دخل عليه رجل فقال له: يا بن رسول الله ما الدليل على حدوث العالم؟ فقال: إنك لم تكن ثم كنت، وقد علمت أنك لم تكون نفسك، ولا كونك من هو مثلك. وعن محمد بن عبد الله الخراساني خادم الرضا (عليه السلام) قال: دخل رجل من الزنادقة على الرضا (عليه السلام) وعنده جماعة. فقال له أبو الحسن: أرأيت إن كان القول قولكم - وليس هو كما تقولون - ألسنا وإياكم شرعا سواء، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا؟ فسكت. فقال أبو الحسن: وإن لم يكن القول قولنا، وهو كما نقول، ألستم قد هلكتم ونجونا. قال الزنديق: رحمك الله فأوجدني كيف هو، وأين هو؟ قال: ويلك! إن الذي ذهبت إليه غلط، وهو أين الأين، وكان ولا أين، وهو كيف الكيف، وكان ولا كيف، ولا يعرف بكيفوفية، ولا بأينونية، ولا يدرك بحاسة، ولا يقاس بشئ. قال الرجل: فإذن إنه لا شئ، إذ لم يدرك بحاسة من الحواس. فقال أبو الحسن: ويلك! لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا، وأنه شئ بخلاف الأشياء. قال الرجل: فأخبرني متى كان؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني متى لم يكن، فأخبرك متى كان؟! قال الرجل: فما الدليل عليه؟ قال أبو الحسن: أني لما نظرت إلى جسدي فلم يمكني فيه زيادة ولا نقصان في العرض والطول، ودفع المكاره عنه، وجر المنفعة إليه، علمت أن لهذا البنيان بانيا فأقررت به، مع ما أرى من دوران الفلك بقدرته. وإنشاء السحاب، وتصريف الرياح، ومجرى الشمس والقمر والنجوم، وغير ذلك من الآيات العجيبات المتقنات، علمت أن لهذا مقدرا ومنشئا. قال الرجل: فلم لا تدركه حاسة البصر؟ قال: للفرق بينه وبين خلقه الذين تدركهم حاسة الأبصار، منهم ومن غيرهم، ثم هو أجل من أن يدركه بصر، أو يحيط به وهم، أو يضبطه عقل. قال: فحده لي! قال: لا حد له. قال: ولم؟ قال: لأن كل محدود متناه، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة، وإذا احتمل الزيادة احتمل النقصان، فهو غير محدود، ولا متزايد ولا متناقص، ولا متجزي، ولا متوهم. قال الرجل: فأخبرني عن قولكم: أنه لطيف، وسميع، وبصير، وعليم وحكيم، أيكون السميع إلا بالأذن، والبصير إلا بالعين، واللطيف إلا بعمل اليدين والحكيم إلا بالصنعة؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن اللطيف منا على حد إيجاد الصنعة، أو ما رأيت أن الرجل اتخذ شيئا فيلطف في اتخاذه؟ فيقال: ما ألطف فلانا. فكيف لا يقال للخالق الجليل: (لطيف) إذ خلق خلقا لطيفا وجليلا، وركب في الحيوان منه أرواحها، وخلق كل جنس مباينا من جنسه في الصورة، ولا يشبه بعضه بعضا، فكل به لطف من الخالق اللطيف الخبير في تركيب صورته. ثم نظر إلى الأشجار وحملها أطايبها، المأكولة منها وغير المأكولة، فقلنا عند ذلك أن خالقنا (لطيف) لا كلطف خلقه في صنعتهم، وقلنا أنه (سميع) لأنه لا يخفى عليه أصوات خلقه، ما بين العرش إلى الثرى، من الذرة إلى ما أكبر منها، في برها وبحرها، ولا يشتبه عليه لغاتها، فقلنا عند ذلك أنه سميع لا بأذن، وقلنا: أنه (بصير) لا ببصر، لأنه يرى أثر الذرة السحماء في الليلة الظلماء على الصخرة السوداء، ويرى دبيب النمل في الليلة الدجية، ويرى مضارها ومنافعها، أثر و سفادها، وفراخها ونسلها، فقلنا عند ذلك: أنه (بصير) لا كبصر خلقه قال: فما برح حتى أسلم. وفيه كلام غير هذا. وروي عنه (عليه السلام) في خبر آخر: أنه قال: إنما يسمى الله تعالى (بالعالم) لغير علم حادث، علم به الأشياء، واستعان به على حفظ ما يستقبل من أمره، والرؤية فيما يخلق، وإنما سمي العالم من الخلق: (عالما) لعلم حادث، إذ كان قبله جاهلا، وربما فارقهم العلم بالأشياء فصار إلى الجهل وإنما سمي الله: (عالما) لأنه لا يجهل شيئا، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم، واختلف المعنى، وهو الله تعالى (قائم). وأما القائم فليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد، كما قامت الأشياء، ولكنه أخبر أنه قائم يخبر أنه (حافظ) كقولك: (فلان القائم بأمرنا) وهو عز وجل القائم على كل نفس بما كسبت، والقائم أيضا في كلام الناس: (الباقي) والقائم أيضا: (الكافي) كقولك للرجل: (قم بأمر كذا) أي: اكفه. والقائم منا قائم على ساق، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى. وأما (الخبير) فالذي لا يعزب عنه شئ ولا يفوته، وليس بالتجربة والاعتبار بالأشياء فتفيده التجربة والاعتبار علما لولاهما لما علم، لأن من كان كذلك كان جاهلا، والله تعالى لم يزل خبيرا بما يخلق، والخبير من الناس المستخبر، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى. وأما (الظاهر) فليس من أنه علا الأشياء بركوب فوقها، وقعود عليها، وتسنم لذراها، ولكن ذلك لقهره وغلبته الأشياء وقدرته عليها كقول الرجل: ظهرت على أعدائي، وأظهرني الله على خصمي، إذا أخبر على الفلج والظفر، فهكذا ظهور الله على الأشياء. ووجه آخر: أنه الظاهر لمن أراده لا يخفى عليه، لمكان الدليل والبرهان على وجوده في كل ما دبره وصنعه مما يرى، فأي ظاهر أظهر وأوضح أمرا من الله تبارك وتعالى، فإنك لا تعدم صنعته حيثما توجهت، وفيك من آثاره ما يغنيك، والظاهر منا البارز بنفسه المعلوم بحده، فقد جمعنا الاسم ولم يجمعنا المعنى. وأما (الباطن): فليس على معنى الاستبطان للأشياء بأن يغور فيها، ولكن ذلك منه على استبطانه للأشياء علما وحفظا وتدبيرا، كقول القائل: بطنته بمعنى: (خبرته) وعلمت مكنون سره، والباطن منا الغاير في الشئ المستتر فيه، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى. قال: وهكذا جميع الأسماء وإن كنا لم نسمها كلها. وكان المأمون لما أراد أن يستخلف الرضا، جمع بني هاشم فقال: إني أريد أن استعمل الرضا (عليه السلام) على هذا الأمر من بعدي. فحسده بنو هاشم وقالوا: أتولي رجلا جاهلا، ليس له بصر بتدبير الخلافة؟ فابعث إليه يأتنا فترى من جهله ما تستدل به! فبعث إليه فأتاه فقال له بنو هاشم: يا أبا الحسن إصعد المنبر وانصب لنا علما نعبد الله عليه، فصعد المنبر فقعد مليا لا يتكلم مطرقا ثم انتفض انتفاضة فاستوى قائما وحمد الله تعالى وأثنى عليه، وصلى على نبيه وأهل بيته، ثم قال: أول عبادة الله معرفته، وأصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيده نفي الصفات عنه، بشهادة العقول أن كل صفة وموصوف مخلوق، وشهادة كل مخلوق أن له خالقا ليس بصفة ولا موصوف، وشهادة كل صفة وموصوف بالاقتران، وشهادة الاقتران بالحدث، وشهادة الحدث بالامتناع من الأزل الممتنع من الحدث، فليس الله عرف من عرف ذاته بالتشبيه، ولا إياه وحد من اكتنهه، ولا حقيقته أصاب من مثله، ولا به صدق من نهاه، ولا صمد صمده من أشار إليه، ولا إياه عنى من شبهه، ولا له تذلل من بعضه، ولا إياه أراد من توهمه كل معروف بنفسه مصنوع، وكل قائم في سواه معلول، بصنع الله يستدل عليه، وبالعقول يعتقد معرفته، وبالفطرة تثبت حجته، خلقة الله الخلق حجاب بينه وبينهم، ومفارقته إياهم مباينة بينه وبينهم، وابتداؤه إياهم دليل على أن لا ابتداء له، لعجز كل مبتدأ عن ابتداء غيره، وأدوه إياهم دليل على أن لا أداة له، لشهادة الأدوات بفاقة المأدين، فأسماؤه تعبير، وأفعاله تفهيم وذاته حقيقة، وكنهه تفريق بينه وبين خلقه، وغيوره تحديد لما سواه، فقد جهل الله من استوصفه، وقد تعداه من استمثله، وقد أخطاه من اكتنهه، ومن قال: (كيف) فقد شبهه، ومن قال: (لم) فقد علله، ومن قال: (متى) فقد وقته، ومن قال: (فيم) فقد ضمنه، ومن قال: (إلى م) فقد نهاه، ومن قال: (حتى م) فقد غياه ومن غياه فقد غاياه، ومن غاياه فقد جزاه، ومن جزاه فقد وصفه، ومن وصفه فقد الحد فيه، ولا يتغير الله بتغير المخلوق، كما لا يتحدد بتحديد المحدود، أحد لا بتأويل عدد، ظاهر لا بتأويل المباشرة، متجلي لا باستهلال رؤية، باطن لا بمزايلة، مباين لا بمسافة، قريب لا بمداناة، لطيف لا بتجسم، موجود لا بعد عدم، فاعل لا باضطرار، مقدر لا بجول فكرة، مدبر لا بحركة مريد لا بهمامة، شاء لا بهمة، مدرك لا بمجسة، سميع لا بآلة، بصير لا بأداة لا تصحبه الأوقات، ولا تضمنه الأماكن، ولا تأخذه السنات، ولا تحده الصفات، ولا تقيده الأدوات، سبق الأوقات كونه، والعدم وجوده، والابتداء أزله، بتشعيره المشاعر عرف أن لا مشعر له، وبتجهيره الجواهر عرف أن لا جوهر له، وبمضادته بين الأشياء عرف أن لا ضد له، وبمقارنته بن الأمور عرف أن لا قرين له، ضاد النور بالظلمة، والجلاية بالبهمة، والجسو بالبلل، والصرد بالحرور، مؤلف بين متعادياتها، مفرق بين متدانياتها، دالة بتفريقها على مفرقها، وبتأليفها على مؤلفها ذلك قوله عز وجل: (ومن كل شئ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) (ففرق) بين قبل وبعد، ليعلم أن لا قبل له ولا بعد، شاهدة بغرائزها أن لا غريزة لمغرزها دالة بتفاوتها أن لا تفاوت لمفاوتها، مخبرة بتوقيتها أن لا وقت لموقتها، حجب بعضها عن بعض ليعلم أن لا حجاب بينه وبينها غيرها، له معنى الربوبية إذ لا مربوب، وحقيقة الإلهية إذ لا مألوه، ومعنى العالم ولا معلوم، ومعنى الخالق ولا مخلوق، وتأويل السمع ولا مسموع، ليس منذ خلق استحق معنى اسم الخالق ولا باحداثه البرايا استفاد معنى البارئية، كيف ولا يغيبه: (مذ) ولا تدنيه: (قد) ولا يحجبه: (لعل) ولا يوقته: (متى) ولا يشتمله: (حين) ولا يقارنه: (مع) إنما تحد الأدوات أنفسها، وتشير الآلة إلى نظائرها، وفي الأشياء توجد فعالها، منعتها (منذ) القدمة، وحمتها (قد) الأزلية، وجنبتها لولا (التكملة) افترقت فدلت على مفرقها، وتباينت فأعزت على مباينها، بها تجلى صانعها للعقول وبها احتجب عن الرؤية، وإليها تحاكم الأوهام، وفيها أثبت غيره، ومنها أنبط الدليل، وبها عرف الاقرار، وبالعقول يعتقد التصديق بالله، وبالإقرار يكمل الإيمان به، لا ديانة إلا بعد معرفته، ولا معرفة إلا بالإخلاص، ولا إخلاص مع التشبيه، ولا نفي مع إثبات الصفة للتثنية، وكل ما في الخلق لا يوجد في خالقه وكل ما يمكن فيه يمتنع في صانعه ولا يجري عليه الحركة ولا السكون، وكيف يجري عليه ما هو أجراه، أو يعود فيه ما هو ابتداه، إذا لتفاوتت ذاته، ولتجزى كنهه، ولامتنع من الأزل معناه، ولما كان للباري معنى غير المبروء، ولو وجد له وراء وجد له أمام، ولالتمس التمام إذ لزمه النقصان، وكيف يستحق الأزل من لا يمتنع من الحدث، أم كيف ينشئ الأشياء من لا يمتنع من الانشاء، إذا لقامت عليه آية المصنوع، ولتحول دليلا بعد ما كان مدلولا عليه، ليس في محال القول حجة، ولا في المسألة عنه جواب، ولا في معناه لله تعظيم، ولا في إبانته عن الحق ضيم إلا بامتناع الأزلي أن يثنى، ولما بدئ له أن يبدئ لا إله إلا الله العلي العظيم، كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيدا، وخسروا خسرانا مبينا، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. وروي عن الحسن بن محمد النوفلي: أنه كان يقول: قدم سليمان المروزي متكلم خراسان على المأمون فأكرمه ووصله، ثم قال له: إن ابن عمي علي بن موسى الرضا قدم علي من الحجاز - يحب الكلام - وأصحابه، فعليك أن تصير إلينا يوم التروية لمناظرته. فقال سليمان: يا أمير المؤمنين أني أكره أن أسأل مثله في مجلسك في جماعة من بني هاشم، فينتقص عند القوم إذا كلمني ولا يجوز الاستقصاء عليه. قال المأمون: إنما وجهت إليك لمعرفتي بقوتك، وليس مرادي إلا أن تقطعه عن حجة واحدة فقط. فقال سليمان: حسبك يا أمير المؤمنين! إجمع بيني وبينه، وخلني وإياه. فوجه المأمون إلى الرضا (عليه السلام)، فقال له: إنه قدم علينا رجل من أهل المرو، وهو واحد خراسان من أصحاب الكلام، فإن خف عليك أن تتجشم المصير إلينا فعلت. فنهض (عليه السلام) للوضوء ثم حضر مجلس المأمون، وجرى بينه وبين سليمان المروزي كلام في البداء بمعنى الظهور، لتغير المصلحة، واستشهد (عليه السلام) بآي كثيرة من القرآن على صحة ذلك، مثل قول الله: (يبدئ الخلق ثم يعيده) و (يزيد في الخلق ما يشاء) و (يمحو الله ما يشاء ويثبت) و (ما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره) و (آخرون مرجون لأمر الله) وأمثال ذلك. فقال سليمان: يا أمير المؤمنين لا أنكر بعد يومي هذا البداء، ولا أكذب به إن شاء الله. فقال المأمون: يا سليمان اسأل أبا الحسن عما بدا لك وعليك بحسن الاستماع والإنصاف! قال سليمان: يا سيدي ما تقول فيمن جعل الإرادة اسما وصفة، مثل حي وسميع وبصير وقدير؟ قال الرضا (عليه السلام): إنما قلتم حدثت الأشياء واختلفت لأنه شاء وأراد، ولم تقولوا: (حدثت واختلفت) لأنه سميع بصير، فهذا دليل على أنها ليست مثل سميع وبصير ولا قدير. قال سليمان: فإنه لم يزل مريدا؟ قال: يا سليمان فإرادته غيره؟ قال: نعم. قال: قد أثبت معه شيئا لم يزل! قال سليمان: ما أثبت؟ قال الرضا (عليه السلام): أهي محدثة؟ قال سليمان: لا، ما هي محدثة! فأعاد عليه المسألة فقال: هي محدثة يا سليمان؟ فإن الشئ إذا لم يكن أزليا كان محدثا، وإذا لم يكن محدثا كان أزليا. قال سليمان: إرادته منه كما أن سمعه وبصره وعلمه منه. قال الرضا (عليه السلام): فإرادته نفسه؟ قال: لا. قال: فليس المريد مثل السميع والبصير. قال سليمان: إنما إرادته كما سمع نفسه، وأبصر نفسه وعلم نفسه. قال الرضا (عليه السلام): ما معنى أراد نفسه، أراد أن يكون شيئا، أو أراد أن يكون حيا، أو سميعا، أو بصيرا أو قديرا؟ قال: نعم. قال الرضا (عليه السلام): أفبإرادته كان ذلك؟ قال سليمان: نعم. قال الرضا (عليه السلام): فليس لقولك أراد أن يكون حيا سميعا بصيرا معنى، إذ لم يكن ذلك بإرادته. قال سليمان: بلى قد كان ذلك بإرادته، فضحك المأمون ومن حوله، وضحك الرضا (عليه السلام)، ثم قال لهم: ارفقوا بمتكلم خراسان! فقال يا سليمان: فقد حال عندكم عن حالة وتغير عنها، وهذا مما لا يوصف الله عز وجل به، فانقطع. ثم قال الرضا (عليه السلام): يا سليمان أسألك عن مسألة؟. قال: سل جعلت فداك! قال: أخبرني عنك وعن أصحابك تكلمون الناس بما تفقهون وتعرفون، أو بما لا تفقهون وتعرفون؟ فقال: بل بما نفقهه ونعلم. قال الرضا (عليه السلام): فالذي يعلم الناس أن المريد غير الإرادة، وأن المريد قبل الإرادة، وأن الفاعل قبل المفعول، وهذا يبطل قولكم: أن الإرادة والمريد شئ واحد. قال: جعلت فداك! ليس ذلك منه على ما يعرف الناس، ولا على ما يفقهون. قال: فأراكم ادعيتم على ذلك بلا معرفة، وقلتم: الإرادة كالسمع والبصر إذا كان ذلك عندكم على ما لا يعرف ولا يعقل. فلم يحر جوابا. ثم قال الرضا (عليه السلام): هل يعلم الله تعالى جميع ما في الجنة والنار؟ قال سليمان: نعم. قال: فيكون ما علم الله عز وجل أنه يكون من ذلك؟ قال: نعم. قال: فإذا كان حتى لا يبقى منه شئ إلا كان أيزيدهم أو يطويه عنهم؟ قال سليمان: بل يزيدهم. قال: فأراه في قولك قد زادهم ما لم يكن في علمه أنه يكون. قال: جعلت فداك! فالمزيد لا غاية له. قال: فليس يحيط علمه عندكم بما يكون فيها إذا لم يعرف غاية ذلك، وإذا لم يحط علمه بما يكون فيهما لم يعلم ما يكون فيهما قبل أن يكون، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال سليمان: إنما قلت لا يعلمه لأنه لا غاية لهذا لأن الله عز وجل وصفهما بالخلود، وكرهنا أن نجعل لهما انقطاعا. قال الرضا (عليه السلام): ليس علمه بذلك بموجب لانقطاعه عنهم، لأنه قد يعلم ذلك ثم يزيدهم، ثم لا يقطعه عنهم، ولذلك قال عز وجل في كتابه: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب) وقال لأهل الجنة: (عطاء غير مجذوذ) وقال عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) فهو عز وجل يعلم ذلك ولا يقطع عنهم الزيادة، أرأيت ما أكل أهل الجنة وما شربوا أليس يخلف مكانه؟ قال: بلى. قال: أفيكون يقطع ذلك عنهم وقد أخلف مكانه؟ قال سليمان: لا. قال: فكذلك كلما يكون فيها إذا أخلف مكانه فليس بمقطوع عنهم. قال سليمان: بلى. يقطعه عنهم ولا يزيدهم. قال الرضا (عليه السلام): إذا يبيد ما فيها، وهذا يا سليمان إبطال الخلود، وخلاف الكتاب، لأن الله عز وجل يقول: (لهم ما يشاؤن فيها ولدينا مزيد) ويقول عز وجل: (عطاء غير مجذوذ) ويقول عز وجل: (وما هم عنها بمخرجين) وبقول عز وجل: (خالدين فيها) ويقول عز وجل: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة) فلم يحر جوابا. ثم قال الرضا (عليه السلام): ألا تخبرني عن الإرادة فعل أم هي غير فعل؟ قال: بل هي فعل. قال: فهي محدثة لأن الفعل كله محدث! قال: ليست بفعل. قال: فمعه غيره لم يزل؟ قال سليمان: إن الإرادة هي الأشياء. قال: يا سليمان هذا الذي عبتموه على ضرار وأصحابه من قولهم: (أن كل ما خلق الله عز وجل في سماء أو أرض أو بحر أو بر من: كلب أو خنزير أو قرد أو إنسان أو دابة إرادة الله، وأن إرادة الله تحيى وتموت، وتذهب، وتأكل وتشرب، وتنكح، وتلد وتظلم، وتفعل الفواحش، وتكفر، وتشرك، فتبرأ منها وتعاديها وهذا حدها. قال سليمان: إنها كالسمع والبصر والعلم قال الرضا (عليه السلام): قد رجعت إلى هذا ثانية! فأخبرني عن السمع والعلم أمصنوع؟ قال سليمان. لا. قال الرضا (عليه السلام): فكيف نفيتموه؟ فمرة قلتم لم يرد، ومرة قلتم أراد، وليس بمفعول له. قال سليمان: إنما ذلك كقولنا مرة علم ومرة لم يعلم. قال الرضا (عليه السلام): ليس ذلك سواء لأن نفي المعلوم ليس ينفي العلم، ونفي المراد نفي الإرادة أن تكون، لأن الشئ إذا لم يرد لم تكن إرادة، وقد يكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم، بمنزلة البصر فقد يكون الإنسان بصيرا وإن لم يكن المبصر، ويكون العلم ثابتا وإن لم يكن المعلوم. فلا يزال سليمان يردد المسألة وينقطع فيها ويستأنف، وينكر ما كان أقر به، ويقر بما أنكر، وينتقل من شئ إلى شئ، والرضا صلوات الله عليه ينقض عليه ذلك، حتى طال الكلام بينهما، وظهر لكل أحد انقطاعه مرات كثيرة، تركنا إيراد ذلك مخافة التطويل، فآل الأمر إلى أن قال سليمان: إن الإرادة هي القدرة. قال الرضا (عليه السلام): وهو عز وجل يقدر على ما لا يريد أبد الأبدين من ذلك لأنه قال تبارك وتعالى: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك) فلو كانت الإرادة هي القدرة كان قد أراد أن يذهب به لقدرته. فانقطع سليمان وترك الكلام عند هذا الانقطاع، ثم تفرق القوم. وعن صفوان بن يحيى قال: سألني أبو قرة المحدث صاحب شبرمة أن أدخله على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، فاستأذنه فأذن له، فدخل فسأله عن أشياء من الحلال والحرام، والفرائض والأحكام، حتى بلغ سؤاله إلى التوحيد فقال له: أخبرني جعلني الله فداك عن كلام الله لموسى؟ فقال: الله أعلم بأي لسان كلمه بالسريانية أم بالعبرانية. فأخذ أبو قرة بلسانه فقال: إنما أسألك عن هذا اللسان! فقال أبو الحسن: سبحان الله عما تقول، ومعاذ الله أن يشبه خلقه، أو يتكلم بمثل ما هم به متكلمون، ولكنه تبارك وتعالى ليس كمثله شئ، ولا كمثله قائل ولا فاعل. قال: كيف ذلك؟ قال: كلام الخالق لمخلوق ليس ككلام المخلوق لمخلوق. ولا يلفظ بشق فم ولسان، ولكن يقول له: (كن) فكان بمشيته، ما خاطب به موسى (عليه السلام) من الأمر والنهي من غير تردد في نفس. فقال أبو قرة: فما تقول في الكتب؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وكل كتاب أنزل كان كلام الله، أنزله للعالمين نورا وهدى، وهي كلها محدثة، وهي غير الله، حيث يقول: (ويحدث لهم ذكرا) وقال: (ما يأتيهم من ذكر من ربهم إلا استمعوه وهم يلعبون) والله أحدث الكتب كلها الذي أنزلها. فقال أبو قرة: فهل تفنى؟ فقال أبو الحسن: أجمع المسلمون على أن ما سوى الله فان، وما سوى الله فعل الله، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان فعل الله، ألم تسمع الناس يقولون: (رب القرآن) وأن القرآن يقول يوم القيامة: (يا رب هذا فلان - وهو أعرف به منه - قد أظمأت نهاره، وأسهرت ليله، فشفعني فيه) وكذلك التوراة والإنجيل والزبور، وهي كلها محدثة، مربوبة، أحدثها من ليس كمثله شئ، هدى لقوم يعقلون، فمن زعم أنهن لم يزلن معه فقد أظهر: أن الله ليس بأول قديم، ولا واحد، وأن الكلام لم يزل معه، وليس له بدء، وليس بآله. قال أبو قرة: وإنا روينا: أن الكتب كلها تجئ يوم القيامة والناس في صعيد واحد، صفوف قيام لرب العالمين ينظرون حتى ترجع فيه، لأنها منه وهي جزء منه، فإليه تصير. قال أبو الحسن (عليه السلام): فهكذا قالت النصارى في المسيح أنه روحه، جزء منه ويرجع فيه، وكذلك قالت المجوس: في النار والشمس أنهما جزء منه ترجع فيه، تعالى ربنا أن يكون متجزيا، أو مختلفا، وإنما يختلف ويأتلف المتجزي، لأن كل متجزي متوهم، والكثرة والقلة مخلوقة دالة على خالق خلقها. فقال أبو قرة: فإنا روينا: أن الله قسم الرؤية والكلام بين نبيين، فقسم لموسى (عليه السلام) الكلام، ولمحمد (صلى الله وعليه وآله) الرؤية. فقال أبو الحسن (عليه السلام): فمن المبلغ عن الله إلى الثقلين الجن والإنس: أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ. أليس محمد (صلى الله وعليه وآله)؟ قال: بلى. قال أبو الحسن: فكيف يجئ رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم: أنه جاء من عند الله، وأنه يدعوهم إلى الله بأمر الله، ويقول: أنه لا تدركه الأبصار، ولا يحيطون به علما، وليس كمثله شئ، ثم يقول: أنا رأيته بعيني، وأحطت به علما، وهو على صورة البشر، أما تستحيون؟! ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا: أن يكون أتى عن الله بأمر ثم يأتي بخلافه من وجه آخر. فقال أبو قرة: إنه يقول: (ولقد رآه نزلة أخرى). فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن بعد هذه الآية ما يدل على ما رأى حيث قال: (ما كذب الفؤاد ما رأى) يقول: ما كذب فؤاد محمد (صلى الله وعليه وآله) ما رأت عيناه ثم أخبر بما رأت عيناه فقال: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) فآيات الله غير الله، وقال: (ولا يحيطون به علما) فإذا رأته الأبصار فقد أحاط به العلم ووقعت المعرفة. فقال أبو قرة: فتكذب بالرواية؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إذا كانت الرواية مخالفة للقرآن كذبتها، وما أجمع المسلمون عليه أنه لا يحاط به علما، ولا تدركه الأبصار، وليس كمثله شئ. وسأله عن قول الله: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى) فقال أبو الحسن (عليه السلام): قد أخبر الله تعالى: أنه أسرى به، ثم أخبر: أنه لم أسري به، فقال: (لنريه من آياتنا) فآيات الله غير الله، فقد أعذر، وبين لم فعل به ذلك، وما رآه وقال: (فبأي حديث بعد الله وآياته تؤمنون) فأخبر أنه غير الله. فقال أبو قرة: أين الله؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): الأين مكان، وهذه مسألة شاهد عن غايب، فالله تعالى ليس بغائب، ولا يقدمه قادم، وهو بكل مكان، موجود، مدبر صانع، حافظ، ممسك السماوات والأرض. فقال أبو قرة: أليس هو فوق السماء دون ما سواها؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): هو الله في السماوات وفي الأرض، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله، وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، وهو معكم أينما كنتم، وهو الذي استوى إلى السماء وهي دخان، وهو الذي استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات، وهو الذي استوى على العرش، قد كان ولا خلق وهو كما كان إذ لا خلق، لم ينتقل مع المنتقلين. فقال أبو قرة: فما بالكم إذ دعوتم رفعتم أيديكم إلى السماء؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): إن الله استعبد خلقه بضروب من العبادة، ولله مفازع يفزعون إليه، ومستعبد، فاستعبد عباده بالقول، والعلم، والعمل، والتوجه، ونحو ذلك، استعبدهم بتوجيه الصلاة إلى الكعبة، ووجه إليها الحج والعمرة، واستعبد خلقه عند الدعاء والطلب والتضرع، ببسط الأيدي ورفعها إلى السماء لحال الاستكانة وعلامة العبودية والتذلل له. قال أبو قرة: فمن أقرب إلى الله الملائكة أو أهل الأرض؟ قال أبو الحسن (عليه السلام): إن كنت تقول بالشبر والذراع، فإن الأشياء كلها باب واحد هي فعله لا يشتغل ببعضها عن بعض، يدبر أعلى الخلق من حيث يدبر أسفله، ويدبر أوله من حيث يدبر آخره، من غير عناء، ولا كلفة، ولا مؤنة، ولا مشاورة، ولا نصب، وإن كنت تقول من أقرب إليه في الوسيلة، فأطوعهم له وأنتم تروون أن أقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد، ورويتم أن أربعة أملاك التقوا أحدهم من أعلى الخلق، واحدهم من أسفل الخلق، واحدهم من شرق الخلق، وأحدهم من غرب الخلق فسأل بعضهم بعضا فكلهم قال: (من عند الله) أرسلني بكذا وكذا، ففي هذا دليل على أن ذلك في المنزلة دون التشبيه والتمثيل. فقال أبو قرة: أتقر أن الله محمول؟ فقال أبو الحسن: كل محمول مفعول، ومضاف إلى غيره محتاج، فالمحمول اسم نقص في اللفظ، والحامل فاعل وهو فاعل وهو في اللفظ ممدوح، وكذلك قول القائل: فوق، وتحت، وأعلى، وأسفل، وقد قال الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها) ولم يقل في شئ من كتبه أنه محمول، بل هو الحامل في البر والبحر، والممسك للسماوات والأرض، والمحمول ما سوى الله، ولم نسمع أحدا آمن بالله وعظمه قط قال في دعائه: (يا محمول). قال أبو قرة: أفتكذب بالرواية: أن الله إذا غضب يعرف غضبه الملائكة الذين يحملون العرش، يجدون ثقله في كواهلهم فيخرون سجدا، فإذا ذهب الغضب خف فرجعوا إلى مواقفهم؟ فقال أبو الحسن (عليه السلام): أخبرني عن الله تبارك وتعالى منذ لعن إبليس إلى يومك هذا والى يوم القيامة فهو غضبان على إبليس وأوليائه أو عنهم راض؟ فقال: نعم. هو غضبان عليه. قال: فمتى رضي فخف وهو في صفتك لم يزل غضبانا عليه وعلى أتباعه؟ ثم قال: ويحك كيف تجترئ أن تصف ربك بالتغير من حال إلى حال، وأنه يجري عليه ما يجري على المخلوقين؟! سبحانه لم يزل مع الزائلين ولم يتغير مع المتغيرين. قال صفوان: فتحير أبو قرة ولم يحر جوابا حتى قام وخرج. عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: قلت لعلي بن موسى الرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه أهل الحديث: أن المؤمنين يزورون ربهم من منازلهم في الجنة؟ فقال (عليه السلام): يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى فضل نبيه محمدا (صلى الله وعليه وآله) على جميع خلقه، من النبيين والملائكة، وجعل طاعته طاعته، ومبايعته مبايعته، وزيارته في الدنيا والآخرة زيارته، فقال عز وجل: (من يطع الرسول فقط أطاع الله) وقال: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم) وقال النبي (صلى الله وعليه وآله): (من زارني في حياتي أو بعد موتي فقد زار الله) ودرجة النبي (صلى الله وعليه وآله) في الجنة أرفع الدرجات، فمن زاره في درجته في الجنة من منزلة فقد زار الله تبارك وتعالي. قال: قلت: يا بن رسول الله فما معنى الخبر الذي رووه: أن ثواب لا إله إلا الله النظر إلى وجه الله؟ فقال (عليه السلام): يا أبا الصلت فمن وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر، ولكن وجه الله أنبياءه ورسله وحججه عليهم صلوات الله، هم الذين بهم يتوجه إلى الله عز وجل وإلى دينه ومعرفته، فقال الله عز وجل: (كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام) وقال الله عز وجل: (كل شئ هالك إلا وجهه) فالنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه (عليهم السلام) في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين، وقد قال النبي (صلى الله وعليه وآله): (من أبغض أهل بيتي وعترتي لم يرني ولم أره يوم القيامة) وقال (صلى الله وعليه وآله): (أن فيكم من لا يراني بعد أن يفارقني) يا أبا الصلت إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان، ولا يدرك بالأبصار والأوهام. قال: فقلت له: يا بن رسول الله فأخبرني عن الجنة والنار: أهما اليوم مخلوقان؟ قال: نعم. وأن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قد دخل الجنة ورأى النار لما عرج به إلى السماء. قال: فقلت له: إن قوما يقولون: أنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين؟ فقال: ما أولئك منا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي (صلى الله وعليه وآله) وكذبنا، وليس من ولايتنا على شئ، ويخلد في نار جهنم. قال الله عز وجل: (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن) وقال النبي (صلى الله وعليه وآله): (لما عرج بي إلى السماء …
الاحتجاج — الجزء الثاني · احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) في التوحيد والعدل وغيرهما على المخالف والمؤالف والأجانب والأقارب.