (صلى الله وعليه وآله) بغير إذنه في حياته وبعد وفاته معصية إلا لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وولده، فإن الله أحل لهم ما أحل للنبي (صلى الله وعليه وآله)، ثم قال لهم: إنكم تعلمون أن النبي، أمر بسد أبواب جميع الناس التي كانت مشرعة إلى المسجد ما خلا باب علي (عليه السلام)، فسأله أبو بكر أن يترك له كوة لينظر منها إلى رسول الله فأبى عليه، وغضب عمه العباس من ذلك فخطب النبي (صلى الله وعليه وآله) خطبة وقال: إن الله تبارك وتعالى أمر لموسى وهارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا، وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقرب فيه النساء إلا موسى وهارون وذريتهما، وأن عليا هو بمنزلة هارون من موسى، وذريته كذرية هارون، ولا يحل لأحد أن يقرب النساء في مسجد رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، ولا يبيت فيه جنب إلا علي وذريته (عليهم السلام). فقالوا بأجمعهم: كذلك كان. قال أبو جعفر: ذهب ربع دينك يا بن أبي حذرة، وهذه منقبة لصاحبي ليس لأحد مثلها، ومثلبة لصاحبك، وأما قولك: (ثاني اثنين إذ هما في الغار) أخبرني هل أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين في غير الغار؟ قال ابن أبي حذرة: نعم. قال أبو جعفر: فقد خرج صاحبك في الغار من السكينة، وخصه بالحزن ومكان علي في هذه الليلة على فراش النبي (صلى الله وعليه وآله)، وبذل مهجته دونه أفضل من مكان صاحبك في الغار. فقال الناس: صدقت. فقال أبو جعفر: يا بن أبي حذرة ذهب نصف دينك، وأما قولك ثاني اثنين الصديق من الأمة، فقد أوجب الله على صاحبك الاستغفار لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله عز وجل: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) إلى آخر الآية والذي ادعيت إنما هو شئ سماه الناس ومن سماه القرآن وشهد له بالصدق والتصديق أولى به ممن سماه الناس، وقد قال علي (عليه السلام) على منبر البصرة: أنا الصديق الأكبر، آمنت قبل أن آمن أبو بكر وصدقت قبله. قال الناس: صدقت. قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا بن أبي حذرة ذهب ثلاثة أرباع دينك. وأما قولك في الصلاة بالناس، كنت ادعيت لصاحبك فضيلة لم تتم له، وأنها إلى التهمة أقرب منها إلى الفضيلة، فلو كان ذلك بأمر رسول الله (صلى الله وعليه وآله) لما عزله عن تلك الصلاة بعينها، أما علمت أنه لما تقدم أبو بكر ليصلي بالناس خرج رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فتقدم وصلى بالناس وعزله عنها، ولا تخلو هذه الصلاة من أحد وجهين: أما أن تكون حيلة وقعت منه، فلما حس النبي (صلى الله وعليه وآله) بذلك خرج مبادرا مع علته فنحاه عنها لكيلا يحتج بها بعده على أمته فيكونوا في ذلك معذورين. وأما أن تكون هو الذي أمره بذلك، وكان ذلك مفوضا إليه كما في قصة تبليغ براءة، فنزل جبرئيل (عليه السلام) وقال: لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك، فبعث عليا في طلبه وأخذها منه، وعزله عنها وعن تبليغها، فكذلك كانت قصة الصلاة، وفي الحالتين هو مذموم لأنه كشف عنه ما كان مستورا عليه، وفي ذلك دليل واضح أنه لا يصلح للاستخلاف بعده، ولا هو مأمون على شئ من أمر الدين. فقال الناس: صدقت. قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا بن أبي حذرة ذهب دينك كله، وفضحت حيث مدحت. فقال الناس لأبي جعفر: هات حجتك فيما ادعيت من طاعة علي (عليه السلام)، فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: أما من القرآن وصفا فقوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فوجدنا عليا بهذه الصفة في القرآن في قوله عز وجل (والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس - يعني في الحرب والشغب - أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) فوقع الاجماع من الأمة بأن عليا (عليه السلام) أولى بهذا الأمر من غيره، لأنه لم يفر من زحف قط، كما فر غيره في غير موضع. فقال الناس: صدقت. وأما الخبر عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) نصا، فقال: (إني تارك فيكم الثقلين، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وقوله (صلى الله وعليه وآله): (إنما مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق، ومن تقدمها مرق، ومن لزمها لحق) فالمتمسك بأهل بيت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) هاد مهتد بشهادة من الرسول والمتمسك بغيرها ضال مضل. قال الناس: صدقت يا أبا جعفر: وأما من حجة العقل فإن الناس كلهم يستعبدون بطاعة العالم، ووجدنا الاجماع قد وقع على علي (عليه السلام) بأنه كان أعلم أصحاب رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وكان الناس يسألونه ويحتاجون إليه، وكان علي مستغنيا عنهم، هذا من الشاهد والدليل عليه من القرآن قوله عز وجل: (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) فما اتفق يوم أحسن منه، ودخل في هذا الأمر عالم كثير. وقد كانت لأبي جعفر مؤمن الطاق مقامات مع أبي حنيفة. فمن ذلك: ما روي أنه قال يوما من الأيام لمؤمن الطاق: إنكم تقولون بالرجعة. قال: نعم. قال أبو حنيفة: فاعطني الآن ألف درهم حتى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا. قال الطاقي لأبي حنيفة: فاعطني كفيلا بأنك ترجع إنسانا ولا ترجع خنزيرا. وقال له يوم آخر: لم لم يطالب علي بن أبي طالب بحقه بعد وفاة رسول الله إن كان له حق؟ فأجابه مؤمن الطاق: خاف أن يقتله الجن كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة بن شعبة. وفي رواية بسهم خالد بن الوليد. وكان أبو حنيفة يوما آخر يتماشى مع مؤمن الطاق في سكة من سكك الكوفة، إذا مناد ينادي من يدلني على صبي ضال؟ فقال مؤمن الطاق: أما الصبي الضال فلم نره، وإن أردت شيخا ضالا فخذ هذا! عني به: أبا حنيفة. ولما مات الصادق (عليه السلام) رأى أبو حنيفة مؤمن الطاق فقال له: مات إمامك؟ قال: نعم. أما إمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. وروي: أنه مر فضال بن الحسن بن فضال الكوفي بأبي حنيفة وهو في جمع كثير، يملي عليهم شيئا من فقهه وحديثه. فقال - لصاحب كان معه -: والله لا أبرح حتى أخجل أبا حنيفة. فقال صاحبه الذي كان معه: إن أبا حنيفة ممن قد علت حاله، وظهرت حجته. قال: صه! هل رأيت حجة ضال علت علي حجة مؤمن؟! ثم دنا منه فسلم عليه، فرد ورد القوم السلام بأجمعهم. فقال: يا أبا حنيفة أن أخا لي يقول: أن خير الناس بعد رسول الله علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وأنا أقول أبو بكر خير الناس وبعده عمر. فما تقول أنت رحمك الله؟ فأطرق مليا ثم رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول الله (صلى الله وعليه وآله) كرما وفخرا، أما علمت أنهما ضجيعاه في قبره، فأي حجة تريد أوضح من هذا؟ فقال له فضال: إني قد قلت ذلك لأخي فقال: والله لئن كان الموضع لرسول الله (صلى الله وعليه وآله) دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس لهما حق فيه، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول الله (صلى الله وعليه وآله) لقد أساءا وما أحسنا، إذ رجعا في هبتهما، ونسيا عهدهما. فأطرق أبو حنيفة ساعة ثم قال له: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنهما نظرا في حق عايشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما. فقال له فضال: قد قلت له ذلك فقال: أنت تعلم أن النبي مات عن تسع نساء، ونظرنا فإذا لكل واحدة منهن تسع الثمن، ثم نظرنا في تسع الثمن فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وفاطمة بنته تمنع الميراث؟! فقال أبو حنيفة: يا قوم نحوه عني فإنه رافضي خبيث. حكي عن أبي الهذيل العلاف قال: دخلت الرقة فذكر لي أن بدير زكن رجلا مجنونا حسن الكلام، فأتيته فإذا أنا بشيخ حسن الهيئة …
الاحتجاج — الجزء الثاني · احتجاج أبي عبد الله الصادق (ع) في أنواع شتى من العلوم الدينية على أصناف كثيرة من أهل الملل والديانات.