فَقَالَ يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشٰاءُ وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ مٰا يَذَّكَّرُ قوله تعالى" أَنْ يَقُولَ": أي لأن يقول أو وقت أن يقول. قوله تعالى" وَ مَنْ آمَنَ": عطف على" أهلك" في قوله تعالى" قُلْنَا احْمِلْ فِيهٰا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ". قوله تعالى" و أكثرهم لا يشعرون": ليست هذه الآية في قرآننا، و يحتمل الوجوه السابقة، ثم اعلم أنه كان الأنسب ذكر هذه القرائن في سياق آيات ذم الكثرة، كما هو في رواية تحف العقول فهي إما رجوع إلى أول الكلام، أو ذكرت هيهنا لاستلزام ذم الكثرة مدح القلة، و إنما كرر بعض تلك الفقرات مع ذكرها سابقا لتكرر ذكرها في القرآن في مواضع عديدة. قوله (عليه السلام)" أولوا الألباب": هو على الحكاية، و في التحف: أولي الألباب، و اللب: العقل و أريد به هنا ذوي العقول الكاملة. قوله تعالى" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ": الحكمة تحقيق العلم و إتقان العمل، و روي عن الصادق (عليه السلام): أنها طاعة الله و معرفة الإمام، و في رواية أخرى عنه (عليه السلام) أنها معرفة الإمام و اجتناب الكبائر التي أوجب الله تعالى عليها النار، و في رواية أخرى عنه (عليه السلام): أنها المعرفة و الفقه في الدين، فمن فقه منكم فهو حكيم، و عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) رأس الحكمة مخافة الله، و سيأتي تفسيرها في هذا الخبر بالفهم و العقل، و كل ذلك داخل فيما ذكرنا أولا فلا تنافي بينهما. و قال في المغرب: الحكمة ما يمنع من الجهل، و قال ابن دريد: كل ما يؤدي إِلّٰا أُولُوا الْأَلْبٰابِ وَ قَالَ- وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا وَ مٰا يَذَّكَّرُ إِلّٰا أُولُوا الْأَلْبٰابِ وَ قَالَ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ وَ قَالَ أَ فَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمىٰ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ إلى مكرمة أو يمنع من قبيح، و قال الشيخ البهائي ((قدس سره)) الحكمة ما يتضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى، و أما ما تضمن صلاح الحال في الدنيا فقط، فليس من الحكمة في شيء" فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً" أي يدخر له خير كثير في الدارين وَ مٰا يَذَّكَّرُ" أي و ما يتعظ بما قص من الآيات أو ما يتفكر، فإن المتفكر كالمتذكر لما أودع الله في قلبه من العلوم بالقوة، أو ما يتنبه للفرق بين من أوتي الحكمة و من لم يؤت، إلا أولوا العقول الخالصة عن شوائب الوهم و متابعة الهوى. قوله تعالى" وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ": أي الذين ثبتوا و تمكنوا فيه، من قولهم: رسخ الشيء رسوخا: ثبت و المراد بهم النبي و الأئمة (عليه السلام) كما سيأتي في كتاب الحجة، و هم داخلون في الاستثناء،" يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ" استئناف موضح لحال الراسخين أو حال منهم، أي هؤلاء الراسخون العالمون بالتأويل يقولون آمنا بالمتشابه أو بكل القرآن محكمه و متشابهه على التفصيل لعلمهم بمعانيه، و غيرهم إنما يؤمنون به إجمالا، و في بعض الروايات أن القائلين هم الشيعة المؤمنون بالأئمة (عليه السلام) المسلمون لهم" كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا" تأكيد للسابق، أي كل من المحكم و المتشابه من عنده تعالى" وَ مٰا يَذَّكَّرُ إِلّٰا أُولُوا الْأَلْبٰابِ" أي و ما يعلم المتشابه، أو لا يتدبر في القرآن إلا الكاملون في العقول، أو ما يعرف الراسخين في العلم يعني النبي و الأئمة (عليه السلام) و ما يذكر حالهم إلا أولو الألباب يعني شيعتهم، و قد ورد منهم (عليه السلام) أن شيعتنا أولوا الألباب، و سيأتي تمام القول فيها في كتاب الحجة إن شاء الله تعالى. قوله تعالى" كَمَنْ هُوَ أَعْمىٰ": أي أعمى القلب، فاقد البصيرة، لا يهتدي إلى الحق. وَ قَالَ أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ آنٰاءَ اللَّيْلِ سٰاجِداً وَ قٰائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ- وَ قَالَ كِتٰابٌ أَنْزَلْنٰاهُ إِلَيْكَ مُبٰارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيٰاتِهِ وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبٰابِ- قوله تعالى" أَمَّنْ هُوَ قٰانِتٌ": أي قائم بوظائف الطاعات من القنوت و هو الطاعة" آنٰاءَ اللَّيْلِ" أي ساعاته، و أم متصلة بمحذوف، تقديره: الكافر خير أمن هو قانت، أو منقطعة و المعنى بل أمن هو قانت كمن هو بضده، و قرأ أمن بالتخفيف بمعنى أمن هو قانت كمن جعل له أندادا" سٰاجِداً وَ قٰائِماً" حالان من ضمير قانت، و الواو للجمع بين الصفتين" يَحْذَرُ الْآخِرَةَ" في موضع الحال أو الاستئناف للتعليل" هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ" نفي لاستواء الفريقين باعتبار القوة العلمية بعد نفيه باعتبار القوة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، و قيل: تقرير للأول على سبيل التشبيه، أي كما لا يستوي العالمون و الجاهلون لا يستوي القانتون و العاصون." إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ" أي إنما يعلم كل الشريعة و المعارف الإلهية، و معارف القرآن كما هي أولوا العقول الكاملة البالغة إلى أعلى درجات الكمال، و هم الأئمة (عليه السلام) أو إنما يتذكر و يعلم الفرق بين العالم المذكور و الجاهل ذوو العقول الصافية، و هم شيعتهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الأخبار الكثيرة: أن الأئمة (عليه السلام) هم الذين يعلمون، و أعداءهم الذين لا يعلمون، و شيعتهم أولوا الألباب. قوله تعالى" كِتٰابٌ": هو مبتدأ" و مُبٰارَكٌ" خبره أو هو خبر مبتدإ محذوف، و مبارك خبر بعد خبر" لِيَدَّبَّرُوا آيٰاتِهِ" فيعرفوا معاني المحكمات، ثم يعرفوا بدلالتها على أهل الذكر (عليه السلام) معاني المتشابهات بوساطتهم بالسماع منهم،" وَ لِيَتَذَكَّرَ" و يعلم جميع معانيه من محكماته و متشابهاته بتوفيق الله تعالى" أُولُوا الْأَلْبٰابِ" و هم أهل البيت (عليه السلام)، أو ليتذكر و يهتدي بأهل الذكر ذوو العقول الصافية و هم علماء الشيعة الذين أخذوا علوم القرآن عن أئمتهم (عليه السلام). وَ قَالَ وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسَى الْهُدىٰ وَ أَوْرَثْنٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ الْكِتٰابَ هُدىً وَ ذِكْرىٰ- لِأُولِي الْأَلْبٰابِ وَ قَالَ وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ- إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَذِكْرىٰ لِمَنْ كٰانَ لَهُ قَلْبٌ يَعْنِي عَقْلٌ وَ قَالَ وَ لَقَدْ آتَيْنٰا لُقْمٰانَ الْحِكْمَةَ قَالَ الْفَهْمَ وَ الْعَقْلَ قوله تعالى" وَ لَقَدْ آتَيْنٰا مُوسَى الْهُدىٰ" أي ما يهتدى به في الدين من المعجزات و التوراة و الشرائع،" وَ أَوْرَثْنٰا بَنِي إِسْرٰائِيلَ الْكِتٰابَ" أي و تركنا عليهم بعده التوراة" هُدىً" [هو] إما مفعول له لقوله" أَوْرَثْنٰا" أو حال عن فاعله أو عن الكتاب، أي هاديا و" ذِكْرىٰ" أي تذكرة أو مذكرا" لِأُولِي الْأَلْبٰابِ" أي لذوي العقول السليمة عن اتباع الهوى فإنهم المنتفعون به. قوله تعالى" تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ": أي الذين علم الله إنهم يؤمنون أو يصير سببا لمزيد هداية من آمن و بانضمام هذه الآية إلى الآيات السابقة يستفاد أن المؤمنين ليسوا إلا أولي الألباب. قوله (عليه السلام): يعني عقل، اعلم أن القلب يطلق على الجسم الصنوبري الذي هو في الجوف، و على الروح الحيواني المنبعث منه، و على النفس الناطقة المتعلقة به أولا لشدة تعلقه بالعضو المخصوص، أو لكونه متقلب الأحوال، و على قوة إدراك الخير و الشر و التميز بينهما القائمة بالنفس المسماة بالعقل، و لعله (عليه السلام) فسره بهذا المعنى. قوله (عليه السلام): الفهم و العقل، يعني أعطاه الله الفهم و العقل، و عليها مدار الحكمة فكان إعطاؤهما إعطاءها. يَا هِشَامُ إِنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ تَوَاضَعْ لِلْحَقِّ تَكُنْ أَعْقَلَ النَّاسِ وَ إِنَّ الْكَيِّسَ لَدَى الْحَقِّ يَسِيرٌ يَا بُنَيَّ إِنَّ الدُّنْيَا بَحْرٌ عَمِيقٌ قَدْ غَرِقَ فِيهَا عَالَمٌ كَثِيرٌ فَلْتَكُنْ سَفِينَتُكَ فِيهَا تَقْوَى اللَّهِ وَ حَشْوُهَا الْإِيمَانَ وَ شِرَاعُهَا التَّوَكُّلَ وَ قَيِّمُهَا الْعَقْلَ وَ دَلِيلُهَا الْعِلْمَ وَ سُكَّانُهَا الصَّبْرَ قوله (عليه السلام): تواضع للحق، أي لله تعالى بالإقرار به و الإطاعة و الانقياد له، أو للأمر الحق بأن تقر به و تذعن له، إذا ظهر لك حقيقته عند المخاصمة و غيرها، و كونهما من دلائل العقل ظاهر. قوله (عليه السلام): و إن الكيس لدى الحق يسير، قال بعض الأفاضل في المصادر: الكيس و الكياسة" زيرك شدن" و الكيس" به زيركى غلبه كردن" فيحتمل أن يكون اليسير بمعنى القليل و الكيس بأول المعنيين، و أن يكون اليسير مقابل العسير، و الكيس بأحد المعنيين، و المراد أن إدراك الحق و معرفته لدى موافاته بالكياسة يسير، أو أن الغلبة بالكياسة عند القول بالحق و الإقرار به يسير، و يحتمل أن يكون الكيس بالتشديد أي ذو الكياسة عند ظهور الحق بأعمال الكياسة، و الإقرار بالحق قليل، انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول: على تقدير أن يكون الكيس بالتشديد يحتمل أن يكون يسير فعلا بل على التقدير الآخر أيضا، و قيل معناه على التقدير الآخر: إن كياسة الإنسان عند الحق سهل هين لا قدر له، و إنما الذي له منزلة عند الله هو التواضع و المسكنة و الخضوع، و في بعض النسخ أسير بدل يسير، أي الكياسة أو صاحبها أسير عند الحق، و لا يمكنه مخالفته، و في بعض النسخ لذي الحق بالذال المعجمة أي للمحق و هو بالنسخة الأخيرة أنسب. قوله (عليه السلام): عالم كثير، يمكن أن يقرأ بفتح اللام و كسرها. قوله (عليه السلام): و حشوها، أي ما يحشى فيها و تملأ منها، و الشراع ككتاب الملاءة الواسعة فوق خشبة يصفقها الريح فتمضي بالسفينة، و القيم مدبر أمر السفينة، و يَا هِشَامُ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ دَلِيلًا وَ دَلِيلُ الْعَقْلِ التَّفَكُّرُ وَ دَلِيلُ التَّفَكُّرِ الصَّمْتُ وَ لِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةً وَ مَطِيَّةُ الْعَقْلِ التَّوَاضُعُ وَ كَفَى بِكَ جَهْلًا أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ يَا هِشَامُ مَا بَعَثَ اللَّهُ أَنْبِيَاءَهُ وَ رُسُلَهُ إِلَى عِبَادِهِ إِلَّا لِيَعْقِلُوا عَنِ اللَّهِ فَأَحْسَنُهُمُ اسْتِجَابَةً أَحْسَنُهُمْ مَعْرِفَةً وَ أَعْلَمُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ أَحْسَنُهُمْ عَقْلًا وَ أَكْمَلُهُمْ عَقْلًا أَرْفَعُهُمْ دَرَجَةً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ الدليل: المعلم و قال في المغرب السكان ذنب السفينة لأنها به تقوم و تسكن، و المناسبة بين المشبه و المشبه به في جميعها لا يخفى على الفطن اللبيب. قوله (عليه السلام): و دليل العقل، أي التفكر في الإنسان يدل على عقله، كما أن صمته يدل على تفكره، أو أن التفكر يوصل العقل إلى مطلوبه، و ما يحصل له من المعارف و الكمالات، و كذا الصمت دليل للتفكر فإن التفكر به يتم و يكمل. قوله (عليه السلام): و مطية العقل التواضع، أي التذلل و الانقياد لله تعالى في أوامره و نواهيه أو الأعم من التواضع لله تعالى أو للخلق، فإن من لم يتواضع يبقى عقله بلا مطية، فيصير إلى الجهل أو لا يبلغ عقله إلى درجات الكمال، و المطية: الدابة المركوبة التي تمطو في سيرها أي تسرع، و في تحف العقول مكان العقول في الموضعين العاقل، و لا يخفى توجيهه، و الخطاب في قوله: كفى بك، عام كقوله فيما سيأتي كيف يزكو عملك، و أخواتها. قوله (عليه السلام): إلا ليعقلوا، ضمير الجمع راجع إلى العباد، و إرجاعه إلى الأنبياء بعيد، أي ليعلموا علوم الدين أصولا و فروعا عنه تعالى بتوسط الأنبياء و الأوصياء (عليه السلام) فالعقل هنا بمعنى العلم، أو لتصير عقولهم كاملة بحسب الكسب بهداية الله تعالى، و التفريع بالأول أنسب. قوله (عليه السلام): فأحسنهم استجابة، لما كان غاية البعثة و الإرسال حصول المعرفة، فمن كان أحسن معرفة كان أحسن استجابة، و من كان أحسن عقلا كان أعلم بأمر الله و أعمل، فالأكمل عقلا أرفع درجة حيث يتعلق رفع الدرجة بكمال ما هو الغاية. يَا هِشَامُ إِنَّ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وَ حُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَئِمَّةُ(عليهم السلام)وَ أَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ الَّذِي لَا يَشْغَلُ الْحَلَالُ شُكْرَهُ وَ لَا يَغْلِبُ الْحَرَامُ صَبْرَهُ- يَا هِشَامُ مَنْ سَلَّطَ ثَلَاثاً عَلَى ثَلَاثٍ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ مَنْ أَظْلَمَ نُورَ تَفَكُّرِهِ بِطُولِ أَمَلِهِ وَ مَحَا طَرَائِفَ حِكْمَتِهِ بِفُضُولِ كَلَامِهِ وَ أَطْفَأَ نُورَ عِبْرَتِهِ بِشَهَوَاتِ نَفْسِهِ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ هَوَاهُ عَلَى هَدْمِ عَقْلِهِ وَ مَنْ هَدَمَ عَقْلَهُ أَفْسَدَ عَلَيْهِ دِينَهُ وَ دُنْيَاهُ يَا هِشَامُ كَيْفَ يَزْكُو عِنْدَ اللَّهِ عَمَلُكَ وَ أَنْتَ قَدْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ عَنْ أَمْرِ رَبِّكَ وَ قوله (عليه السلام): و أما الباطنة فالعقول، لعل المراد بها هيهنا أي التي مناط التكليف و بها يميز بين الحق و الباطل و الحسن و القبيح. قوله (عليه السلام): لا يشغل الحلال شكره، أي لا يمنعه كثرة نعم الله عليه، و الاشتغال بها عن شكره لربه تعالى. قوله (عليه السلام): نور تفكره، هو فاعل أظلم، لأنه لازم، و إضافته إلى التفكر إما بيانية أو لامية، و السبب في ذلك أن بطول الأمل يقبل إلى الدنيا و لذاتها، فيشغل عن التفكر، أو يجعل مقتضى طول الأمل ماحيا بمقتضى فكره الصائب، و الطريف: الأمر الجديد المستغرب، الذي فيه نفاسة و محو الطرائف بالفضول، إما لأنه إذا اشتغل بالفضول شغل عن الحكمة في زمان التكلم بالفضول، أو لأنه لما سمع الناس منه الفضول لم يعبأوا بحكمته، أو لأنه إذا اشتغل به محي الله عن قلبه الحكمة. قوله (عليه السلام): أفسد عليه، أي أفسد على نفسه دينه و دنياه لما مر من قوله: أكملهم عقلا أرفعهم درجة في الدنيا و الآخرة. قوله (عليه السلام): كيف يزكو، الزكاة تكون بمعنى النمو و بمعنى الطهارة و هنا يحتملها. قوله (عليه السلام): عن أمر ربك، الأمر هنا إما مقابل النهي، أو بمعنى مطلق أَطَعْتَ هَوَاكَ عَلَى غَلَبَةِ عَقْلِكَ يَا هِشَامُ الصَّبْرُ عَلَى الْوَحْدَةِ عَلَامَةُ قُوَّةِ الْعَقْلِ فَمَنْ عَقَلَ عَنِ اللَّهِ اعْتَزَلَ أَهْلَ الدُّنْيَا وَ الرَّاغِبِينَ فِيهَا وَ رَغِبَ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ وَ كَانَ اللَّهُ أُنْسَهُ فِي الْوَحْشَةِ وَ صَاحِبَهُ فِي الْوَحْدَةِ وَ غِنَاهُ فِي الْعَيْلَةِ وَ مُعِزَّهُ مِنْ غَيْرِ عَشِيرَةٍ يَا هِشَامُ نَصْبُ الْحَقِّ لِطَاعَةِ اللَّهِ وَ لَا نَجَاةَ إِلَّا بِالطَّاعَةِ وَ الطَّاعَةُ بِالْعِلْمِ وَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ وَ التَّعَلُّمُ بِالْعَقْلِ يُعْتَقَدُ وَ لَا عِلْمَ إِلَّا مِنْ عَالِمٍ رَبَّانِيٍّ وَ مَعْرِفَةُ الْعِلْمِ بِالْعَقْلِ الشأن، أي الأمور المتعلقة به تعالى. قوله (عليه السلام): عقل عن الله، أي حصل له معرفة ذاته و صفاته و أحكامه و شرائعه، أو أعطاه الله العقل، أو علم الأمور بعلم ينتهي إلى الله بأن أخذه عن أنبيائه و حججه (عليه السلام) إما بلا واسطة أو بواسطة، أو بلغ عقله إلى درجة يفيض الله علومه عليه بغير تعليم بشر. قوله (عليه السلام): و غناه، أي مغنية، أو كما أن أهل الدنيا غناهم بالمال، هو غناه بالله و قربه و مناجاته، و العيلة: الفقر، و العشيرة: القبيلة و الرهط الأدنون. قوله: نصب الحق، و في تحف العقول نصب الخلق، و النصب إما مصدر أو فعل مجهول، و قراءته على المعلوم بحذف الفاعل أو المفعول كما توهم بعيد، أي إنما نصب الله الحق و الدين بإرسال الرسل و إنزال الكتب ليطاع في أوامره و نواهيه. قوله (عليه السلام): و التعلم بالعقل يعتقد، أي يشتد و يستحكم، أو من الاعتقاد بمعنى التصديق و الإذعان. قوله (عليه السلام): و معرفة العلم، و في التحف و معرفة العالم و هو أظهر، و المراد هنا علم العالم، و الغرض أن احتياج العلم إلى العقل من جهتين لفهم ما يلقيه العالم، و المعرفة العالم الذي ينبغي أخذ العلم عنه، و يحتمل أن يكون المعنى أن العقل هو المميز الفارق بين العلم اليقيني، و ما يشبهه من الأوهام الفاسدة و الدعاوي الكاذبة، أو من الظن و الجهل المركب و التقليد. يَا هِشَامُ قَلِيلُ الْعَمَلِ مِنَ الْعَالِمِ مَقْبُولٌ مُضَاعَفٌ وَ كَثِيرُ الْعَمَلِ مِنْ أَهْلِ الْهَوَى وَ الْجَهْلِ مَرْدُودٌ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ رَضِيَ بِالدُّونِ مِنَ الدُّنْيَا مَعَ الْحِكْمَةِ وَ لَمْ يَرْضَ بِالدُّونِ مِنَ الْحِكْمَةِ مَعَ الدُّنْيَا- فَلِذَلِكَ رَبِحَتْ تِجٰارَتُهُمْ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعُقَلَاءَ تَرَكُوا فُضُولَ الدُّنْيَا فَكَيْفَ الذُّنُوبَ وَ تَرْكُ الدُّنْيَا مِنَ الْفَضْلِ وَ تَرْكُ الذُّنُوبِ مِنَ الْفَرْضِ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ نَظَرَ إِلَى الدُّنْيَا وَ إِلَى أَهْلِهَا فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ وَ نَظَرَ إِلَى الْآخِرَةِ فَعَلِمَ أَنَّهَا لَا تُنَالُ إِلَّا بِالْمَشَقَّةِ فَطَلَبَ بِالْمَشَقَّةِ أَبْقَاهُمَا يَا هِشَامُ إِنَّ الْعُقَلَاءَ زَهِدُوا فِي الدُّنْيَا وَ رَغِبُوا فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا طَالِبَةٌ مَطْلُوبَةٌ وَ الْآخِرَةَ طَالِبَةٌ وَ مَطْلُوبَةٌ فَمَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ طَلَبَتْهُ الدُّنْيَا حَتَّى قوله (عليه السلام): من العالم، في التحف من العاقل. قوله (عليه السلام) بالدون، أي القليل و اليسير منها مع الحكمة الكثيرة، و لم يرض بالقليل من الحكمة مع الدنيا الكثيرة. قوله (عليه السلام): فضول الدنيا، أي الزائد عما يحتاج إليه، و قوله: و ترك الدنيا جملة حالية. قوله (عليه السلام): طالبة مطلوبة، أي الدنيا طالبة للمرء لأن يوصل إليه ما عندها من الرزق المقدر، و مطلوبة يطلبها الحريص طلبا للزيادة، و الآخرة طالبة تطلبه لتوصل إليه أجله المقدر و مطلوبة يطلبها الطالب للسعادات الأخروية بالأعمال الصالحة، و قال بعض الأفاضل: لا يبعد أن يقال الإتيان بالعاطف في الآخرة بقوله: و الآخرة طالبة و مطلوبة، و تركه في قوله: الدنيا طالبة مطلوبة، للتنبيه على أن الدنيا طالبة موصوفة بالمطلوبية، فيكون الطالبة لكونها موصوفة بمنزلة الذات، فدل على أن الدنيا من حقها في ذاتها أن تكون طالبة، و تكون المطلوبة لكونها صفة لا حقة يَسْتَوْفِيَ مِنْهَا رِزْقَهُ وَ مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا طَلَبَتْهُ الْآخِرَةُ فَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيُفْسِدُ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَ آخِرَتَهُ يَا هِشَامُ مَنْ أَرَادَ الْغِنَى بِلَا مَالٍ وَ رَاحَةَ الْقَلْبِ مِنَ الْحَسَدِ وَ السَّلَامَةَ فِي الدِّينِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي مَسْأَلَتِهِ بِأَنْ يُكَمِّلَ عَقْلَهُ فَمَنْ عَقَلَ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ وَ مَنْ قَنِعَ بِمَا يَكْفِيهِ اسْتَغْنَى وَ مَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِمَا يَكْفِيهِ لَمْ يُدْرِكِ الْغِنَى أَبَداً يَا هِشَامُ إِنَّ اللَّهَ حَكَى عَنْ قَوْمٍ صَالِحِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا رَبَّنٰا لٰا تُزِغْ قُلُوبَنٰا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنٰا وَ هَبْ لَنٰا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّٰابُ- حِينَ عَلِمُوا أَنَّ الْقُلُوبَ تَزِيغُ وَ تَعُودُ إِلَى عَمَاهَا وَ رَدَاهَا إِنَّهُ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ وَ مَنْ لَمْ يَعْقِلْ عَنِ اللَّهِ لَمْ يَعْقِدْ قَلْبَهُ عَلَى مَعْرِفَةٍ ثَابِتَةٍ يُبْصِرُهَا وَ يَجِدُ حَقِيقَتَهَا فِي قَلْبِهِ وَ لَا يَكُونُ أَحَدٌ كَذَلِكَ إِلَّا مَنْ كَانَ قَوْلُهُ لِفِعْلِهِ مُصَدِّقاً وَ سِرُّهُ لِعَلَانِيَتِهِ مُوَافِقاً بالطالبة من الطواري التي ليس من حق الدنيا في ذاتها أن تكون موصوفة بها، فلو أتى بالعاطف لفاتت تلك الدلالة، و أما الآخرة فلما كانت الأمران أي الطالبية و المطلوبية كلاهما مما تستحقها و تتصف بها في ذاتها، فأتى بالعاطف، و إن حمل قوله: الدنيا طالبة مطلوبة، على تعدد الخبر ففي ترك العاطف دلالة على عدم ارتباط طالبيتها بمطلوبيتها، و في الآخرة فالأمران فيها مرتبطان لا يفارق أحدهما الآخر، و لذا أتى بالواو الدالة على المقارنة في أصل الثبوت لها. قوله تعالى" لٰا تُزِغْ" الزيغ: الميل و العدول عن الحق، و الردى الهلاك و الضلال. قوله (عليه السلام): من كان قوله لفعله مصدقا، على صيغة اسم الفاعل أي ينبغي أن يأتي أولا بما يأمره، ثم يأمر غيره ليكون قوله مصدقا لما يفعله، و إذا فعل فعلا من أفعال الخير و سئل عن سببه أمكنه أن يبين حقيته بالبراهين العقلية و النقلية، لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ اسْمُهُ لَمْ يَدُلَّ عَلَى الْبَاطِنِ الْخَفِيِّ مِنَ الْعَقْلِ إِلَّا بِظَاهِرٍ مِنْهُ وَ نَاطِقٍ عَنْهُ و يمكن أن يقرأ على صيغة المفعول فيحتمل وجهين: الأول: أن الناس يصدقون قوله لفعله، و موافقته له، الثاني: أن يكون الفعل مصدقا له. قوله (عليه السلام): لأن الله. خطر بالبال لتوجيهه وجهان" الأول": أنه (عليه السلام) ادعى أولا أن الخوف من الله تعالى خوفا واقعيا يصير سببا لترك الذنوب في جميع الأحوال، لا يكون إلا بأن يرزق العبد من الله تعالى عقلا موهبيا يبصر حقيقة الخير و الشر كما هي، ثم بين (عليه السلام) ذلك بأن من لم يكن بهذه الدرجة من العقل لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة للخير و الشر يبصرها و يجد حقيقة تلك المعرفة في قلبه، ثم بين أن تلك المعرفة الثابتة يلزمها أن يكون قول العبد موافقا لفعله، و فعله موافقا لسره و ضميره، لأن الله تعالى جعل ما يظهر على الجوارح دليلا على ما في القلب، و يفضح المتصنع بما يظهر من سوء قوله و فعله، فثبت بتلك المقدمات ما ادعى (عليه السلام) من أن الخوف الواقعي لا يكون إلا بالعقل عن الله" الثاني" أن لا يكون قوله(عليه السلام)و من لم يعقل تعليلا لما سبق بل مقدمة برأسها، و حاصلها: أن المعرفة الثابتة لا تحصل إلا بالعقل، كما أن الخوف لا يحصل إلا به، ثم بين (عليه السلام) دليلا يعرف به تلك المعرفة الثابتة التي هي من آثار العقل و لوازمها و دلائلها، و هي كون القول موافقا للفعل و السر أي ما يفعل في الخلوات موافقا للعلانية، ثم علل ذلك بأن الله تعالى جعل تلك الآثار دليلا على العقل الذي أخفاه في الإنسان، و لا يمكن معرفته إلا بها. و قال بعض مشايخنا (قدس الله روحه): لعل المراد أنه من لم يكن صالحا لم يخف الله لأنه من لم يكن صالحا لم يكن قوله مصدقا لفعله و سره موافقا لعلانيته و من لم يكن كذلك لم يكن ذا معرفة ثابتة يجد حقيقتها في قلبه، لأن الله تعالى جعل الظاهر دليلا على الباطن، فالفعل ظاهر يدل على الاعتقاد الذي هو من الخفايا و السرائر، و يكشف عنه، و القول ظاهر يعبر عنه، فإن دل الفعل على عدم تقرر يَا هِشَامُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)يَقُولُ مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الْعَقْلِ وَ مَا تَمَّ عَقْلُ امْرِئٍ حَتَّى يَكُونَ فِيهِ خِصَالٌ شَتَّى الْكُفْرُ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونَانِ وَ الرُّشْدُ وَ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولَانِ وَ فَضْلُ مَالِهِ مَبْذُولٌ وَ فَضْلُ قَوْلِهِ مَكْفُوفٌ وَ نَصِيبُهُ مِنَ الدُّنْيَا الْقُوتُ لَا يَشْبَعُ مِنَ الْعِلْمِ دَهْرَهُ الذُّلُّ أَحَبُّ إِلَيْهِ مَعَ اللَّهِ مِنَ الْعِزِّ مَعَ غَيْرِهِ وَ التَّوَاضُعُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الشَّرَفِ يَسْتَكْثِرُ قَلِيلَ الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِهِ وَ يَسْتَقِلُّ كَثِيرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ نَفْسِهِ وَ يَرَى النَّاسَ كُلَّهُمْ خَيْراً مِنْهُ وَ أَنَّهُ شَرُّهُمْ فِي نَفْسِهِ الاعتقاد و ثبوته و لم يصدقه القول، فالمعتبر دلالة الفعل و أما دلالة الفعل على التقرر و الثبوت بحقيقة المعرفة مع مخالفة القول فغير متصور، فإن القول إذن فعل دال على عدم ثبوت حقيقة المعرفة و تقررها في قلبه، و من لم يكن يجد حقيقة المعرفة في قلبه لم يكن ذا معرفة ناشئة عن جانب الله و من لم يكن عاقلا عن الله لم يخف الله و لا يخفى ما فيه. قوله (عليه السلام): ما عبد الله بشيء، أي العقل أفضل العبادات، فالمراد بالعقل معرفة ذات الله تعالى و صفاته، و كلما يجب معرفته من أصول الدين و فروعه، أو المراد به تكميل القوة العقلية، و يحتمل أن يكون المراد ليس شيء من أسباب العبادة و دواعيها مثل العقل. قوله (عليه السلام) الكفر و الشر، أي جميع أنواع الكفر كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى. قوله عليه السلام: دهره، منصوب بالظرفية أي في تمام عمره. قوله (عليه السلام): الذل أحب إليه، أي الذل و العز الدنيويان أو ذل النفس و عزها و ترفعها، و قوله: مع الله أي مع رضاه تعالى و قربه و طاعته. قوله (عليه السلام) و يرى الناس كلهم، و ذلك بأن يحسن ظنه بهم و يتهم نفسه، فكل ما في غيره مما يحتمل وجها حسنا يحمله عليه، و كل ما فيه مما يحتمل وجها وَ هُوَ تَمَامُ الْأَمْرِ يَا هِشَامُ إِنَّ الْعَاقِلَ لَا يَكْذِبُ وَ إِنْ كَانَ فِيهِ هَوَاهُ يَا هِشَامُ لَا دِينَ لِمَنْ لَا مُرُوَّةَ لَهُ وَ لَا مُرُوَّةَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ وَ إِنَّ أَعْظَمَ النَّاسِ قَدْراً الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِهِ خَطَراً أَمَا إِنَّ أَبْدَانَكُمْ لَيْسَ لَهَا ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةُ فَلَا تَبِيعُوهَا بِغَيْرِهَا يَا هِشَامُ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)كَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالٍ يُجِيبُ إِذَا سُئِلَ وَ يَنْطِقُ إِذَا عَجَزَ الْقَوْمُ عَنِ الْكَلَامِ وَ يُشِيرُ بِالرَّأْيِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ صَلَاحُ أَهْلِهِ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ شَيْءٌ فَهُوَ أَحْمَقُ قبيحا يجوزه في نفسه، فيظن بغيره خيرا، و لا يظن بنفسه خيرا فيظن بكل منهم أنه خير منه، و يكون هو عند نفسه شرا منهم. قوله (عليه السلام): و هو تمام الأمر، أي كل أمر من أمور الدين يتم به أو كأنه جميع أمور الدين مبالغة. قوله (عليه السلام): لا مروة، المروة: الإنسانية و كمال الرجولية، و هي الصفة الجامعة لمكارم الأخلاق و محاسن الآداب. قوله (عليه السلام): خطرا، الخطر الحظ و النصيب و القدر و المنزلة، و السبق: الذي يتراهن عليه، و الكل محتمل. قوله (عليه السلام): يجيب إذا سئل، قيل: أي يكون قادرا على الجواب عما يسأل، و النطق عند عجز القوم عن الكلام، و مشيرا بالرأي الذي فيه صلاح القوم، و عارفا بصلاحهم و آمرا به، فمن لم يكن فيه شيء من هذه الثلاث فهو أحمق أي عديم الفهم ناقص التميز بين الحسن و القبيح، و لعل قوله (عليه السلام): يجيب إذا سئل، ناظر إلى الفتاوى في النقليات و الشرعيات، و قوله: و ينطق إذا عجز القوم، ناظر إلى تحقيق المعارف و العقليات، و يشير بالرأي، ناظر إلى معرفة التدبير و السياسات في العمليات فمن جمع فيه الخصال الثلاث دل على كمال عقله النظري و العملي، و من لم يكن فيه شيء منها كان ناقص …
الكافي — كتاب العقل و الجهل · كتاب العقل و الجهل