الأقسامالاحتجاج للطبرسيالجزء الثاني
الاحتجاج

سئل أبو الحسن (عليه السلام) عن التوحيد فقيل له: لم يزل الله وحده لا شئ معه ثم خلق الأشياء بديعا واختار لنفسه الأسماء، ولم تزل الأسماء والحروف له معه قديمة؟ فكتب: لم يزل الله موجودا ثم كون ما أراد، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، تاهت أوهام المتوهمين، وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنه، أو الوقوع بالبلوغ على علو مكانه، فهو بالموضع الذي لا يتناهى، وبالمكان الذي لم يقع عليه عيون بإشارة ولا عبارة، هيهات هيهات!! وحدثنا أحمد بن إسحاق قال كتبت إلى أبي الحسن علي بن محمد العسكري أسأله عن الرؤية وما فيه الخلق فكتب: لا تجوز الرؤية ما لم يكن بين الرائي والمرئي هواء ينفذه البصر، فمتى انقطع الهواء وعدم الضياء لم تصح الرؤية، وفي جواب اتصال الضيائين الرائي والمرئي وجوب الاشتباه، والله تعالى منزه عن الاشتباه، فنثبت أنه لا يجوز عليه سبحانه الرؤية بالأبصار، لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات. وعن العباس بن هلال قال: سألت أبا الحسن علي بن محمد (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: (الله نور السماوات والأرض). فقال (عليه السلام): يعني هادي من في السماوات ومن في الأرض. ومما أجاب به أبو الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) في رسالته إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض أن قال: اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك: أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجماع عليه مصيبون، وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون، ولقول النبي (صلى الله وعليه وآله): (لا تجتمع أمتي على ضلالة) فأخبر (عليه السلام) أن ما اجتمعت عليه الأمة ولم يخالف بعضها بعضا هو الحق، فهذا معنى الحديث لا ما تأوله الجاهلون، ولا ما قاله المعاندون ومن إبطال حكم الكتاب واتباع حكم الأحاديث المزورة والروايات المزخرفة، اتباع الأهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب، وتحقيق الآيات الواضحات النيرات. ونحن نسأل الله أن يوفقنا للصواب، ويهدينا إلى الرشاد. ثم قال (عليه السلام): فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر وتحقيقه فأنكرته طائفة من الأمة، وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، فصارت بإنكارها ودفعها الكتاب كفارا ضلالا، وأصح خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله (صلى الله وعليه وآله) حيث قال: (إني مستخلف فيكم خليفتين: كتاب الله وعترتي، ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) واللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله (عليه السلام): (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وأنهما لم يفترقا حتى يردا علي الحوض ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا) فلما وجدنا شواهد هذا الحديث نصا في كتاب الله مثل قوله: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) ثم اتفقت روايات العلماء في ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام): أنه تصدق بخاتمه وهو راكع فشكر الله ذلك له وأنزل الآية فيه، ثم وجدنا رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: (من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه) وقوله (صلى الله وعليه وآله): (علي يقضي ديني وينجز موعدي وهو خليفتي عليكم بعدي) وقوله (صلى الله وعليه وآله) حيث استخلفه على المدينة فقال: يا رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان؟ فقال: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) فعلمنا إن الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، وتحقيق هذه الشواهد، فلزم الأمة الاقرار بها إذا كانت هذه الأخبار وافقت القرآن، ووافق القرآن هذه الأخبار فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله، ووجدنا كتاب الله لهذه الأخبار موافقا، وعليها دليلا، كان الاقتداء بهذه الأخبار فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد والفساد. ثم قال (عليه السلام): ومرادنا وقصدنا الكلام في الجبر والتفويض وشرحهما وبيانهما وإنما قدمنا ما قدمنا ليكون اتفاق الكتاب والخبر إذا اتفقا دليلا لما أردناه، وقوة لما نحن مبينوه من ذلك إن شاء الله. (فقال): الجبر والتفويض يقول الصادق جعفر بن محمد ((عليهم السلام))، عند ما سئل عن ذلك فقال: لا جبر ولا تفويض، بل أمر بين الأمرين. قيل: فماذا يا بن رسول الله؟ فقال: صحة العقل، وتخلية السرب، والمهلة في الوقت، والزاد قبل الراحلة والسبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحا بحسبه، وأنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة وهي: الجبر، والتفويض، والمنزلة بين المنزلتين، مثلا يقرب المعنى للطالب، ويسهل له البحث من شرحه، ويشهد به القرآن بمحكم آياته، ويحقق تصديقه عند ذوي الألباب، وبالله العصمة والتوفيق. ثم قال (عليه السلام): فأما الجبر. فهو: قول من زعم أن الله عز وجل جبر العباد على المعاصي وعاقبهم عليها، ومن قال بهذا القول فقد ظلم الله وكذبه، ورد عليه قوله: (ولا يظلم ربك أحدا) وقوله جل ذكره: (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله وظلمه في عقوبته له، ومن ظلم ربه فقد كذب كتابه، ومن كذب كتابه لزمه (الكفر) بإجماع الأمة، فالمثل المضروب في ذلك: مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، ولا يملك عرضا من عروض الدنيا ويعلم مولاه ذلك منه، فأمره - على علم منه بالمصير - إلى السوق لحاجة يأتيه بها ولم يملكه ثمن ما يأتيه به، وعلم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، وقد وصف به مالك هذا العبد نفسه بالعدل والنصفة وإظهار الحكمة ونفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق، وحاول أخذ الحاجة التي بعثه بها، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن ولا يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجة، فاغتاظ مولاه لذلك وعاقبه على ذلك، فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله وحكمته ونصفته، وإن لم يعاقبه كذب نفسه، أليس يجب أن لا يعاقبه والكذب والظلم ينفيان العدل والحكمة، تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا. ثم قال العالم (عليه السلام): - بعد كلام طويل -: فأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) وخطأ من دان به، فهو: قول القائل: (إن الله عز وجل فوض إلى العباد اختيار أمره ونهيه وأهملهم). وهذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره ودقته إلا الأئمة المهدية (عليهم السلام) من عترة آل الرسول صلوات الله عليهم فإنهم قالوا: (لو فوض الله أمره إليهم على جهة الاهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه واستوجبوا به الثواب، ولم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب إذ كان الاهمال واقعا، وتنصرف هذه المقالة على معنيين: أما أن تكون العباد تظاهروا عليه فالزموه اختيارهم بآرائهم - ضرورة - كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون جل وتقدس عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي عن إرادته ففوض أمره ونهيه إليهم، وأجراهما على محبتهم إذ عجز عن تعبدهم بالأمر والنهي على إرادته فجعل الاختيار إليهم في الكفر والإيمان، ومثل ذلك: مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه ويعرف له فضل ولايته، ويقف عند أمره ونهيه وادعى مالك العبد: أنه قاهر قادر عزيز حكيم، فأمر عبده ونهاه، ووعده على اتباع أمره عظيم الثواب وأوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، ولم يقف عند أمره ونهيه، فأي أمر أمره به أو نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، وبعثه في بعض حوائجه وفيما الحاجة له فصار العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه وقصد إرادة نفسه واتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف أمره فقال العبد: اتكلت على تفويضك الأمر إلي فاتبعت هواي وإرادتي لأن المفوض إليه غير محظور عليه لاستحالة اجتماع التفويض والتحظير. ثم قال (عليه السلام): فمن زعم أن الله فوض قبول أمره ونهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، وأوجب عليه قبول كلما عملوا من خير أو شر، وأبطل أمر الله ونهيه. ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته وملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر والنهي، وقبل منهم اتباع أمره ونهيه ورضي بذلك لهم، ونهاهم عن معصيته وذم من عصاه وعاقبه عليها، ولله الخيرة في الأمر والنهي يختار ما يريده ويأمر به، وينهى عما يكره ويثبت ويعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره واجتناب معاصيه لأنه العدل ومنه النصفة والحكومة، بالغ الحجة بالإعذار والإنذار، وإليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا صلوات الله عليه وآله وبعثه بالرسالة إلى خلقه ولو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله وعليه وآله) لما قالوا: (لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) يعنونهما بذلك فهذا هو: (القول بين القولين) ليس بجبر ولا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عتابة بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة. فقال أمير المؤمنين: تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عتابة بن ربعي. فقال له: قل يا عتابة! قال: وما أقول؟ قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، وإن قلت تملكها من دون الله قتلتك. قال: وما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملككها كان ذلك من عطائه، وإن سلبكها كان ذلك من بلائه، وهو المالك لما ملكك، والمالك لما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حيث يقولون: (لا حول ولا قوة إلا بالله). فقال الرجل: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول لنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله. قال: فوثب الرجل وقبل يديه ورجليه. ثم قال (عليه السلام) في قوله تعالى: (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم) وفي قوله: (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) وفي قوله: (أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون) وقوله: (ولقد فتنا سليمان وقوله: (فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري) وقول موسى (عليه السلام): (إن هي إلا فتنتك) وقوله: (ليبلوكم فيما آتاكم) وقوله: (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) وقوله: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة) وقوله: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) وقوله: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات) وقوله: (ولو شاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض) أن جميعها جاءت في القرآن بمعنى الاختيار. ثم قال (عليه السلام): فإن قالوا ما الحجة في قول الله تعالى: (يهدي من يشاء ويضل من يشاء) وما أشبه ذلك؟ قلنا: فعلى مجاز هذه الآية يقتضي معنيين: أحدهما عن كونه تعالى قادرا على هداية من يشاء وضلالة من يشاء، ولو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب ولا عليهم عقاب، على ما شرحناه. والمعنى الآخر: أن الهداية منه (التعريف) كقوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) وليس كل آية مشتبهة في القرآن كانت الآية حجة على حكم الآيات اللاتي أمر بالأخذ بها وتقليدها، وهي قوله: (هو الذي أنزل عليكم الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. الآية) وقال: (فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب) وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى، ويقرب لنا ولكم الكرامة والزلفى، وهدانا لما هو لنا ولكم خير وأبقى، إنه الفعال لما يريد، الحكيم المجيد. عن أبي عبد الله الزيادي قال: لما سم المتوكل، نذر لله إن رزقه الله العافية أن يتصدق بمال كثير، فلما سلم وعوفي سأل الفقهاء، عن حد (المال الكثير) كم يكون؟ فاختلفوا. فقال بعضهم: (ألف درهم) وقال بعضهم: (عشرة آلاف) وقال بعضهم: (مائة ألف) فاشتبه عليه هذا. فقال له الحسن حاجبه: إن أتيتك يا أمير المؤمنين من هذا خبرك بالحق والصواب فما لي عندك؟ فقال المتوكل: إن أتيت بالحق فلك عشرة آلاف درهم، وإلا أضربك مائة مقرعة. فقال: قد رضيت. فأتى أبا الحسن العسكري (عليه السلام) فسأله عن ذلك. فقال أبو الحسن (عليه السلام): قل له: يتصدق بثمانين درهما. فرجع إلى المتوكل فأخبره. فقال: سله ما العلة في ذلك؟ فسأله فقال: إن الله عز وجل قال لنبيه (صلى الله وعليه وآله): (ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة) فعددنا مواطن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فبلغت ثمانين موطنا. فرجع إليه فأخبره ففرح، وأعطاه عشرة آلاف درهم. وعن جعفر بن رزق الله قال: قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم. فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يضرب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يفعل به كذا وكذا. فأمر المتوكل بالكتاب إلى أبي الحسن العسكري وسؤاله عن ذلك. فلما قرأ الكتاب كتب (عليه السلام): يضرب حتى يموت، فأنكر يحيى وأنكر فقهاء العسكر ذلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين سله عن ذلك فإنه شئ لم ينطق به كتاب، ولم يجئ به سنة. فكتب إليه: إن الفقهاء قد أنكروا هذا، وقالوا: لم يجئ به سنة ولم ينطق به كتاب، فبين لنا لم أوجبت علينا الضرب حتى يموت؟ فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا الآية) فأمر به المتوكل فضرب حتى مات. سأل يحيى بن أكثم أبا الحسن العالم (عليه السلام) عن قوله تعالى: (سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله) ما هي؟ فقال: هي: (عين الكبريت) و (عين اليمن) و (عين البرهوت) و (عين الطبرية) و (جمة ماسيدان) وجمة (أفريقا) و (عين ما جروان) ونحن الكلمات التي لا تدرك فضائلنا ولا تستقصى. وروي عن الحسن العسكري (عليه السلام): أنه اتصل بأبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام): أن رجلا من فقهاء شيعته كلم بعض النصاب فافهمه بحجته حتى أبان عن فضيحته، فدخل إلى علي بن محمد (عليه السلام) وفي صدر مجلسه دست عظيم منصوب وهو قاعد خارج الدست، وبحضرته خلق من العلويين وبني هاشم، فما زال يرفعه حتى أجلسه في ذلك الدست، وأقبل عليه فاشتد ذلك على أولئك الأشراف، فأما العلوية فأجلوه عن العتاب، وأما الهاشميون فقال له شيخهم: يا بن رسول الله هكذا تؤثر عاميا على سادات بني هاشم من الطالبيين والعباسيين؟! فقال (عليه السلام) إياكم وإن تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) أترضون بكتاب الله حكما؟ قالوا: بلى. قال: أليس الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم إلى قوله يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) فلم يرض للعالم المؤمن إلا أن يرفع على المؤمن غير العالم، كما لم يرض للمؤمن إلا أن يرفع على من ليس بمؤمن، أخبروني عنه قال: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات)؟ أو قال: (يرفع الذين أوتوا شرف النسب درجات)؟ أو ليس قال الله: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) فكيف تنكرون رفعي لهذا لما رفعه الله؟! إن كسر هذا (لفلان) الناصب بحجج الله التي علمه إياها، لأفضل له من كل شرف في النسب. فقال العباسي: يا بن رسول الله قد أشرفت علينا هو ذا تقصير بنا عمن ليس له نسب كنسبنا، وما زال منذ أول الإسلام يقدم الأفضل في الشرف على من دونه فيه. فقال (عليه السلام): سبحان الله أليس عباس بايع أبا بكر وهو (تيمي) والعباس (هاشمي)؟ أو ليس عبد الله بن عباس كان يخدم عمر بن الخطاب وهو (هاشمي) أبو الخلفاء وعمر (عدوي)؟! وما بال عمر أدخل البعداء من قريش في الشورى ولم يدخل العباس؟ فإن كان رفعنا لمن ليس بهاشمي على هاشمي منكرا فأنكروا على عباس بيعته لأبي بكر، وعلى عبد الله بن عباس خدمته لعمر بعد بيعته، فإن كان ذلك جائزا فهذا جائز، فكأنما ألقم الهاشمي حجرا. وروي عن علي بن محمد الهادي (عليه السلام) أنه قال: لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، والدالين عليه، والذابين عن دينه بحجج الله والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلا ارتد عن عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل.

الاحتجاج — الجزء الثاني · احتجاج أبي الحسن علي بن محمد العسكري (ع) في شئ من التوحيد وغير ذلك من العلوم الدينية والدنياوية على المخالف والمؤالف.

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.