أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا رَفَعَهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عليه السلام يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ الْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ فَبَشِّرْ عِبٰادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولٰئِكَ الَّذِينَ هَدٰاهُمُ اللّٰهُ وَ أُولٰئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبٰابِ يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَكْمَلَ لِلنَّاسِ الْحُجَجَ بِالْعُقُولِ وَ نَصَرَ النَّبِيِّينَ على التقديرين، و يحتمل على بعد أن تكون تبعيضية، أي عقل من صفاته و عظمته و جلاله ما يليق بفهمه و يناسب قابليته و استعداده. الحديث الثاني عشر: مرسل و هو مختصر مما أورده الشيخ الحسن بن علي بن شعبة في كتاب تحف العقول و أوردته بطوله في كتاب بحار الأنوار مشروحا. قوله تعالى" يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ": المراد بالقول إما القرآن أو مطلق المواعظ" فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" أي إذا رد دوابين أمرين منها لا يمكن الجمع بينهما يختارون أحسنهما، و على الأول يحتمل أن يكون المراد بالأحسن، المحكمات أو غير المنسوخات و يمكن أن يحمل القول على مطلق الكلام، إذ ما من قول حق إلا و له ضد باطل، فإذا سمعها اختار الحق منهما، و على تقدير أن يكون المراد بالقول القرآن أو مطلق المواعظ، يمكن إرجاع الضمير إلى المصدر المذكور ضمنا أي يتبعونه أحسن اتباع. قوله (عليه السلام): الحجج، أي البراهين أو الأنبياء و الأوصياء (عليه السلام) أو الاحتجاج و قطع العذر أي أكمل حجته على الناس بما آتاهم من العقول، و يمكن أن يكون المراد أن الله تعالى أكمل حجج الناس بعضهم على بعض، بما آتاهم من العقل إذ غايته الانتهاء إلى البديهي و لو لا العقل لأنكره، و الأدلة ما بين في كتابه من دلائل الربوبية بِالْبَيَانِ وَ دَلَّهُمْ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ بِالْأَدِلَّةِ فَقَالَ وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ. إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا و الوحدانية أو ما أظهر من آثار صنعته و قدرته في الآفاق و في أنفسهم، و الأول أنسب بالتفريع، و المراد بالبيان أما الفصاحة أو المعجزات أو قدرتهم على إتمام كل حجة، و جواب كل شبهة، و إبانة كل حق على كل أحد بما يناسب حاله و علمهم بكل شيء كما قال (صلوات الله عليه)" و أوتيت الحكمة و فصل الخطاب". قوله تعالى:" وَ إِلٰهُكُمْ إِلٰهٌ وٰاحِدٌ": أي المستحق لعبادتكم واحد حقيقي لا شريك له في استحقاق العبادة، و لا في وجوب الوجود الذاتي و لا في صفاته و وحدته الحقيقية، و قوله تعالى" لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ" استئناف لبيان الوحدة أو تأكيد للفقرة السابقة، أو تعميم بعد التخصيص دفعا لما يتوهم من جواز أن يكون المستحق لعبودية غيركم متعددا أو الإله في الأولى الخالق، و في الثانية المستحق للعبادة، فتكون الثانية متفرعة على الأولى، و يحتمل العكس، فيكون من قبيل اتباع المدعى بالدليل" الرَّحْمٰنُ الرَّحِيمُ" خبران لمبتدء محذوف، أو خبران آخران لقوله" إِلٰهُكُمْ" و لعل التوصيف بهما لبيان أنه تعالى يستحق العبادة لذاته الكاملة و نعمة الشاملة معا فتدبر. ثم استدل سبحانه على تلك الدعاوي بقوله" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" أي إيجادهما من كتم العدم" وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ" أي تعاقبهما على هذا النظام المشاهد بأن يذهب أحدهما و يجيء الآخر خلفه، و به فسر قوله تعالى" هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً" أو تفاوتهما في النور و الظلمة، أو في الزيادة و النقصان، و دخول أحدهما في الآخر، أو في الطول و القصر، بحسب العروض أو اختلاف كل ساعة من ساعاتهما بالنظر إلى الأمكنة المختلفة، فأية ساعة فرضت فهي صبح لموضع و ظهر لآخر، و هكذا، و الفلك يجيء مفردا و جمعا و هو السفينة، و ما في قوله تعالى وَ بَثَّ فِيهٰا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ " بِمٰا يَنْفَعُ النّٰاسَ" إما مصدرية أي بنفعهم أو موصولة أي بالذي ينفعهم من المحمولات و المجلوبات،" وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ مٰاءٍ" من الأولى للابتداء، و الثانية للبيان و السماء يحتمل الفلك و السحاب، و جهة العلو و إحياء الأرض بالنباتات و الأزهار و الثمرات" وَ بَثَّ فِيهٰا" عطف على" أنزل" أو على" أحيى" فإن الدواب ينمون بالخصب و يعيشون بالمطر، و البث: النشر و التفريق و المراد بتصريف الرياح إما تصريفها في مهابها قبولا و دبورا، و جنوبا و شمالا أو في أحوالها حارة و باردة، و عاصفة و لينة، و عقيمة و لواقح، أو جعلها تارة للرحمة و تارة للعذاب" وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ" أي لا ينزل و لا ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحدهما حتى يأتي أمر الله، و قيل مسخر للرياح تقلبه في الجو بمشية الله تعالى، أو سخره الله و هيأه لمصالحنا" لَآيٰاتٍ" أي علامات و دلالات و براهين تدل لإمكانها على صانع واجب الوجود بالذات، ترفع الحاجة من الممكنات إذ الممكن لا يرفع حاجة الممكن، و لإتقانها و كونها على وفق الحكم و المصالح التي تعجز جميع العقول عن الإحاطة بعشر أعشارها، على كون صانعها حكيما عليما قادرا رحيما بعباده، لا يفوت شيئا من مصالحهم، و للجهتين جميعا على كونه مستحقا للعبادة، إذ العقل يحكم بديهة بأن الكامل من جميع الجهات، العاري من جميع النقائص و الآفات، القادر على إيصال جميع الخيرات و المضرات، هو أحق بالمعبودية من غيره لجميع الجهات، و أيضا لما دلت الأحكام و الانتظام على وحدة المدبر كما سيأتي بيانه دل على وحدة المستحق للعبادة، و كل ذلك ظاهر لقوم عقلهم في درجة الكمال، و في الآية دلالة على لزوم النظر في خواص مصنوعاته تعالى، و الاستدلال بها على وجوده و وحدته و عمله و قدرته و حكمته و سائر صفاته، و على جواز ركوب البحر و التجارات و المسافرات لجلب الأقوات و الأمتعة. يَا هِشَامُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّ لَهُمْ مُدَبِّراً فَقَالَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّرٰاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ قَالَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرٰابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَ مِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّٰى مِنْ قَبْلُ وَ لِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ قوله (عليه السلام): قد جعل الله ذلك دليلا، أي كلا من الآيات المذكورة سابقا أو لا حقا و ليس لفظ ذلك في التحف، فالآيات اللاحقة أظهر، و قوله تعالى" وَ سَخَّرَ لَكُمُ" أي هيأها لمنافعكم و مسخرات بالنصب، حال عن الجميع أي نفعكم بها حالكونها مسخرات الله، خلقها و دبرها كيف شاء، و قرأ حفص" وَ النُّجُومَ مُسَخَّرٰاتٍ" على الابتداء و الخبر، فيكون تعميما للحكم بعد تخصيصه، و رفع ابن عامر" الشمس و القمر" أيضا. قوله تعالى" خَلَقَكُمْ مِنْ تُرٰابٍ": إذ خلق أول أفراد هذا النوع و أباهم منه، أو لأن الغذاء الذي يتكون منه المني يحصل منه، و يمكن أن يكون المراد التراب الذي يطرحه الملك في المني، كما يشهد به بعض الأخبار و قوله تعالى" ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا" أي أطفالا، و الأفراد لإرادة الجنس أو على تأويل يخرج من كل واحد منكم، أو لأنه في الأصل مصدر. قوله تعالى" ثُمَّ لِتَبْلُغُوا" اللام فيه متعلقة لمحذوف تقديره ثم يبقيكم لتبلغوا، و كذا في قوله" ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً" و يجوز عطفه على لتبلغوا. قوله تعالى" أَشُدَّكُمْ": أي كما لكم في القوة و العقل، جمع شدة كأنعم جمع نعمة. قوله تعالى" مِنْ قَبْلُ": أي من الشيخوخة أو بلوغ الأشد. قوله تعالى" أَجَلًا مُسَمًّى": أي يفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى هو وقت الموت وَ قَالَ إِنَّ فِي اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ وَ السَّحٰابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمٰاءِ وَ الْأَرْضِ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا قَدْ بَيَّنّٰا لَكُمُ الْآيٰاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ جَنّٰاتٌ مِنْ أَعْنٰابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوٰانٌ وَ غَيْرُ صِنْوٰانٍ يُسْقىٰ بِمٰاءٍ وٰاحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَهٰا عَلىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذٰلِكَ أو يوم القيمة. قوله تعالى" إِنَّ فِي اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ": هذه الآية في سورة الجاثية" وَ فِي خَلْقِكُمْ وَ مٰا يَبُثُّ مِنْ دٰابَّةٍ آيٰاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ وَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنَ السَّمٰاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيٰا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا وَ تَصْرِيفِ الرِّيٰاحِ آيٰاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" و قد مر الكلام في مثله و الظاهر أن التغيير من النساخ أو الرواة أو نقل بالمعنى أو هكذا قراءتهم. قوله" مِنْ رِزْقٍ": هو الماء لأنه رزق أو سبب للرزق، و ربما يؤول الأرض بالقلب و الرزق بالعلم تشبيها له بالماء، لأنه سبب حياة الروح كما أن الماء سبب حياة البدن. قوله تعالى" وَ جَنّٰاتٌ": عطف على قوله تعالى" قطع" في قوله" وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجٰاوِرٰاتٌ" و توحيد الزرع لأنه مصدر في أصله، و هو عطف على" أَعْنٰابٍ" و قرأ ابن كثير و أبو عمرو و يعقوب و حفص" زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ" بالرفع عطفا على جنات و قوله" صِنْوٰانٌ" أي نخلات أصلها واحد" وَ غَيْرُ صِنْوٰانٍ" أي متفرقات مختلفة الأصول. قوله تعالى" فِي الْأُكُلِ": أي في الثمر شكلا و قدرا و رائحة و طعما، و دلالتها على الصانع الحكيم ظاهر، فإن اختلافها مع اتحاد الأصول و الأسباب لا يكون إلا بتخصيص قادر مختار. لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ مِنْ آيٰاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَ طَمَعاً وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ- وَ قَالَ قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّٰا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ لٰا تَقْتُلُوا قوله تعالى" يُرِيكُمُ الْبَرْقَ": الفعل مصدر بتقدير أن أو صفة لمحذوف، أي آية يريكم بها البرق خَوْفاً من الصاعقة أو تخريب المنازل و الزروع، أو للمسافر" وَ طَمَعاً" أي في الغيث و النبات و سقي الزروع أو للمقيم و نصبهما على العلة لفعل لازم للفعل المذكور، إذ إراءتهم تستلزم رؤيتهم أو للفعل المذكور بتقدير مضاف أي إراءة خوف و طمع، أو بتأويل الخوف و الطمع بالإخافة و الإطماع، أو على الحال نحو كلمة: شفاها، و يحتمل أن يكونا مفعولين مطلقين لفعلين محذوفين يكونان حالين، أي تخافون خوفا و تطمعون طمعا. قوله تعالى" قُلْ تَعٰالَوْا": أمر من التعالي و أصله أن يقوله من كان في علو لمن كان في سفل فاتسع بالتعميم. قوله تعالى" مٰا حَرَّمَ": كلمة" ما" تحتمل الخبرية و المصدرية و الاستفهامية و قوله" عَلَيْكُمْ" متعلق باتل، أو بحرم أو بهما على سبيل التنازع. قوله تعالى" أَلّٰا تُشْرِكُوا": قال البيضاوي أي لا تشركوا ليصح عطف الأمر عليه، و لا يمنعه تعليق الفعل المفسر بما حرم، فإن التحريم باعتبار الأوامر يرجع إلى أضدادها، و من جعل أن ناصبة فمحلها النصب بعليكم، على أنه للإغراء أو بالبدل من" ما" أو من عائدة المحذوف، على أن" لا" زائدة أو الجر بتقدير اللام، أو الرفع على تقدير" المتلو أن لا تشركوا" أو المحرم أن تشركوا و قوله:" شَيْئاً" يحتمل المصدرية و المفعولية و على التقديرين يشمل الشرك الخفي. قوله تعالى" وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً": أي و أحسنوا بهما إحسانا وضعه موضع النهي على الإساءة إليهما للمبالغة و الدلالة على أن ترك الإساءة في شأنهما غير كاف أَوْلٰادَكُمْ مِنْ إِمْلٰاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيّٰاهُمْ وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ- وَ قَالَ هَلْ لَكُمْ مِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ مِنْ شُرَكٰاءَ فِي مٰا رَزَقْنٰاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوٰاءٌ تَخٰافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ وَعَظَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَ رَغَّبَهُمْ فِي الْآخِرَةِ فَقَالَ بخلاف غيرهما، و قوله" مِنْ إِمْلٰاقٍ" أي من أجل فقر و من خشيته. قوله تعالى" وَ لٰا تَقْرَبُوا الْفَوٰاحِشَ": أي الزنا و الكبائر أو جميع المعاصي، و قوله" مٰا ظَهَرَ مِنْهٰا وَ مٰا بَطَنَ" بدل منه أي سرا و علانية و الفسوق الظاهرة و الباطنة، أو ما ظهر تحريمه من ظهر القرآن و ما ظهر تحريمه من بطنه كما ورد في بعض الأخبار. قوله تعالى" إِلّٰا بِالْحَقِّ": كالقود و قتل المرتد و رجم المحصن" ذٰلِكُمْ وَصّٰاكُمْ بِهِ" أي بحفظه" لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" أي تتبعون مقتضى عقولكم الكاملة في الاجتناب عن المحارم، و قيل أي ترشدون فإن الرشد كمال العقل. قوله تعالى" مِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ": صدر الآية هكذا" ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ" أي من مماليككم و من للتبعيض و في قوله" مِنْ شُرَكٰاءَ" مزيدة لتأكيد الاستفهام الجاري مجرى النفي" فِي مٰا رَزَقْنٰاكُمْ" أي من الأموال و غيرها" فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوٰاءٌ" أي فتكونون سواء أنتم و هم فيه شركاء يتصرفون فيه كتصرفكم مع أنهم بشر مثلكم و أنها معارة لكم، و" تَخٰافُونَهُمْ" حال عن" أنتم" أو عن ضمير المخاطبين في" رزقناكم" أي و الحال أنكم تخافون من شركة مماليككم في أموالكم و استبدادهم بالتصرف فيها كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض، و الغرض من التمثيل تنبيه المشركين على أن هؤلاء المشركين إذا لم يرضوا بشركة مماليكهم معهم في التعظيم و التكريم و التصرف و التدبير، كيف يرضون بمشاركة الآلهة مع رب الأرباب وَ مَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا إِلّٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ وَ لَلدّٰارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ خَوَّفَ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ عِقَابَهُ فَقَالَ تَعَالَى ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ. وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ. وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ.- وَ قَالَ إِنّٰا مُنْزِلُونَ عَلىٰ أَهْلِ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّمٰاءِ بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ مع عدم مشاركتهم إياه في شيء من الكمالات في التعظيم و التكريم و التذلل و العبادة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا،" كَذٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيٰاتِ" أي نبينها فإن التمثيل فيما دل عليه البرهان مما يكشف المعاني، و يدفع المشاغبات و المعارضات الوهمية" لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" أي يستعملون عقولهم الكاملة في تدبر الأمثال. قوله تعالى" وَ مَا الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا": أي أعمالها" إِلّٰا لَعِبٌ وَ لَهْوٌ" لقلة نفعها و انقطاعها أو لأنها تلهي الناس و تشغلهم عما يعقب منفعة دائمة" وَ لَلدّٰارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ" لدوامها و خلوص منافعها و لذاتها" لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ" فيه تنبيه على أن ما ليس من أعمال المتقين لعب و لهو" أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ" أو ليس لكم عقل كامل حيث تركتم الأعلى للأدنى مع العلم بالتفاوت بينهما. قوله: عقابه، إما مفعول لقوله خوف أو يعقلون أو لهما على التنازع، و التدمير: الإهلاك، أي بعد ما نجينا لوطا و أهله أهلكنا قومه" و إنكم" يا أهل مكة" لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ" أي على منازلهم في متاجركم إلى الشام، فإن سدوم في طريقه" مُصْبِحِينَ" أي داخلين في الصباح" وَ بِاللَّيْلِ" أي و مساء أو نهارا و ليلا فليس فيكم عقل تعتبرون به. قوله تعالى" عَلىٰ أَهْلِ هٰذِهِ الْقَرْيَةِ" أي قرية قوم لوط" رِجْزاً مِنَ السَّمٰاءِ" أي عذابا منها، و اختلفوا فيه فقيل: إنه كان حجارة من سجيل، و قيل: كان نارا و قيل هو تقليب الأرض، و قد يوجه هذا بأن المراد إنزال مبدئه و القضاء به من السماء لا عينه و هو تكلف مستغنى عنه" بِمٰا كٰانُوا يَفْسُقُونَ" أي بسبب استمرارهم على الفسق. وَ لَقَدْ تَرَكْنٰا مِنْهٰا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَقْلَ مَعَ الْعِلْمِ فَقَالَ وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلَّا الْعٰالِمُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَمَّ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ فَقَالَ وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ قٰالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مٰا أَلْفَيْنٰا عَلَيْهِ آبٰاءَنٰا أَ وَ لَوْ كٰانَ آبٰاؤُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لٰا يَهْتَدُونَ- وَ قَالَ وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمٰا لٰا يَسْمَعُ إِلّٰا دُعٰاءً وَ نِدٰاءً صُمٌّ بُكْمٌ قوله تعالى" وَ لَقَدْ تَرَكْنٰا مِنْهٰا آيَةً بَيِّنَةً": أي من القرية آية بينة دالة على سوء حالهم و عاقبتهم، فقيل: هي قصتها الشائعة و قيل: هي آثار الديار الخربة، و قيل: هي الحجارة الممطورة بعد تقليب الأرض، فإنها كانت باقية بعده، و قيل: هي الماء الأسود فإن أنهارها صارت مسودة" لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" أي يستعملون عقولهم في الاستبصار و الاعتبار، و هو متعلق بتركنا أو" آية". قوله (عليه السلام): إن العقل في التحف ثم بين إن العقل، و الظاهر أن المراد بالعقل هنا التدبر في خلق الله و صنعه، و الاستدلال به على وجوده و صفاته الكاملة، و يمكن إرجاعه إلى بعض ما ذكرنا من المعاني في الحديث الأول. قوله تعالى" وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ": أي للناس الذين سبق ذكرهم" بَلْ نَتَّبِعُ مٰا أَلْفَيْنٰا" أي وجدنا. قوله تعالى" أَ وَ لَوْ كٰانَ": الواو للحال أو للعطف، و الهمزة للرد أو التعجب، و جواب لو محذوف، أي لو كان آباؤهم جهلة لا يتفكرون في أمر الدين و لا يهتدون إلى الحق لاتبعوهم. قوله تعالى" وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا" للناظرين في هذه الآية اختلاف في حلها، فمنهم من قدر مضافا و منهم من حملها على ظاهرها، فأما الذين قدروا مضافا، فمنهم من قدره في جانب المشية، و قال: تقديره و مثل داعي الذين كفروا و هو الرسول و عُمْيٌ فَهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ...- أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَ لَوْ كٰانُوا لٰا يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ من يحذو حذوه في إلقاء الخطاب إليهم، كمثل راعي البهائم الذي ينعق بها و هي لا تسمع إلا دعاءه و نداءه و لا تقف على شيء آخر فقد شبه الكفرة في عدم فهمهم لما يسمعون بها، و منهم من قدر المضاف في جانب المشبه به و قال تقديره: كمثل بهائم الذي ينعق بما لا يسمع في عدم فهم ما ألقي إليهم من الخطاب أو معناه: و مثلهم في اتباعهم آبائهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظاهر الصوت، و لا تفهم ما تحته، و لا يتفكرون في أن صلاحهم فيه أم لا، و أما الذين حملوها على ظاهرها فقال بعضهم: معناها مثل الذين كفروا في دعائهم أصنامهم التي لا شعور لها بدعائهم كمثل الناعق، فقد شبه الأصنام بالبهائم في عدم الفهم، و تحققه فيهما و إن لم يكن متوقفا على قوله: إلا دعاء و نداء، لكن الغرض زيادة المبالغة في التوبيخ إذ لا شبهة في أن راعي البهيمة يعد جاهلا ضعيف العقل، فمن دعا صنما لا يسمع أصلا كان أولى بالذم، و قال آخرون: معناه أن مثلهم في اتباع آبائهم و التقليد لهم كمثل الراعي الذي ينعق بالبهائم، فكما أن الكلام مع البهائم عديم الفائدة كذلك التقليد" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ" أي الكفار صم بكم عمي عن الحق فَهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ، للإخلال بالنظر الموجب للعلم. قوله تعالى" وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ": و في القرآن و منهم من يستمعون إليك، أي إذا قرأت القرآن و علمت الشرائع و لكن لا يطيعونك فيها كالأصم الذي لا يسمع أصلا،" أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ" و تقدر على إسماعه، و لو انضم على صممه عدم تعقله شيئا من الحق لقساوة قلبه. قوله تعالى" أَمْ تَحْسَبُ": أي بل أ تحسب أن أكثرهم يسمعون سماعا ينتفعون به أو يعقلون، أي يتدبرون فيما تلوت عليهم" إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ" لعدم انتفاعهم بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَ قَالَ لٰا يُقٰاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً- إِلّٰا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرٰاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَعْقِلُونَ وَ بما قرع آذانهم" بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" وجه الأضلية إن البهائم معذورة لعدم القابلية و الشعور، و كانت لهم تلك القابلية فضيعوها و نزلوا أنفسهم منزلة البهائم أو أن الأنعام ألهمت منافعها و مضارها، و هي لا تفعل ما يضرها، و هؤلاء عرفوا طريق الهلاك و النجاة و سعوا في هلاك أنفسهم، و أيضا تنقاد لمن يتعهدها و تميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، و هؤلاء لا ينقادون لربهم و لا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان و لا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، و لا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، و لأنها إن لم تعتقد حقا و لم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا، و لم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء، و لأن جهالتها لا تضر بأحد و جهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن، و صد الناس عن الحق. أقول: أو لأنها تعرف ربها و لها تسبيح و تقديس كما ورد به الأخبار، و قيل: المراد إن شئت شبهتهم بالأنعام فلك ذلك، بل لك أن تشبههم بأضل منها كالسباع. قوله تعالى" لٰا يُقٰاتِلُونَكُمْ" نزلت في بني النضير من اليهود و الذين وافقوهم و راسلوهم من منافقي المدينة" جَمِيعاً" أي مجتمعين" إِلّٰا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ" أي بالدروب و الخنادق،" أَوْ مِنْ وَرٰاءِ جُدُرٍ" أي لفرط رهبتهم" بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ" أي ليس ذلك لضعفهم و جبنهم فإنه يشتد بأسهم إذا حارب بعضهم بعضا بل لقذف الله الرعب في قلوبهم، و لأن الشجاع يجبن و العزيز يذل إذا حارب الله و رسوله" تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً" أي مجتمعين متفقين [غير متفرقين]" وَ قُلُوبُهُمْ شَتّٰى" أي متفرقة لافتراق عقائدهم و اختلاف مقاصدهم" ذٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَعْقِلُونَ" أي ما فيه صلاحهم و إن تشتت القلوب يوهن قواهم. قَالَ- وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتٰابَ أَ فَلٰا تَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَمَّ اللَّهُ الْكَثْرَةَ فَقَالَ وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ وَ قَالَ- وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ وَ قَالَ- وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً فَأَحْيٰا بِهِ قوله تعالى" وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ": صدر الآية" أَ تَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ" و المراد بالكتاب القرآن على تقدير أن يكون الخطاب لطائفة من المسلمين، فإن فيه الوعيد على ترك البر و الصلاح و مخالفة القول العمل، مثل قوله تعالى:" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مٰا لٰا تَفْعَلُونَ" أو التوراة على تقدير أن يكون الخطاب لأحبار اليهود، فإن الوعيد المذكور موجود في التوراة أيضا كما قيل. قوله (عليه السلام): ثم ذم الله الكثرة، أي الكثير إطلاقا للمبدء على المشتق، و إنما ذكر (عليه السلام) ذلك ردا مما يتوهم أكثر الخلق من أن كثرة من يذهب إلى مذهب من شواهد حقيته، أو لأنه (عليه السلام) لما بين أن العقلاء الكاملين يتبعون الحق فربما يتوهم منه أنه إذا ذهب أكثر الناس إلى مذهب فيكون ذلك المذهب حقا، لوجود العقلاء فيهم و يلزم من ذلك بطلان ما ذهب إليه الأقل كالفرقة الناجية، فأزال (عليه السلام) ذلك التوهم بأنه لا يلزم من الكثرة وجود العقلاء فيهم، فإن أكثر الناس لا يعقلون. قوله تعالى" عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ" أي عن دينه و شرعه في الأصول و الفروع. قوله تعالى" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ": الضمير راجع إلى كفار قريش و هم كانوا قائلين بأن خالق السماوات و الأرض هو الله تعالى لكنهم كانوا يشركون الأصنام معه تعالى في العبادة. قوله تعالى" قُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ": أي على إلزامهم و إلجائهم إلى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم، إذ لا يستحق العبادة إلا الموجد المنعم بأصول النعم و فروعها الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهٰا لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ مَدَحَ الْقِلَّةَ فَقَالَ- وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ وَ قَالَ وَ قَلِيلٌ مٰا هُمْ وَ قَالَ وَ قٰالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمٰانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا قوله تعالى" بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ": ليس في قرآننا هكذا إذ هذه الآية في سورة لقمان و فيه مكان" لٰا يَعْقِلُونَ" لٰا يَعْلَمُونَ و لعله كان في مصحفهم هكذا، أو يكون التصحيف من الرواة، و يحتمل أن يكون (عليه السلام) نقل بالمعنى إشارة إلى ما مر من استلزام العقل للعلم، فالمعنى أنهم لا يعلمون أنه يلزمهم من القول بالتوحيد في العبادة، أو لا يعلمون ما اعترفوا به ببرهان عقلي و دليل قطعي، لأن كونه تعالى خالق السماوات و الأرض نظري لا يعلم إلا ببرهان، و هم معزولون عن إدراكه و إنما اعترفوا به اضطرارا، أو لا علم لهم أصلا حتى يقروا بالتوحيد بعد ما أقروا بموجبه، و هذه الوجوه جارية في الآية التالية. قوله (عليه السلام): ثم مدح القلة، أي الموصوفين بها أو وصف الممدوحين بالقلة. قوله تعالى" وَ قَلِيلٌ مٰا هُمْ": الضمير راجع إلى الموصول في قوله تعالى" إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ" و ما مزيدة للإبهام و التعجب من قلتهم. قوله تعالى" أَ تَقْتُلُونَ": الهمزة للإنكار إما للتوبيخ، أو للتعجب. أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللّٰهُ وَ قَالَ- وَ مَنْ آمَنَ وَ مٰا آمَنَ مَعَهُ إِلّٰا قَلِيلٌ وَ قَالَ- وَ لٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ وَ قَالَ وَ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْقِلُونَ وَ قَالَ- وَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَشْعُرُونَ يَا هِشَامُ ثُمَّ ذَكَرَ أُولِي الْأَلْبَابِ بِأَحْسَنِ الذِّكْرِ وَ حَلَّاهُمْ بِأَحْسَنِ الْحِلْيَةِ …
الكافي — كتاب العقل و الجهل · كتاب العقل و الجهل