الحسن بن عبد الرحمن الحماني قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): أن هشام بن الحكم زعم: أن الله تعالى جسم ليس كمثله شئ، عالم، سميع، بصير قادر، متكلم، ناطق، والكلام والقدرة والعلم يجري مجرى واحد، ليس شئ منها مخلوقا. فقال: قاتله الله. أما علم أن الجسم محدود؟! والكلام غير المتكلم؟ معاذ الله وأبرء إلى الله من هذا القول. لا جسم، ولا صورة، ولا تحديد، وكل شئ سواه مخلوق، وإنما تكون الأشياء بإرادته ومشيئته من غير كلام ولا تردد في نفس، ولا نطق بلسان. وعن يعقوب بن جعفر عن أبي إبراهيم (عليه السلام) أنه قال: لا أقول أنه قائم فأزيله عن مكان، ولا أحده بمكان يكون فيه، ولا أحده أن يتحرك في شئ من الأركان والجوارح، ولا أحده بلفظ شق فم، ولكن كما قال عز وجل: (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) بمشيته من غير تردد في نفس صمدا فردا لم يحتج إلى شريك يدبر له ملكه، ولا يفتح له أبواب علمه. وعن يعقوب بن جعفر الجعفري أيضا، عن أبي إبراهيم موسى (عليه السلام) قال: ذكر عنده قوم زعموا: أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا فقال: أن الله لا ينزل، ولا يحتاج أن ينزل، إنما منظره في القرب والبعد سواء لم يبعد منه بعيد، ولا يقرب منه قريب، ولم يحتج إلى شئ بل يحتاج إليه كل شئ، وهو ذو الطول لا إله إلا هو العزيز الحكيم! أما قول الواصفين: أنه ينزل تبارك وتعالى عن ذلك علوا كبيرا، فإنما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص أو زيادة، وكل متحرك يحتاج إلى من يحركه ويتحرك به فمن ظن بالله الظنون فقد هلك، فاحذروا في صفاته من أن تقفوا له على حد تحدونه بنقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرك، زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود، فإن الله جل وعز عن صفة الواصفين، ونعت الناعتين وتوهم المتوهمين. وعن الحسن بن راشد قال: سئل أبو الحسن موسى (عليه السلام) عن معنى قول الله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) فقال: استولى على ما دق وجل. وعن يعقوب بن جعفر الجعفري قال: سأل رجل يقال له عبد الغفار المسمى أبا إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى: (ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) قال: أرى هاهنا خروجا من حجب، وتدليا إلى الأرض، وأرى محمدا رأى ربه بقلبه، ونسب إلى بصره، فكيف هذا؟ فقال أبو إبراهيم: دنى فتدلى، فإنه لم يزل عن موضع ولم يتدل ببدن. فقال عبد الغفار: أصفه بما وصف به نفسه حيث قال: (دنى فتدلى) فلم يتدل عن مجلسه إلا وقد زال عنه، ولولا ذلك لم يصف بذلك نفسه. فقال أبو إبراهيم (عليه السلام): أن هذه لغة في قريش، إذا أراد رجل منهم أن يقول: قد سمعت يقول: قد تدليت، وإنما التدلي: الفهم. وعن داود بن قبيصة قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: سئل أبي (عليه السلام) هل منع الله عما أمر به، وهل نهى عما أراد، وهل أعان على ما لم يرد؟ فقال (عليه السلام): أما ما سألت: (هل منع الله عما أمر به؟) فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان قد منع إبليس عن السجود لآدم، ولو منع إبليس لعذره ولم يلعنه. وأما ما سألت: (هل نهى عما أراد؟) فلا يجوز ذلك، ولو جاز ذلك لكان حيث نهى آدم عن أكل الشجرة أراد منه أكلها، ولو أراد منه أكلها لما نادى عليه صبيان الكتاتيب: (وعصى آدم ربه فغوى) والله تعالى لا يجوز عليه أن يأمر بشئ ويريد غيره. وأما ما سألت عنه من قولك: (هل أعان على ما لم يرد؟) ولا يجوز ذلك وجل الله تعالى عن أن يعين على قتل الأنبياء وتكذيبهم، وقتل الحسين بن علي (عليه السلام) والفضلاء من ولده، وكيف يعين على ما لم يرد وقد أعد جهنم لمخالفيه، ولعنهم على تكذيبهم لطاعته، وارتكابهم لمخالفته؟! ولو جاز أن يعين على ما لم يرد لكان أعان فرعون على كفره وادعائه أنه رب العالمين، أفترى أراد الله من فرعون أن يدعي الربوبية. يستتاب قائل هذا القول، فإن تاب من كذبه على الله وإلا ضربت عنقه. وروي عن الحسن بن علي بن محمد العسكري (عليه السلام): أن أبا الحسن موسى ابن جعفر (عليه السلام) قال: أن الله خلق الخلق فعلم ما هم إليه صايرون فأمرهم ونهاهم، فما أمرهم به من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى الأخذ به، وما نهاهم عنه من شئ فقد جعل لهم السبيل إلى تركه، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بأذنه، وما جبر الله أحدا من خلقه على معصيته، بل اختبرهم بالبلوى وكما قال: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا). قوله: ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلا بإذنه، أي: بتخليته وعلمه. وروي: أنه دخل أبو حنيفة المدينة ومعه عبد الله بن مسلم فقال له: يا أبا حنيفة إن هاهنا جعفر بن محمد من علماء آل محمد فاذهب بنا إليه نقتبس منه علما، فلما أتيا إذا هما بجماعة من علماء شيعته ينتظرون خروجه أو دخولهم عليه، فبينما هم كذلك إذ خرج غلام حدث فقام الناس هيبة له، فالتفت أبو حنيفة فقال: يا ابن مسلم من هذا؟ قال: موسى ابنه. قال: والله أخجله بين يدي شيعته قال له: لن تقدر على ذلك. قال: والله لأفعلنه، ثم التفت إلى موسى فقال: يا غلام أين يضع الغريب في بلدتكم هذه؟ قال: يتوارى خلف الجدار، ويتوقى أعين الجار، وشطوط الأنهار، ومسقط الثمار، ولا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، فحينئذ يضع حيث شاء. ثم قال: يا غلام ممن المعصية؟ قال: يا شيخ لا تخلو من ثلاث: أما أن تكون من الله وليس من العبد شئ، فليس للحكيم أن يأخذ عبده بما لم يفعله. وأما أن تكون من العبد ومن الله، والله أقوى الشريكين فليس للشريك الأكبر أن يأخذ الشريك الأصغر بذنبه. وأما أن تكون من العبد وليس من الله شئ، فإن شاء عفى وإن شاء عاقب. قال: فأصابت أبا حنيفة سكتة كأنما ألقم فوه الحجر. قال: فقلت له: ألم أقل لك لا تتعرض لأولاد رسول الله. وفي ذلك يقول الشاعر: لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها إحدى ثلاث معان حين نأتيها إما تفرد بارينا بصنعتها فيسقط اللوم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيها فيلحقه ما سوف يلحقنا من لائم فيها أو لم يكن لإلهي في جنايتها ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها روي عن علي بن يقطين أنه قال: أمر أبو جعفر الدوانيقي يقطين أن يحفر له بئرا بقصر العبادي، فلم يزل يقطين في حفرها حتى مات أبو جعفر ولم يستنبط منها الماء، وأخبر المهدي بذلك فقال له: احفر أبدا حتى يستنبط الماء ولو أنفقت عليها جميع ما في بيت المال. قال: فوجه يقطين أخاه أبا موسى في حفرها، فلم يزل يحفر حتى ثقبوا ثقبا في أسفل الأرض فخرجت منه الريح (قال): فهالهم ذلك، فأخبروا به أبا موسى. فقال: انزلوني (قال): فأنزل وكان رأس البئر أربعين ذراعا في أربعين ذراع، فأجلس في شق محمل ودلي في البئر، فلما صار في قعرها نظر إلى هول، وسمع دوي الريح في أسفل ذلك، فأمرهم أن يوسعوا الخرق فجعلوه شبه الباب العظيم، ثم دلي فيه رجلا في شق محمل فقال: ايتوني بخبر هذا ما هو؟] - له منزلة عظيمة عند أبي الحسن (عليه السلام) عظيم المكان في هذه الطائفة روي أنه (عليه السلام) ضمن له الجنة وأن لا تمسه النار أبدا. وكان وزيرا لهارون فاستأذن الإمام (عليه السلام) بترك العمل معه فلم يأذن له، وقال له: عسى أن يجبر الله بك كسرا، ويكسر بك نائرة المخالفين من أوليائه، يا علي كفارة أعمالكم الاحسان إلى إخوانكم. وروي أنه لما قدم أبو إبراهيم موسى بن جعفر ((عليهم السلام)) العراق، قال علي بن يقطين: أما ترى حالي وما أنا فيه؟ فقال (عليه السلام) يا علي إن لله تعالى أولياء مع أولياء الظلمة ليدفع بهم عن أوليائه وأنت منهم يا علي وروي أنه قال أبو الحسن (عليه السلام) لعلي ابن يقطين: إضمن لي خصلة أضمن لك ثلاثا فقال علي: جعلت فداك وما الخصلة التي اضمنها لك؟ وما الثلاث اللواتي تضمنهن لي؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): الثلاث اللواتي أضمنهن لك أن لا يصيبك حر الحديد أبدا، بقتل، ولا فاقة، ولا سجن حبس فقال علي: فما الخصلة التي اضمنها لك؟ فقال يا علي وأما الخصلة التي تضمن لي أن لا يأتيك ولي أبدا إلا أكرمته فضمن له علي الخصلة وضمن له أبو الحسن الثلاث وروي أنه (عليه السلام) قال: إني استوهبت علي بن يقطين من ربي عز وجل البارحة فوهبه لي أن علي بن يقطين بذل ماله ومودته فكان لذلك منا مستوجبا. راجع رجال الكشي ص 367 والجزء الثاني من سفينة البحار ص 252. قال: فنزلا في شق محمل فمكثا مليا ثم حركا الحبل فأصعدا، فقال لهما: ما رأيتما؟ قالا: أمرا عظيما. رجالا، ونساءا، وبيوتا، وآنية، ومتاعا، كله ممسوخ من حجارة فأما الرجال والنساء فعليهم ثيابهم، فمن بين قاعد ومضطجع ومتكئ فلما مسسناهم إذا ثيابهم تتفشا شبه الهباء، ومنازل قائمة، قال: فكتب بذلك أبو موسى إلى المهدي، فكتب المهدي إلى المدينة إلى موسى بن جعفر، يسأله: أن يقدم عليه فقدم عليه، فأخبره فبكى بكاءا شديدا، وقال: يا أمير المؤمنين هؤلاء بقية قوم عاد، غضب الله عليهم فساخت بهم منازلهم، هؤلاء أصحاب الأحقاف. قال: فقال له المهدي: يا أبا الحسن وما الأحقاف؟ قال: الرمل. وحدث. أبو أحمد هاني بن محمد العبدي قال: حدثني أبو محمد رفعه إلى موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: لما أدخلت على الرشيد سلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: يا موسى بن جعفر خليفتان يجئ إليهما الخراج؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تبوء بإثمي وإثمك، فتقبل الباطل من أعدائنا علينا، فقد علمت بأنه قد كذب علينا منذ قبض رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، أما علم ذلك عندك، فإن رأيت بقرابتك من رسول الله (صلى الله وعليه وآله) أن تأذن لي أحدثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول الله (صلى الله وعليه وآله)؟ فقال: قد أذنت لك. فقلت: أخبرني أي عن آبائه عن جدي رسول الله (صلى الله وعليه وآله) أنه قال: (أن الرحم إذا مست الرحم تحركت واضطربت) فناولني يدك جعلني الله فداك. قال: ادن مني! فدنوت منه، فأخذ بيدي ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلا، ثم تركني وقال: (اجلس يا موسى! فليس عليك بأس، فنظرت إليه فإذا به قد دمعت عيناه، فرجعت إلى نفسي. فقال: صدقت وصدق جدك (صلى الله وعليه وآله)، لقد تحرك دمي واضطربت عروقي. حتى غلبت علي الرقة، وفاضت عيناي. وأنا أريد أن أسألك عن أشياء تتلجلج في صدري منذ حين لم أسأل عنها أحدا، فإن أنت أجبتني عنها خليت عنك ولم أقبل قول أحد فيك، وقد بلغني أنك لم تكذب قط فاصدقني فيما أسألك ما في قلبي. فقلت: ما كان علمه عندي فإني مخبرك به إن أنت أمنتني. قال: لك الأمان إن صدقتني وتركت التقية التي تعرفون بها معاشر بني فاطمة، قلت ليسأل أمير المؤمنين عما يشاء. قال: اخبرني لم فضلتم علينا ونحن وأنتم من شجرة واحدة، وبنو عبد المطلب ونحن وأنتم واحد، أنا بنو عباس وأنتم ولد أبي طالب، وهما عما رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وقرابتهما منه سواء؟ فقلت: نحن أقرب. قال: وكيف ذاك؟ قلت: لأن عبد الله وأبا طالب لأب وأم، وأبوكم العباس ليس هو من أم عبد الله ولا من أم أبي طالب. قال: فلم ادعيتم أنكم ورثتم النبي (صلى الله وعليه وآله)، والعم يحجب ابن العم، وقبض رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وقد توفي أبو طالب قبله والعباس عمه حي؟ فقلت له: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفني عن هذه المسألة، ويسألني عن كل باب سواه يريده. فقال: لا. أو تجيب. فقلت: فآمني. قال: آمنتك قبل الكلام. فقلت: إن في قول علي بن أبي طالب (عليه السلام): أنه ليس مع ولد الصلب ذكرا كان أو أنثى لأحد سهم، إلا الأبوين والزوج والزوجة، ولم يثبت للعلم مع ولد الصلب ميراث، ولم ينطق به الكتاب العزيز والسنة إلا أن تيما وعديا وبني أمية قالوا: (العم والد) رأيا منهم بلا حقيقة، ولا أثر عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، ومن قال بقول علي من العلماء قضاياهم خلاف قضايا هؤلاء، هذا نوح بن دراج يقول في هذه المسألة بقول علي وقد حكم به، وقد ولاه أمير المؤمنين المصرين الكوفة والبصرة، وقضى به، فأنهي إلى أمير المؤمنين فأمر بإحضاره وإحضار من يقول بخلاف قوله، منهم: سفيان الثوري، وإبراهيم المازني، والفضيل بن عياض، فشهدوا أنه قول علي (عليه السلام) في هذه المسألة. فقال لهم فيما بلغني بعض العلماء من أهل الحجاز: لم لا تفتون وقد قضى نوح بن دراج؟ فقالوا: جسر وجبنا. وقد أمضى أمير المؤمنين قضيته بقول قدماء العامة عن النبي (صلى الله وعليه وآله) أنه قال: (أقضاكم علي) وكذلك عمر بن الخطاب قال: (علي أقضانا) وهو اسم جامع، لأن جميع ما مدح به النبي (صلى الله وعليه وآله) أصحابه من القرابة والفرائض والعلم داخل في القضاء. قال: زدني يا موسى! قلت: المجالس بالأمانات وخاصة مجلسك. فقال: لا بأس به. فقلت: إن النبي لم يورث من لم يهاجر، ولا أثبت له ولاية حتى يهاجر. فقال: ما حجتك فيه. قلت: قول الله تبارك وتعالى: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شئ حتى يهاجروا) وأن عمي العباس لم يهاجر. فقال لي: إني أسألك يا موسى هل أفتيت بذلك أحدا من أعدائنا، أو أخبرت أحدا من الفقهاء في هذه المسألة بشئ؟ فقلت: اللهم لا. وما سألني عنها إلا أمير المؤمنين. ثم قال لي: جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، ويقولوا لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي، وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي جدكم من قبل أمكم. فقلت: يا أمير المؤمنين لو أن النبي نشر فخطب إليك كريمتك، هل كنت تجيبه؟ قال: سبحان الله! ولم لا أجبه، بل أفتخر على العرب والعجم وقريش بذلك؟ فقلت له: لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه. فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ولدني ولم يلدك. فقال: أحسنت يا موسى! ثم قال: كيف قلتم أنا ذرية النبي والنبي لم يعقب، وإنما العقب الذكر لا الأنثى، وأنتم ولد الابنة ولا يكون ولدها عقبا له. فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه، إلا أعفيتني عن هذه المسألة. فقال: لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي! وأنت يا موسى يعسوبهم، وإمام زمانهم، كذا أنهي إلي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه، حتى تأتيني فيه بحجة من كتاب الله، وأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شئ ألف ولا واو إلا تأويله عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل: (ما فرطنا في الكتاب من شئ) واستغنيتم عن رأي العلماء وقياسهم. فقلت: تأذن لي في الجواب؟ قال: هات. فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم: (ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين) من أبو عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس لعيسى أب. فقلت: إنما ألحقناه بذراري الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليه السلام) وكذلك ألحقنا بذراري النبي (صلى الله وعليه وآله) من قبل آمنا فاطمة، أزيدك يا أمير المؤمنين؟ قال: هات قلت: قول الله عز وجل: (فمن حاجك فيه من بعد ما جائك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم ونسائنا ونسائكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) ولم يدع أحد أنه أدخله النبي (صلى الله وعليه وآله) تحت الكساء عند مباهلة النصارى إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وفاطمة، والحسن والحسين أبنائنا الحسن والحسين ونسائنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي طالب (عليه السلام). على أن العلماء قد أجمعوا على أن جبرئيل قال يوم أحد: (يا محمد إن هذه لهي المواساة من علي) قال: (لأنه مني وأنا منه). فقال جبرئيل: (وأنا منكما يا رسول الله) ثم قال: لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي، فكان كما مدح الله عز وجل به خليله (عليه السلام) إذ يقول: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) إنا نفتخر بقول جبرئيل أنه منا فقال: أحسنت يا موسى! إرفع إلينا حوائجك. فقلت له: إن أول حاجة لي أن تأذن لابن عمك أن يرجع إلى حرم جده وإلى عياله. فقال: ننظر إن شاء الله. وروي أن المأمون قال لقومه: أتدرون من علمني التشيع؟ فقال القوم: لا والله ما نعلم ذلك. قال: علمنيه الرشيد! قيل له: وكيف ذلك، والرشيد يقتل أهل البيت؟! قال: كان الرشيد يقتلهم على الملك، لأن الملك عقيم، ثم قال: إنه دخل موسى بن جعفر ((عليهم السلام)) على الرشيد يوما فقام إليه، واستقبله وأجلسه في الصدر وقعد بين يديه، وجرى بينهما أشياء، ثم قال موسى بن جعفر (عليه السلام) لأبي: يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد فرض على الولاة عهده: أن ينعشوا فقراء هذه الأمة، ويقضوا عن الغارمين، ويؤدوا عن المثقل، ويكسوا العاري، ويحسنوا إلى العاني، وأنت أولى من يفعل ذلك. فقال: أفعل يا أبا الحسن. ثم قام فقام الرشيد لقيامه، وقبل بين عينيه ووجهه، ثم أقبل علي وعلى الأمين والمؤتمن فقال: يا عبد الله! ويا محمد! ويا إبراهيم! امشوا بين يدي ابن عمكم وسيدكم، خذوا بركابه، وسووا عليه ثيابه، وشيعوه إلى منزله، فأقبل إلي أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) سرا بيني وبينه فبشرني بالخلافة. وقال لي: (إذا ملكت هذا الأمر فأحسن إلى ولدي). ثم انصرفنا وكنت أجرأ ولد أبي عليه، فلما خلا المجلس قلت: يا أمير المؤمنين ومن هذا الرجل الذي أعظمته وأجللته، وقمت من مجلسك إليه فاستقبلته، وأقعدته في صدر المجلس، وجلست دونه، ثم أمرتنا بأخذ الركاب له؟ قال: هذا إمام الناس، وحجة الله على خلقه، وخليفته على عباده. فقلت: يا أمير المؤمنين أو ليست هذه الصفات كلها لك وفيك؟ فقال: أنا إمام الجماعة في الظاهر بالغلبة والقهر، وموسى بن جعفر إمام حق، والله يا بني أنه لأحق بمقام رسول الله مني ومن الخلق جميعا، ووالله لو نازعتني في هذا الأمر لأخذت الذي فيه عيناك، لأن الملك عقيم. فلما أراد الرحيل من المدينة إلى مكة أمر بصرة سوداء فيها مائتا دينار، ثم أقبل على الفضل فقال له: إذهب إلى موسى بن جعفر وقل له: يقول لك أمير المؤمنين نحن في ضيقة وسيأتيك برنا بعد هذا الوقت. فقمت في وجهه فقلت: يا أمير المؤمنين! تعطي أبناء المهاجرين والأنصار وسائر قريش وبني هاشم ومن لا تعرف حسبه ونسبه: خمسة آلاف دينار إلى ما دونها. وتعطي موسى بن جعفر وقد عظمته وأجللته مائتي دينار، وأخس عطية أعطيتها أحدا من الناس؟ فقال: اسكت لا أم لك! فإني لو أعطيته هذا ما ضمنته له، ما كنت آمنه أن يضرب وجهي غدا بمائة ألف سيف من شيعته ومواليه، وفقر هذا وأهل بيته أسلم لي ولكم من بسط أيديهم وإغنائهم. وقيل: ولما دخل هارون الرشيد المدينة، توجه لزيارة النبي (صلى الله وعليه وآله) ومعه الناس، فقدم إلى قبر النبي (صلى الله وعليه وآله) فقال! السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا بن العم، مفتخرا بذلك على غيره. فتقدم أبو الحسن موسى بن جعفر إلى القبر فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبة. فتغير وجه الرشيد وتبين الغيظ فيه. وروي: عن أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) أنه قال: لما سمعت هذا البيت - وهو لمروان بن أبي حفصة -: أنى يكون ولا يكون ولم يكن لبني البنات وراثة الأعمام دار في ذلك ليلتي، فنمت تلك الليلة فسمعت هاتفا في منامي يقول: أنى يكون ولا يكون ولم يكن للمشركين دعائم الإسلام لبني البنات نصيبهم من جدهم والعم متروك بغير سهام ما للطليق وللتراث وإنما سجد الطليق مخافة الصمصام وبقي ابن نثلة واقفا متلددا فيه ويمنعه ذوو الأرحام إن ابن فاطمة المنوه باسمه حاز التراث سوى بني الأعمام وسأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى (عليه السلام) - بمحضر من الرشيد وهم بمكة - فقال له: أيجوز للمحرم إن يظلل عليه محمله؟ فقال له موسى (عليه السلام): لا يجوز له ذلك مع الاختيار. فقال له محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختارا. فقال له: نعم. فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك. فقال له أبو الحسن موسى (عليه السلام): أتعجب من سنة النبي وتستهزئ بها؟ إن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) كشف ظلاله في إحرامه، ومشى تحت الظلال وهو محرم. إن أحكام الله تعالى يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل عن السبيل. فسكت محمد بن الحسن لا يرجع جوابا. وقد جرى لأبي يوسف مع أبي الحسن موسى صلوات الله عليه بمحضر المهدي ما يقرب من ذلك. وهو: أن موسى (عليه السلام) سأل أبا يوسف عن مسألة ليس فيها عنده شئ. فقال لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إني أريد أن أسألك عن شئ. قال: هات. فقال: ما تقول في التظليل للمحرم؟ قال: لا يصلح. قال: فيضرب الخباء في الأرض فيدخل فيه؟ قال: نعم. قال: فما فرق بين هذا وذلك. قال أبو الحسن موسى (عليه السلام): ما تقول في (الطامث) تقضي الصلاة؟ قال: لا. قال: تقضي الصوم؟ قال: نعم. قال: ولم؟ قال: إن هذا كذا جاء. قال أبو الحسن (عليه السلام): وكذلك هذا. قال: المهدي لأبي يوسف: ما أراك صنعت شيئا! قال: يا أمير المؤمنين رماني بحجة وعن أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) قال: قال رجل من خواص الشيعة لموسى بن جعفر (عليه السلام) - وهو يرتعد بعد ما خلا به -: يا بن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) ما أخوفني أن يكون فلان بن فلان ينافقك في إظهاره اعتقاد وصيتك وإمامتك. فقال موسى (عليه السلام): وكيف ذاك؟ قال: لأني حضرت معه اليوم في مجلس فلان وكان معه رجل من كبار أهل بغداد، فقال له صاحب المجلس: أنت تزعم: أن صاحبك موسى بن جعفر إمام دون هذا الخليفة القاعد على سريره؟ قال له صاحبك هذا: ما أقول هذا، بل أزعم: أن موسى بن جعفر غير إمام، وإن لم أكن أعتقد أنه غير إمام فعلي وعلى من لم يعتقد ذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فقال له صاحب المجلس: جزاك الله خيرا، ولعن من وشى بك إلي فقال له موسى بن جعفر (عليه السلام): ليس كما ظننت، ولكن صاحبك أفقه منك. إنما قال: موسى غير إمام، أي أن الذي هو غير إمام فموسى غيره، فهو إذا إمام، فإنما أثبت بقوله هذا إمامتي ونفى إمامة غيري يا عبد الله متى يزول عنك هذا الذي ظننته بأخيك هذا من النفاق؟ تب إلى الله. ففهم الرجل ما قاله واغتم، ثم قال: يا بن رسول الله ما لي مال فأرضيه به، ولكن قد وهبت له شطر عملي كله، من تعبدي وصلاتي عليكم أهل البيت، ومن لعنتي لأعدائكم. قال موسى (عليه السلام): الآن خرجت من النار. وروي أيضا عنه (عليه السلام): أنه قال: فقيه واحد ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه، أشد على إبليس من ألف عابد، لأن العابد همه ذات نفسه فقط، وهذا همه مع ذات نفسه ذات عباد الله وإمائه، لينقذهم من يد إبليس ومردته، ولذلك هو أفضل عند الله من ألف عابد، وألف ألف عابد. وروي أنه (عليه السلام) كان حسن الصوت، وحسن القرائة، وقال يوما من الأيام: أن علي بن الحسين (عليه السلام) كان يقرء القرآن فربما مر به المار فصعق من حسن صوته، وأن الإمام لو أظهر من ذلك شيئا لما احتمله الناس، قيل له: ألم يكن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يصلي بالناس ويرفع صوته بالقرآن؟ فقال: إن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) كان يحمل من خلفه ما يطيقون.
الاحتجاج — الجزء الثاني · احتجاج أبي إبراهيم موسى بن جعفر ((عليهم السلام)) في أشياء شتى على المخالفين.