عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ نُوحِ بْنِ شُعَيْبٍ النَّيْسَابُورِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّهْقَانِ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَنْ عُرْوَةَ ابْنِ أَخِي شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَقُولُ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)يَقُولُ يَا طَالِبَ الْعِلْمِ إِنَّ الْعِلْمَ ذُو فَضَائِلَ كَثِيرَةٍ فَرَأْسُهُ التَّوَاضُعُ وَ عَيْنُهُ لها من الفتور عن الطاعات و عدم الرغبة إلى الحق بسبب الاشتغال بالشهوات، أو الكسل الذي يحصل لها بكثرة الطاعات، فإن نفائس الحكمة ينبه النفس و ينشطها بل يحييها بعد موتها كما هو المجرب. الحديث الثاني ضعيف. قوله (عليه السلام) إن العلم ذو فضائل كثيرة: أقول: لما أراد (عليه السلام) التنبيه على فضائل العلم شبهه بشخص كامل روحاني له أعضاء و قوي كلها روحانية بعضها ظاهرة و بعضها باطنة، فالظاهرة كالرأس و العين و الأذن و اللسان و اليد و الرجل، و الباطنة كالحفظ و القلب و العقل و الهمة و الحكمة، و له مستقر روحاني و مركب و سلاح و سيف و قوس و جيش و مال و ذخيرة و زاد و مأوى و دليل و رفيق كلها معنوية روحانية ثم إنه (عليه السلام) بين انطباق هذا الشخص الروحاني بجميع أجزائه على هذا الهيكل الجسماني إكمالا للتشبيه، و إيماء إلى أن العلم إذا استقر في قلب إنسان يملك جميع جوارحه، و يظهر آثاره من كل منها، فرأس العلم و هو التواضع يملك هذا الرأس الجسداني و يخرج منه التكبر و النخوة التي هو مسكنها، و يستعمله فيما يقتضيه التواضع من الانكسار و التخشع و كما أن الرأس البدني بانتفائه ينتفي حياة البدن فكذا بانتفاء التواضع عند الخالق و الخلائق تنتفي حياة العلم فهو كجسد بلا روح لا يصير مصدرا لأثر و هاتان الجهتان ملحوظتان في جميع الفقرات، و ذكره يوجب الإطناب و ما ذكرناه كاف لأولي الألباب. قوله (عليه السلام) و عينه البراءة من الحسد: لأن العالم إذا حسد يخفى علمه عن الْبَرَاءَةُ مِنَ الْحَسَدِ وَ أُذُنُهُ الْفَهْمُ وَ لِسَانُهُ الصِّدْقُ وَ حِفْظُهُ الْفَحْصُ وَ قَلْبُهُ حُسْنُ النِّيَّةِ وَ عَقْلُهُ مَعْرِفَةُ الْأَشْيَاءِ وَ الْأُمُورِ وَ يَدُهُ الرَّحْمَةُ وَ رِجْلُهُ زِيَارَةُ الْعُلَمَاءِ وَ هِمَّتُهُ السَّلَامَةُ غيره، و ذلك يوجب عدم تذكره و نقص علمه، و كذا يوجب عدم استعلامه ما لا يعلمه عمن يعلمه لأنه يبغضه بحسده و لا يريد أن يعلم الناس أنه قابل للتعليم، فالحاسد علمه أعمى، و لما كان الحسد بالعين نسب إليها،" و أذنه الفهم" أي فهم المراد و المقصود، لأن الذهن إذا لم يفهم المعنى المقصود كان كالذي يخاطب بما لا يسمع، و أيضا الأذن آلة للفهم فناسبه" و لسانه الصدق" لأنه إذا لم يكن مع العلم الصدق كان كالأبكم، إذ كما أن الأبكم لا ينتفع الناس بمنطقة فكذا العالم الكاذب لا ينتفع الناس بإفاداته، لعدم اعتمادهم عليه" و حفظه الفحص" هو البحث و الكشف عن الشيء و العلم بدون الفحص كالذي لا حفظ له فيغفل عن كثير و ينسى كثيرا. " و قلبه حسن النية" و هو أن لا يكون له مقصود في طلب العلم و بذله إلا رضى الرب سبحانه، حتى يترتب عليه الحياة الأبدية، فالعلم العاري عن ذلك كمن لا قلب له فلا حياة له، و المناسبة ظاهرة، و" عقله" أي ما هو فيه بمنزلة النفس للبدن، أو بمنزلة القوة المميزة بين الحسن و القبيح، و المراد بمعرفة الأشياء و الأمور إما معرفة جميع الأمور التي لا بد من معرفتها أو معرفة الدنيا و فنائها، و ما يوجب الزهد فيها و الإعراض عنها و التوجه إلى جناب الحق تعالى و معرفة من يجب متابعته، و يجوز أخذ العلم عنه، فإن معرفة هذه الأشياء يوجب حصول العلم الكامل، و تحصيله من معدنه و إفاضة العلوم الربانية عليه، فهي بالنسبة إلى مجموع العلم كالنفس أو كالقوة المميزة في أن العلم لا يحصل إلا بها، و لها تعلق تام بالقلب المتقدم ذكره، و يمكن حمله على معرفة مبادئ العلوم الحقة و ما يتوقف تحصيلها عليه، و الأوسط أظهر. " و يده الرحمة" أي الرحمة على المحتاجين إليه من العلم أو الأعم منه و من غيره، و العلم مع عدمها كالذي لا يدله، و كذا زيارة العلماء كالرجل له، إذ لولاها لما انتقل وَ حِكْمَتُهُ الْوَرَعُ وَ مُسْتَقَرُّهُ النَّجَاةُ وَ قَائِدُهُ الْعَافِيَةُ وَ مَرْكَبُهُ الْوَفَاءُ وَ سِلَاحُهُ لِينُ الْكَلِمَةِ وَ سَيْفُهُ الرِّضَا وَ قَوْسُهُ الْمُدَارَاةُ وَ جَيْشُهُ مُحَاوَرَةُ الْعُلَمَاءِ وَ مَالُهُ الْأَدَبُ العلم من أحد إلى آخر، و المراد بالسلامة إما سلامته من المعاصي أو سلامة الناس من شره. قوله (عليه السلام): و حكمته، أي ما به اختياره للصدق و الصواب، و الورع اجتناب المحرمات و الشبهات، أي ما به يختار الصدق و الصواب، و هو التحرز عن ارتكاب ما لا يليق من القول و الاعتقاد و الفعل و النية و يمكن أن يراد بالحكمة ما تقتضيه حكمته، و ربما يقرأ بفتح الحاء و الكاف، و هو المحيط من اللجام بحنك الدابة، أي المانع لمركبه من الخروج عن طريقه و التوجه إلى خلاف مقصده" و مستقره" أي محل استقراره و مسكنه الذي إذا وصل إليه سكن، و استقر فيه النجاة و التخلص عن الشكوك و الشبهات، فإن العلم و العالم لا يستقران و لا يطمئنان إلا إذا وصلا إلى حد اليقين، أو لا يترك الحركة و السعي في تحصيل النجاة إلا مع حصولها بعد الموت، فما دام في الدنيا لا يفتر عن السعي، لتحصيل النجاة الأخروية، و يحتمل أن يكون المستقر مصدرا ميميا أي استقراره في قلب العالم يوجب النجاة عن الجهل و العقوبات و الحمل على المبالغة. " و قائده". أي ما يقوده و يجره نحو مستقره الذي هو النجاة: العافية من الآفات و العاهات و الأمراض النفسانية" و سيفه الرضا" أي الرضا بالقضاء، أو بما وقع من العدو بالنسبة إليه، و عدم التعرض لدفعه، و لعله (عليه السلام) إنما شبه الرضا بالسيف و المداراة بالقوس لأن بالسيف يدفع العدو القريب، و بالقوس يدفع العدو البعيد، و الرضا و الصبر يدفعان المضرة العاجلة، و المداراة و حسن الخلق يدفعان المضرات المتوقعة، و محاورة العلماء: مكالمتهم و مجاوبتهم، فإنها تقوية و تعينه كتقوية الأعوان و الأنصار، و المراد بالمال البضاعة التي يتجر بها، و بالذخيرة ما يحرز لوقت الحاجة، فالأدب كالبضاعة للعلم، و اجتناب الذنوب كالذخيرة له لتقوي العلم به وَ ذَخِيرَتُهُ اجْتِنَابُ الذُّنُوبِ وَ زَادُهُ الْمَعْرُوفُ وَ مَاؤُهُ الْمُوَادَعَةُ وَ دَلِيلُهُ الْهُدَى- وَ رَفِيقُهُ مَحَبَّةُ الْأَخْيَارِ.
الكافي — كتاب فضل العلم · بَابُ النَّوَادِرِ