الأقسامالكافيكتاب العقل و الجهل
الكافي · رقم ١

أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا مِنْهُمْ مُحَمَّدُ كتاب العقل و الجهل كذا في النسخ و الأظهر باب العقل أو ذكر الباب بعد الكتاب كما يظهر من فهرست الشيخ (ره). الحديث الأول صحيح. و الظاهر أن قائل أخبرنا أحد رواة الكافي من النعماني و الصفواني و غيرهما، و يحتمل أن يكون القائل هو المصنف (ره) كما هو دأب القدماء، ثم اعلم أن فهم أخبار أبواب العقل يتوقف على بيان ماهية العقل و اختلاف الآراء و المصطلحات فيه. فنقول: إن العقل هو تعقل الأشياء و فهمها في أصل اللغة، و اصطلح إطلاقه على أمور: الأول: هو قوة إدراك الخير و الشر و التميز بينهما، و التمكن من معرفة أسباب الأمور ذوات الأسباب، و ما يؤدي إليها و ما يمنع منها، و العقل بهذا المعنى مناط التكليف و الثواب و العقاب. الثاني: ملكة و حالة في النفس تدعو إلى اختيار الخيرات و المنافع، و اجتناب الشرور و المضار، و بها تقوى النفس على زجر الدواعي الشهوانية و الغضبية، و الوساوس الشيطانية، و هل هذا هو الكامل من الأول أم هو صفة أخرى و حالة مغايرة للأولى، كل منهما محتمل، و ما يشاهد في أكثر الناس من حكمهم بخيرية بعض الأمور، مع عدم إتيانهم بها، و بشرية بعض الأمور مع كونهم مولعين بها، يدل على أن هذه الحالة غير العلم بالخير و الشر، و الذي ظهر لنا من تتبع الأخبار المنتهية إلى الأئمة الأبرار (سلام الله عليهم)، هو أن الله خلق في كل شخص من أشخاص بْنُ يَحْيَى الْعَطَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ المكلفين قوة و استعدادا لإدراك الأمور من المضار و المنافع و غيرها على اختلاف كثير بينهم فيها، و أقل درجاتها مناط التكاليف و بها يتميز عن المجانين و باختلاف درجاتها تتفاوت التكاليف، فكلما كانت هذه القوة أكمل، كانت التكاليف أشق و أكثر، و تكمل هذه القوة في كل شخص بحسب استعداده بالعلم و العمل، فكلما سعى في تحصيل ما ينفعه من العلوم الحقة، و عمل بها تقوى تلك القوة، ثم العلوم تتفاوت في مراتب النقص و الكمال، و كلما ازدادت قوة تكثر آثارها، و تحت صاحبها بحسب قوتها على العمل بها، فأكثر الناس علمهم بالمبدء و المعاد و سائر أركان الإيمان علم تصوري يسمونه تصديقا، و في بعضهم تصديق ظني، و في بعضهم تصديق اضطراري، فلذا لا يعملون بما يدعون، فإذا كمل العلم و بلغ درجة اليقين تظهر آثاره على صاحبه كل حين، و سيأتي تمام تحقيق ذلك في كتاب الإيمان و الكفر إن شاء الله تعالى. الثالث: القوة التي يستعملها الناس في نظام أمور معاشهم، فإن وافقت قانون الشرع، و استعملت فيما استحسنه الشارع تسمى بعقل المعاش، و هو ممدوح في الأخبار و مغايرته لما قد مر بنوع من الاعتبار و إذا استعملت في الأمور الباطلة و الحيل الفاسدة تسمى بالنكراء و الشيطنة في لسان الشرع، و منهم من ثبتوا لذلك قوة أخرى و هو غير معلوم. الرابع: مراتب استعداد النفس لتحصيل النظريات و قربها و بعدها من ذلك و أثبتوا لها مراتب أربعا سموها بالعقل الهيولاني و العقل بالملكة، و العقل بالفعل، و العقل المستفاد، و قد تطلق هذه الأسامي على النفس في تلك المراتب، و تفصيلها مذكور في مظانها و يرجع إلى ما ذكرنا أو لا، فإن الظاهر أنها قوة واحدة، تختلف أسماؤها بحسب متعلقاتها و ما تستعمل فيه. الخامس: النفس الناطقة الإنسانية التي بها يتميز عن سائر البهائم. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ(عليه السلام)قَالَ لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ السادس: ما ذهب إليه الفلاسفة و أثبتوه بزعمهم من جوهر مجرد قديم لا تعلق له بالمادة ذاتا و لا فعلا، و القول به كما ذكروه مستلزم لإنكار كثير من ضروريات الدين من حدوث العالم و غيره، مما لا يسع المقام ذكره، و بعض المنتحلين منهم للإسلام أثبتوا عقولا حادثة و هي أيضا على ما أثبتوها مستلزمة لإنكار كثير من الأصول المقررة الإسلامية، مع أنه لا يظهر من الأخبار وجود مجرد سوى الله تعالى، و قال بعض محققيهم: إن نسبة العقل العاشر الذي يسمونه بالعقل الفعال إلى النفس كنسبة النفس إلى البدن، فكما أن النفس صورة للبدن، و البدن مادتها، فكذلك العقل صورة للنفس و النفس مادته، و هو مشرق عليها، و علومها مقتبسة منه، و يكمل هذا الارتباط إلى حد تطالع العلوم فيه، و تتصل به، و ليس لهم على هذه الأمور دليل إلا مموهات شبهات، أو خيالات غريبة، زينوها بلطائف عبارات. فإذا عرفت ما مهدنا فاعلم أن الأخبار الواردة في هذه الأبواب أكثرها ظاهرة في المعنيين الأولين، الذي مالهما إلى واحد، و في الثاني منهما أكثر و أظهر، و بعض الأخبار يحتمل بعض المعاني الأخرى، و في بعض الأخبار يطلق العقل على نفس العلم النافع المورث للنجاة، المستلزم لحصول السعادات، فأما أخبار استنطاق العقل و إقباله و إدباره، فيمكن حملها على أحد المعاني الأربعة المذكورة أولا، أو ما يشملها جميعا و حينئذ يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير كما ورد في اللغة، أو يكون المراد بالخلق الخلق في النفس و اتصاف النفس بها، و يكون سائر ما ذكر فيها من الاستنطاق و الإقبال و الأدبار و غيرها استعارة تمثيلية لبيان أن مدار التكاليف و الكمالات و الترقيات على العقل، و يحتمل أن يكون المراد بالاستنطاق جعله قابلا لأن يدرك به العلوم، و يكون الأمر بالإقبال و الأدبار أمرا تكوينيا بجعله قابلا لكونه وسيلة لتحصيل الدنيا و الآخرة و السعادة و الشقاوة معا، و آلة للاستعمال في تعرف حقائق الأمور و التفكر في دقائق الحيل أيضا، و في بعض الأخبار: بك آمر و بك أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ أنهى و بك أعاقب و بك أثيب، و هو منطبق على هذا المعنى لأن أقل درجاته مناط صحة أصل التكليف، و كل درجة من درجاته مناط صحة بعض التكاليف و في بعض الأخبار" إياك" مكان" بك" في كل المواضع، و في بعضها في بعضها، فالمراد المبالغة في اشتراط التكليف به، فكأنه هو المكلف حقيقة، و ما في بعض الأخبار: من أنه أول خلق من الروحانيين فيحتمل أن يكون المراد أول مقدر من الصفات المتعلقة بالروح، و أول غريزة تطبع عليه النفس، و تودع فيها، أو يكون أوليته باعتبار أولية ما يتعلق به من النفوس، و أما إذا حملت على المعنى الخامس، فيحتمل أن يكون أيضا على التمثيل كما مر و كونها مخلوقة ظاهر، و كونها أول مخلوق إما باعتبار أن النفوس خلقت قبل الأجساد كما ورد في الأخبار المستفيضة، فيحتمل أن يكون خلق الأرواح مقدما على خلق جميع المخلوقات غيرها، لكن خبر:" أول ما خلق العقل" لم أجده في الأخبار المعتبرة، و إنما هو مأخوذ من أخبار العامة، و ظاهر أكثر أخبارنا أن أول المخلوقات الماء أو الهواء كما بيناه في كتاب السماء و العالم من كتابنا الكبير. نعم ورد في أخبارنا أن العقل أول خلق من الروحانيين، و هو لا ينافي تقدم خلق بعض الأجسام على خلقه، و حينئذ فالمراد بإقبالها بناء أعلى ما ذهب إليه جماعة من تجرد النفس: إقبالها إلى عالم المجردات، و بإدبارها تعلقها بالبدن و الماديات، أو المراد بإقبالها إقبالها إلى المقامات العالية و الدرجات الرفيعة، و بإدبارها هبوطها عن تلك المقامات، و توجهها إلى تحصيل الأمور الدنية الدنيوية، و تشبهها بالبهائم و الحيوانات، فعلى ما ذكرنا من التمثيل يكون الغرض بيان أن لها هذه الاستعدادات المختلفة، و هذه الشؤون المتباعدة، و إن لم نحمل على التمثيل يمكن أن يكون الاستنطاق حقيقيا و أن يكون كناية عن جعلها مدركة للكليات، و كذا الأمر بالإقبال و الأدبار يمكن أن يكون حقيقيا لظهور انقيادها لما يريده تعالى منها، و أن يكون أمرا تكوينيا لتكون قابلة للأمرين أي الصعود إلى الكمال و إِلَيَّ مِنْكَ وَ لَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِيمَنْ أُحِبُّ أَمَا إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ وَ إِيَّاكَ أَنْهَى وَ إِيَّاكَ القرب و الوصال، و الهبوط إلى النفس و ما يوجب الوبال أو لتكون في درجة متوسطة من التجرد لتعلقها بالماديات لكن تجرد النفس لم يثبت لنا من الأخبار، بل الظاهر منها ماديتها كما بيناه في مظانه. و ربما يقال: المراد بالإقبال، الإقبال إلى عالم الملك بتعلقه بالبدن، لاستكمال القوة النظرية و العملية، و بالإدبار: الأدبار عن هذا العالم، و قطع التعلق عن البدن، و الرجوع إلى عالم الملكوت. و قيل: يحتمل أن يكون قوله" استنطقه" محمولا على معناه اللغوي إشارة إلى ما وقع في يوم الميثاق، و إن كان كيفيته غير معلوم لنا، و المراد بالإقبال الإقبال إلى الحق من التصديق بالألوهية و التوحيد و العدل و غير ذلك مما يجب تصديقه، و بالإدبار الأدبار عن الباطل بأن يقولوا على الله بغير علم، و أمثاله و حينئذ لا حاجة في الحديث إلى تأويل. و أما المعنى السادس فلو قال أحد بجوهر مجرد لا يقول بقدمه، و لا بتوقف تأثير الواجب في الممكنات عليه، و لا بتأثيره في خلق الأشياء، و يسميه العقل، و يجعل بعض تلك الأخبار منطبقا على ما سماه عقلا، فيمكنه أن يقول: إن إقباله عبارة عن توجهه إلى المبدأ و إدباره عبارة عن توجهه إلى النفوس لإشراقه عليها و استكمالها به. فإذا عرفت ذلك فاستمع لما يتلى عليك من الحق الحقيق بالبيان، و بأن لا يبالي بما يشمئز عنه من نواقص الأذهان، فاعلم أن أكثر ما أثبتوه لهذه العقول قد ثبت لأرواح النبي و الأئمة (عليه السلام) في أخبارنا المتواترة على وجه آخر، فإنهم أثبتوا القدم للعقل، و قد ثبت التقدم في الخلق لأرواحهم إما على جميع المخلوقات، أو على سائر الروحانيين في أخبار متواترة، و أيضا أثبتوا لها التوسط في الإيجاد أو الاشتراط في التأثير، و قد ثبت في الأخبار كونهم علة غائية لجميع المخلوقات، و أنه لولاهم لما أُعَاقِبُ وَ إِيَّاكَ أُثِيبُ خلق الله الأفلاك و غيرها، و أثبتوا لها كونها وسائط من إفاضة العلوم و المعارف على النفوس و الأرواح، و قد ثبت في الأخبار أن جميع العلوم و الحقائق في المعارف بتوسطهم يفيض على سائر الخلق حتى الملائكة و الأنبياء، و الحاصل أنه قد ثبت بالأخبار المستفيضة: أنهم (عليه السلام) الوسائل بين الخلق و بين الحق في إفاضة جميع الرحمات و العلوم و الكمالات على جميع الخلق، فكلما يكون التوسل بهم و الإذعان بفضلهم أكثر كان فيضان الكمالات من الله تعالى أكثر، و لما سلكوا سبيل الرياضات و التفكرات مستبدين بآرائهم على غير قانون الشريعة المقدسة، ظهرت عليهم حقيقة هذا الأمر ملبسا مشبها فأخطأوا في ذلك و أثبتوا عقولا و تكلموا في ذلك فضولا، فعلى قياس ما قالوا يمكن أن يكون المراد بالعقل نور النبي (صلوات الله عليه و آله) الذي انشعبت منه أنوار الأئمة (عليه السلام) و استنطاقه على الحقيقة، أو بجعله محلا للمعارف الغير المتناهية، و المراد بالأمر بالإقبال ترقيه على مراتب الكمال و جذبه إلى أعلى مقام القرب و الوصال، و بإدباره إما إنزاله إلى البدن أو الأمر بتكميل الخلق بعد غاية الكمال، فإنه يلزم التنزل عن غاية مراتب القرب، بسبب معاشرة الخلق و يومئ إليه قوله تعالى" قَدْ أَنْزَلَ اللّٰهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا" و قد بسطنا الكلام في ذلك في الفوائد الطريفة. و يحتمل أن يكون المراد بالإقبال الإقبال إلى الخلق، و بالإدبار الرجوع إلى عالم القدس بعد إتمام التبليغ، و يؤيده ما في بعض الأخبار من تقديم الأدبار على الإقبال. و على التقادير فالمراد بقوله تعالى" و لا أكملتك" يمكن أن يكون المراد و لا أكملت محبتك و الارتباط بك، و كونك واسطة بينه و بيني إلا فيمن أحبه أو يكون الخطاب مع روحهم و نورهم (عليهم السلام)، و المراد بالإكمال إكماله في أبدانهم الشريفة، أي هذا النور بعد تشعبه، بأي بدن تعلق و كمل فيه يكون ذلك الشخص أحب الخلق إلى الله تعالى، و قوله:" إياك آمر" التخصيص إما لكونهم (صلوات الله عليهم) مكلفين بما لم يكلف به غيرهم، و يتأتى منهم من حق عبادته تعالى ما لا يتأتى من غيرهم، أو لاشتراط صحة أعمال العباد بولايتهم، و الإقرار بفضلهم بنحو ما مر من التجوز، و بهذا التحقيق يمكن الجمع بين ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): أن أول ما خلق الله نوري، و بين ما روي: أن أول ما خلق الله العقل، و ما روي أن أول ما خلق الله النور، إن صحت أسانيدها، و تحقيق هذا الكلام على ما ينبغي يحتاج إلى نوع من البسط و الإطناب و لو و فينا حقه، لكنا أخلفنا ما وعدناه في صدر الكتاب. و أما ما رواه الصدوق في كتاب علل الشرائع بإسناده عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) سئل مما خلق الله عز و جل العقل؟ قال: خلقة ملك له رؤوس بعدد الخلائق، من خلق و من يخلق إلى يوم القيامة، و لكل رأس وجه و لكل آدمي رأس من رؤوس العقل، و اسم ذلك الإنسان على وجه ذلك الرأس مكتوب، و على كل وجه ستر ملقى لا يكشف ذلك الستر من ذلك الوجه حتى يولد هذا المولود، و يبلغ حد الرجال أو حد النساء، فإذا بلغ كشف ذلك الستر فيقع في قلب هذا الإنسان نور، فيفهم الفريضة و السنة و الجيد و الرديء، ألا و مثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت. فهو من غوامض الأخبار، و الظاهر أن الكلام فيه مسوق على نحو الرموز و الأسرار، و يحتمل أن يكون كناية عن تعلقه بكل مكلف و أن لذلك التعلق وقتا خاصا و قبل ذلك الوقت موانع عن تعلق العقل من الأغشية الظلمانية، و الكدورات الهيولانية، كستر مسدول على وجه العقل، و يمكن حمله على ظاهر حقيقته على بعض الاحتمالات السالفة، و قوله: خلقة ملك، لعله بالإضافة أي خلقته كخلقة الملائكة في لطافته و روحانيته، و يحتمل أن يكون خلقه مضافا إلى الضمير مبتدأ، و ملك خبره، أي خلقته خلقة ملك، أو هو ملك حقيقة و الله يعلم.

الكافي — كتاب العقل و الجهل · كتاب العقل و الجهل

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.