مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ رَفَعَهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)أَنَّهُ قَالَ إِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَرَجُلَيْنِ رَجُلٌ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ فَهُوَ جَائِرٌ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ مَشْعُوفٌ بِكَلَامِ بِدْعَةٍ قوله (عليه السلام) يكاد: على بناء المجهول أي بها يمكر أو يحارب أو يراد بسوء و يمكن أن يقرأ على بناء المعلوم أي يكاد أن يذهب بها الإيمان، و الأول أصوب، و الولي هنا الناصر أو الأولى بالأمر. قوله (عليه السلام) يعبر عن الضعفاء: أي يتكلم من قبل الضعفاء العاجزين عن إظهار الحق و بيان حقيقته بالأدلة و دفع الشبهة عن الدين، و يحتمل أن يكون يعبر عن الضعفاء ابتداء كلام الصادق (عليه السلام) أي عبر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بالولي عن الأئمة الذين استضعفوا في الأرض و الأول أظهر، و الظاهر أن قوله: فاعتبروا، من كلام الصادق (عليه السلام). الحديث السادس: سنده الأول ضعيف و الثاني مرفوع، لكنه مذكور في نهج البلاغة و إرشاد المفيد و الاحتجاج و غيرها بأدنى اختلاف. قوله (عليه السلام): فهو حائر بالمهملتين، و في بعض النسخ بإعجام الأول فقط، و في بعضها بإعجامهما و المعاني متقاربة، و قصد السبيل: استقامته، أي مائل و متجاوز أو حيران عن السبيل المستقيم المستوي، و قوله: مشغوف، في بعض النسخ بالغين المعجمة و في بعضها بالمهملة، و بهما قرأ قوله تعالى" قَدْ شَغَفَهٰا حُبًّا" و على الأول معناه دخل حب كلام البدعة شغاف قلبه أي حجابه، و قيل: سويداءه، و على الثاني غلبه حبه و أحرقه، قَدْ لَهِجَ بِالصَّوْمِ وَ الصَّلَاةِ فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنِ افْتَتَنَ بِهِ ضَالٌّ عَنْ هَدْيِ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مُضِلٌّ لِمَنِ اقْتَدَى بِهِ فِي حَيَاتِهِ وَ بَعْدَ مَوْتِهِ حَمَّالٌ خَطَايَا غَيْرِهِ رَهْنٌ بِخَطِيئَتِهِ وَ رَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا فِي جُهَّالِ النَّاسِ عَانٍ بِأَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ قَدْ سَمَّاهُ أَشْبَاهُ النَّاسِ عَالِماً وَ لَمْ يَغْنَ فِيهِ يَوْماً سَالِماً فإن الشعف بالمهملة شدة الحب و إحراقه القلب، و اللهج بالشيء محركة: الولوع فيه و الحرص عليه، أي هو حريص على الصوم و الصلاة و بذلك يفتتن به الناس و قوله (عليه السلام) عن هدى من كان قبله، إما بفتح الهاء و سكون الدال أو بضم الهاء و فتح الدال، و الأول بمعنى السيرة و الطريقة. قوله (عليه السلام) رهن: و في بعض النسخ رهين، قال المطرزي هو رهن بكذا و رهين به أي مأخوذ به، و القمش جمع الشيء من ههنا و ههنا، و كذا التقميش، و ذلك الشيء القماش، و المراد بالجهل ما أخذ من غير المأخذ الشرعي، بل بالأوهام و الاستحسانات و القياسات أو روايات غير ثابتة عن الحجة. قوله (عليه السلام): عان بأغباش الفتنة: كذا في أكثر النسخ بالعين المهملة و النون من قولهم عني فيهم أسيرا أي أقام فيهم على إساره و احتبس، و عناه غيره حبسه، و العاني الأسير أو من عني بالكسر بمعنى تعب، أو من عني به فهو عان أي اهتم به و اشتغل، و في بعض النسخ بالغين المعجمة من غني بالمكان كرضى أي أقام به، أو من غني بالكسر أيضا بمعنى عاش، و في أكثر نسخ النهج و الإرشاد و غيرهما غار بالغين المعجمة و لراء المهملة المشددة، و في بعض نسخ النهج بالعين المهملة و الدال المهملة من العدو بمعنى السعي أو من العدوان، و الغبش محركة ظلمة آخر الليل، و الإضافة من قبيل لجين الماء أو لامية، و المراد بأشباه الناس: الجهال و العوام، لخلوهم عن معنى الإنسانية و حقيقتها. قوله (عليه السلام) و لم يغن فيه: قال في النهاية في حديث علي (عليه السلام) و رجل سماه الناس عالما و لم يغن في العلم يوما تاما من قولك غنيت بالمكان أغنى إذا قمت به" انتهى". قوله (عليه السلام) سالما: أي من النقص بأن يكون نعتا لليوم كما في روايات المخالفين بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مَا قَلَّ مِنْهُ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ آجِنٍ وَ اكْتَنَزَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِهِ وَ إِنْ خَالَفَ قَاضِياً سَبَقَهُ لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَفِعْلِهِ بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَ إِنْ نَزَلَتْ بِهِ إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ الْمُعْضِلَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً مِنْ رَأْيِهِ أو من الجهل بأن يكون حالا عن ضمير الفاعل. قوله (عليه السلام) بكر: أي خرج في طلب العلم بكرة، كناية عن شدة طلبه و اهتمامه في كل يوم، أو في أول العمر و ابتداء الطلب، و قال الفاضل التستري (ره): كان المراد أنه بكر في العبادات فاستكثر منها، مع أن ما قل منه خير مما كثر" انتهى" و" ما" في قوله مما قل، موصولة، و هي مع صلتها صفة لمحذوف و تقديره: فاستكثر من جمع شيء قليله خير من كثيره، و كون قليله خيرا بالنسبة إلى كثيره لا في نفسه، و يحتمل أن تكون" ما" مصدرية أي قلته خير من كثرته، و قيل قل مبتدأ بتقدير أن، و خير خبره كقولهم تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، و قيل: الجملة معترضة بين الكلام و في النهج فاستكثر من جمع ما قل، و يروى بالتنوين بأن يكون المصدر بمعنى المفعول، فلا يحتاج إلى تقدير و بدونه يحتاج كما هنا، و المراد بذلك الشيء الشبهات المضلة و الآراء الفاسدة و العقائد الباطلة، أو الأعمال المبتدعة، أو زهرات الدنيا، و الأول أظهر بقرينة قوله: حتى إذا ارتوى من أجن، و الآجن الماء المتغير أستعير للآراء الباطلة و الأهواء الفاسدة و قيل: في الكلام لف و نشر فالبكور في طلب الدنيا و ما قبله للعلم، و الارتواء متعلق بما قبله، و الاكتناز بالبكور، و لا يخفى بعده. قوله (عليه السلام): و اكتنز: في بعض النسخ فأكثر، و في الإرشاد و غيره و استكثر، و هما ظاهران و أما الاكتناز فهو بمعنى الاجتماع و الامتلاء و هو لازم، فالإسناد إما مجازي أو في الكلام تقدير أي اكتنز له العلوم الباطلة، و قال الجوهري: هذا أمر لا طائل فيه إذا لم يكن فيه غناء و مزية، و المعضلات على صيغة الفاعل: المشكلات. قوله (عليه السلام) حشوا: أي كثيرا بلا فائدة. ثُمَّ قَطَعَ بِهِ فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ غَزْلِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَ وَ لَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَ مَا بَلَغَ فِيهِ مَذْهَباً إِنْ قَاسَ شَيْئاً بِشَيْءٍ لَمْ يُكَذِّبْ نَظَرَهُ وَ إِنْ أَظْلَمَ عَلَيْهِ أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِهِ لِكَيْلَا يُقَالَ لَهُ لَا يَعْلَمُ ثُمَّ جَسَرَ فَقَضَى فَهُوَ مِفْتَاحُ عَشَوَاتٍ رَكَّابُ شُبُهَاتٍ خَبَّاطُ جَهَالاتٍ لَا يَعْتَذِرُ مِمَّا لَا يَعْلَمُ قوله (عليه السلام): ثم قطع، أي جزم، و في النهج" به" و في غيره" عليه". قوله (عليه السلام): فهو من لبس الشبهات في مثل غزل العنكبوت: اللبس بفتح اللام و أصله اختلاط الظلام أو بالضم بمعنى الإلباس كذا قيل، و قال ابن ميثم: وجه هذا التمثيل أن الشبيهات التي تقع على ذهن مثل هذا الموصوف إذا قصد حل قضية مبهمة تكثر فتلتبس على ذهنه وجه الحق منها، فلا يهتدي له لضعف ذهنه فتلك الشبهات في الوهن تشبه نسج العنكبوت و ذهنه فيما يشبه الذباب الواقع فيه فكما لا يتمكن الذباب من خلاص نفسه من شباك العنكبوت لضعفه كذلك ذهن هذا الرجل لا يقدر على التخلص من تلك الشبهات. أقول: و يحتمل أيضا أن يكون المراد تشبيه ما يلبس على الناس من الشبهات بنسج العنكبوت لضعفها و ظهور بطلانها، لكن تقع فيها ضعفاء العقول فلا يقدرون على التخلص منها لجهلهم و ضعف يقينهم و الأول أنسب بما بعده. قوله لا يحسب العلم: بكسر السين من الحسبان أي يظن أن العلم منحصر فيما يعلم، أو بضم السين من الحساب أي لا يعد ما ينكر علما. قوله: لا يرى أن ما وراء ما بلغ مذهبا: أي أنه لوفور جهله يظن أنه بلغ غاية العلم فليس بعد ما بلغ إليه فكره لأحد مذهب، و موضع تفكر. قوله (عليه السلام) فهو مفتاح عشوات: أي يفتح على الناس ظلمات الشبهات و الجهالات، و يركب الشبهات زعما منه أنه توصله إلى الحق. قوله (عليه السلام) خباط جهالات. الخبط: المشي على غير استواء، أي خباط في الجهالات أو بسببها. فَيَسْلَمَ وَ لَا يَعَضُّ فِي الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ فَيَغْنَمَ يَذْرِي الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ- تَبْكِي مِنْهُ الْمَوَارِيثُ وَ تَصْرُخُ مِنْهُ الدِّمَاءُ يُسْتَحَلُّ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَرَامُ وَ يُحَرَّمُ بِقَضَائِهِ الْفَرْجُ الْحَلَالُ لَا مَلِيءٌ بِإِصْدَارِ مَا عَلَيْهِ وَرَدَ وَ لَا هُوَ أَهْلٌ لِمَا مِنْهُ فَرَطَ مِنِ ادِّعَائِهِ عِلْمَ الْحَقِّ قوله (عليه السلام) بضرس قاطع: كناية عن عدم إتقانه للقوانين الشرعية و إحاطته بها يقال لم يعض فلان على الأمر الفلاني بضرس: إذا لم يحكمه. قوله (عليه السلام) يذري الروايات ذرو الريح الهشيم: قال الفيروزآبادي: ذرت الريح الشيء ذروا و أذرته و ذرته أطارته و أذهبته، و قال: الهشيم: نبت يابس متكسر، أو يابس كل كلاء و كل شجر، و وجه التشبيه صدور فعل بلا روية من غير أن يعود إلى الفاعل نفع و فائدة، فإن هذا الرجل المتصفح للروايات ليس له بصيرة بها و لا شعور بوجه العمل بها، بل هو يمر على رواية بعد أخرى، و يمشي عليها من غير فائدة كما أن الريح التي تذري الهشيم لا شعور لها بفعلها، و لا يعود إليها من ذلك نفع، و إنما أتى الذر و مكان الإذراء لاتحاد معنييهما، و في بعض الروايات يذر الرواية قال الجزري: يقال ذرته الريح و أذرته تذروه و تذريه إذا أطارته و منه حديث علي (عليه السلام) يذروا الرواية ذرو الريح الهشيم، أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت، و أما بكاء المواريث و صراخ الدماء فالظاهر أنهما على الاستعارة و لطفهما ظاهر، فيحتمل حذف المضاف أي أهل المواريث و أهل الدماء. قوله (عليه السلام) لا مليء: المليء بالهمز: الثقة الغني، و الإصدار الإرجاع، أي ليس له من العلم و الثقة قدر ما يمكن أن يصدر عنه انحلال ما ورد عليه من الإشكالات و الشبهات قال الجزري: المليء بالهمزة الثقة الغني، و قد ملؤ فهو مليء بين الملاءة بالمد، و قد أولع الناس بترك الهمزة و تشديد الياء، و منه حديث علي (عليه السلام) لا مليء و الله بإصدار ما عليه ورد. قوله (عليه السلام) و لا هو أهل لما منه فرط: فرط- بالتخفيف- بمعنى سبق و تقدم، أي
الكافي — كتاب فضل العلم · بَابُ الْبِدَعِ وَ الرَّأْيِ وَ الْمَقَايِيسِ