أخذ بيدي جبرئيل (عليه السلام) فأدخلني الجنة فناولني من رطبها فأكلته، فتحول ذلك نطفة في صلبي، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة (عليه السلام)، ففاطمة حوراء إنسية، فكلما اشتقت إلى رائحة الجنة شممت رائحة ابنتي فاطمة). وقال الرضا (عليه السلام): في قول الله عز وجل: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) قال: يعني - مشرقة - تنظر ثواب ربها. وقال (عليه السلام): أن النبي (صلى الله وعليه وآله) قال: (قال الله جل جلاله: ما آمن بي من فسر برأيه كلامي، وما عرفني من شبهني بخلقي، وما على ديني من استعمل القياس في ديني) وقال: (من رد متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم) ثم قال: إن في أخبارنا متشابها كمتشابه القرآن، ومحكما كمحكم القرآن، فردوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا. وقال: من شبه الله بخلقه فهو مشرك، ومن نسب إليه ما نهى عنه فهو كافر. وعن الحسين بن خالد قال: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: لم يزل الله عز وجل عليما، قادرا، حيا، قديما، سميعا، بصيرا. فقلت: يا بن رسول الله إن قوما يقولون: لم يزل عالما بعلم، وقادرا بقدرة وحيا بحياة، وقديما بقدم، وسميعا بسمع، وبصيرا ببصر. فقال (عليه السلام): من قال ذلك ودان به فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وليس من ولايتنا على شئ ثم قال (عليه السلام): لم يزل الله عز وجل عليما، قادرا، حيا، قديما سميعا، بصيرا - لذاته - تعالى عما يقول المشركون والمشبهون علوا كبيرا. وعن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله إن قوما يقولون: أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قال: (إن الله خلق آدم على صورته). فقال: قاتلهم الله! لقد حذفوا أول الحديث، إن رسول الله مر برجلين يتسابان، فسمع أحدهما يقول لصاحبه: (قبح الله وجهك ووجه من يشبهك) فقال له (صلى الله وعليه وآله): (يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك! فإن الله عز وجل خلق آدم على صورته). وعن إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله): أن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا؟ فقال (عليه السلام): لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال (صلى الله وعليه وآله) كذلك إنما قال (صلى الله وعليه وآله): (أن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء كل ليلة في الثلث الأخير، وليلة الجمعة في أول الليل. فيأمره فينادي أهل من سائل فاعطيه؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فاغفر له؟ يا طالب الخير فأقبل، يا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء) حدثني بذلك أبي عن جدي عن آبائه عن رسول الله (صلى الله وعليه وآله). وعن محمد بن سنان قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام): هل كان الله عارفا بنفسه قبل أن يخلق الخلق؟ قال: نعم. قلت: يراها ويسمعها؟ قال: ما كان محتاجا إلى ذلك لأنه لم يكن يسألها ولا يطلب منها شيئا، هو نفسه، ونفسه هو، قدرته نافذة، فليس بمحتاج إلى أن يسمي نفسه، ولكنه اختار أسماء لغيره يدعوه بها، لأنه إذا لم يدع باسمه لم يعرف، فأول ما اختار نفسه (العلي العظيم) أعلا الأشياء كلها، فمعناه: (الله) واسمه: (العلي العظيم) هو أول أسمائه لأنه علا كل شئ. وقال (عليه السلام) في قوله: (يوم يكشف عن ساق) فساق حجاب من نور يكشف فيقع المؤمنون سجدا، وتدمج أصلاب المنافقين، فلا يستطيعون السجود. وسئل عن قوله عز وجل: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بمكان يحل فيه فيحجب عن عباده، ولكنه يعني: عن ثواب ربهم محجوبون. وسئل عن قوله عز وجل: (وجاء ربك والملك صفا صفا) فقال: إن الله لا يوصف بالمجئ والذهاب والانتقال، إنما يعني بذلك: وجاء أمر ربك. وسئل عن قوله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ضلل من الغمام والملائكة) قال: معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بالملائكة في ظلل من الغمام وهكذا نزلت. وسئل عن قوله عز وجل: (سخر الله منهم) وعن قوله: (الله يستهزئ بهم) وعن قوله: (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) وعن قوله: (يخادعون الله وخادعهم). فقال: إن الله لا يسخر، ولا يستهزئ، ولا يمكر، ولا يخادع، ولكنه عز وجل يجازيهم جزاء السخرية، وجزاء الاستهزاء، وجزاء المكر، وجزاء الخديعة تعالى الله عما يقولون الظالمون علوا كبيرا. وسئل عن قوله عز وجل: (نسوا الله فنسيهم) فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يسهو، ولا ينسى، إنما يسهو وينسى المخلوق المحدث، ألا تسمعه عز وجل يقول: (وما كان ربك نسيا) وإنما يجازي من نسيه، ونسي لقاء يومه، بأن ينسيهم أنفسهم، كما قال: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) وقال: (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) أي نتركهم كما تركوا الاستعداد للقاء يومهم هذا، أي نجازيهم على ذلك. وسئل عن قول الله عز وجل: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء) قال: ومن يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنة ودار كرامة في الآخرة، يشرح صدره للتسليم لله والثقة به. والسكون إلى ما وعده من ثوابه، حتى يطمئن إليه، ومن يرد أن يضله عن جنته ودار كرامته في الآخرة - لكفره به وعصيانه له في الدنيا - يجعل صدره ضيقا حرجا، حتى يشك في كفره ويضطرب في اعتقاد قلبه حتى يصير كأنما يصعد في السماء، كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون. أبو الصلت الهروي قال: سأل المأمون الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في سنة أيام، وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا)؟. فقال: إن الله تبارك وتعالى خلق العرش والماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فتعلم أنه على كل شئ قدير ثم رفع العرش بقدرته، ونقله فجعله فوق السماوات السبع، ثم خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو مستول على عرشه، وكان قادرا على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه عز وجل خلقها في ستة أيام ليظهر للملائكة ما يخلفه منها شيئا بعد شئ، فنستدل (بحدوث ما يحدث) على الله تعالى مرة بعد مرة، ولم يخلق العرش لحاجة به إليه، لأنه غني عن العرش، وعن جميع ما خلق، لا يوصف بالكون على العرش، لأنه ليس بجسم تعالى الله عن صفة خلقه علوا كبيرا. وأما قوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) فإنه عز وجل خلق خلقه ليبلوهم بتكليف طاعته وعبادته، لا على سبيل الامتحان والتجربة، لأنه لم يزل عليما بكل شئ. فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك. ثم قال له: يا بن رسول الله فما معنى قول الله عز وجل: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) وما (ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله). فقال الرضا (عليه السلام): حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: إن المسلمين قالوا لرسول الله (صلى الله وعليه وآله): لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوتنا على عدونا! فقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): (ما كنت لألقى الله عز وجل ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئا وما أنا من المتكلفين) فأنزل الله تعالى عليه: يا محمد ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا، على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا، كما يؤمن عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا، ولكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة، ودوام الخلود في جنة الخلد، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. وأما قوله عز وجل: (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، وإذنه أمره لها بالإيمان بما كانت مكلفة متعبدة بها، وإلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكلف والتعبد عنها. فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك فأخبرني عن قول الله عز وجل: (الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا). فقال: إن غطاء العين لا يمنع من الذكر، والذكر لا يرى بالعين، ولكن الله عز وجل شبه الكافرين بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) بالعميان، لأنهم كانوا يستثقلون قول النبي (صلى الله وعليه وآله) فيه، ولا يستطيعون له سمعا. فقال المأمون: فرجت عني فرج الله عنك. وعن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضي الله عنه عن إبراهيم بن أبي محمود قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) فقال: إن الله تبارك وتعالى لا يوصف بالترك كما يوصف خلقه، ولكنه متى علم أنهم لا يرجعون عن الكفر والضلال منعهم المعاونة واللطف، وخلى بينهم وبين اختيارهم. قال: وسألته عن قول الله عز وجل: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم). قال: الختم هو: (الطبع) على قلوب الكفار عقوبة على كفرهم، كما قال عز وجل: (بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا). قال: وسألته عن الله عز وجل هل يجبر عباده على المعاصي؟ قال: لا. بل يخيرهم، ويمهلم حتى يتوبوا. قلت: فهل يكلف عباده ما لا يطيقون؟ فقال: كيف يفعل ذلك وهو يقول: (وما ربك بظلام للعبيد). ثم قال: حدثني أبي موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، (عليهم السلام) عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، أنه قال: من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي ويكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته، ولا تقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئا. وعن يزيد بن عمير بن معاوية الشامي قال: دخلت على علي بن موسى الرضا بمرو، فقلت له: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) أنه قال: (لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين) ما معناه: فقال: من زعم: أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها، فقد قال: (بالجبر) ومن زعم: أن الله فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال: (بالتفويض) والقائل بالجبر كافر، والقائل بالتفويض مشرك. فقلت: يا بن رسول الله فما أمر بين الأمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه. قلت: وهل لله مشية وإرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات، فإرادة الله ومشيته فيها الأمر بها، والرضا لها، والمعاونة عليها، وإرادته ومشيته في المعاصي، النهي عنها، والسخط لها والخذلان عليها. قلت: فلله عز وجل فيها القضاء؟ قال: نعم. ما من فعل يفعله العباد من خير أو شر إلا ولله فيه قضاء. قلت: ما معنى هذا القضاء؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه من الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة. وروي أنه ذكر عنده الجبر والتفويض فقال: إن الله لم يطع بإكراه، ولم يعص بغلبة، ولم يهمل العباد في ملكه، هو المالك لما ملكهم، والقادر على ما أقدرهم عليه، فإن إئتمر العباد بطاعة لم يكن الله عنها صادا، ولا منها مانعا، وإن إئتمروا بمعصية فشاء أن يحول بينهم وبين ذلك فعل، وإن لم يحل وفعلوه فليس هو الذي أدخلهم فيه ثم قال (عليه السلام): من يضبط حدود هذا الكلام فقد خصم من خالفه. وعن الحسين بن خالد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: يا بن رسول الله أن الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه والجبر، لما روي من الأخبار في ذلك عن آبائك (عليهم السلام). فقال: يا بن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمة في الجبر والتشبيه أكثر، أم الأخبار التي رويت من النبي (صلى الله وعليه وآله) في ذلك؟ فقلت: بل ما رويت عن النبي (صلى الله وعليه وآله) أكثر. قال: فليقولوا: أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) كان يقول بالتشبيه والجبر. فقلت له: إنهم يقولون: أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) لم يقل شيئا من ذلك وإنما روي عليه. قال: فليقولوا في آبائي الأئمة (عليهم السلام): أنهم لم يقولوا من ذلك شيئا وإنما روي عليهم. ثم قال: من قال بالتشبيه والجبر فهو كافر مشرك، ونحن براء منه في الدنيا والآخرة، يا بن خالد إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه والجبر (الغلاة) الذين صغروا عظمة الله، فمن أحبهم فقد أبغضنا، ومن أبغضهم فقد أحبنا، ومن والاهم فقد عادانا، ومن عاداهم فقد والانا، ومن وصلهم فقد قطعنا، ومن قطعهم فقد وصلنا، ومن جفاهم فقد برنا، ومن برهم فقد جفانا، ومن أكرمهم فقد أهاننا، ومن أهانهم فقد أكرمنا، ومن قبلهم فقد ردنا، ومن ردهم فقد قبلنا ومن أحسن إليهم فقد أساء إلينا، ومن أساء إليهم فقد أحسن إلينا، ومن صدقهم فقد كذبنا، ومن كذبهم فقد صدقنا، ومن أعطاهم فقد حرمنا، ومن حرمهم فقد أعطانا. يا بن خالد من كان من شيعتنا فلا يتخذن منهم وليا ولا نصيرا.
الاحتجاج — الجزء الثاني · احتجاج أبي الحسن علي بن موسى الرضا (ع) في التوحيد والعدل وغيرهما على المخالف والمؤالف والأجانب والأقارب.