أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ قَالَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ باب حدوث العالم و إثبات المحدث أقول: أراد بالعالم ما سوى الله تعالى، و المراد بحدوثه كونه مسبوقا بالعدم و كون زمان وجوده متناهيا في جانب الأول، و قد اختلف الناس فيه فذهب جميع المليين من المسلمين و اليهود و النصارى و المجوس إلى أنها حادثة بذواتها و صفاتها و أشخاصها و أنواعها، و ذهب أكثر الفلاسفة إلى قدم العقول و النفوس و الأفلاك بموادها و صورها و قدم هيولى العناصر، و إليه ذهبت الدهرية و الناسخية و لما لم يكن في صدر الإسلام مذاهب الفلاسفة شايعة بين المسلمين، و كان معارضة المسلمين في ذلك مع الملاحدة المنكرين للصانع كانوا يكتفون غالبا في إثبات هذا المدعى بإثبات الصانع، مع أنه كان مقررا عندهم أن التأثير لا يعقل في القديم، و يحتمل أن يكون غرضه من عقد هذا الباب حدوث العالم ذاتا، و احتياجه بجميع أجزائه إلى المؤثر لكن هذا لا يدل على عدم قولهم بالحدوث الزماني، بمعنى نفي عدم تناهي وجود العالم من طرف الأزل، و لا على عدم ثبوته بالدلائل، فإن ذلك مما أطبق عليه المليون و دلت عليه الآيات المتكاثرة و الأحاديث المتواترة الصريحة في ذلك، و عدم القول بذلك مستلزم لإنكار ما ورد في الآيات و الأخبار من فناء الأشياء و خرق السماوات و انتشار الكواكب بل المعاد الجسماني، و قد فصلنا الكلام في ذلك في كتاب السماء و العالم من كتاب بحار الأنوار، و سنشير في ضمن الأخبار الدالة على هذا المطلوب عند شرحها إلى ذلك. الحديث الأول مجهول. قَالَ قَالَ لِي هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ كَانَ بِمِصْرَ زِنْدِيقٌ تَبْلُغُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَشْيَاءُ فَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ لِيُنَاظِرَهُ فَلَمْ يُصَادِفْهُ بِهَا وَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُ خَارِجٌ بِمَكَّةَ فَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَصَادَفَنَا وَ نَحْنُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فِي الطَّوَافِ وَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْمَلِكِ وَ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَضَرَبَ كَتِفَهُ كَتِفَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)مَا اسْمُكَ فَقَالَ اسْمِي عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ فَمَا كُنْيَتُكَ قَالَ كُنْيَتِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَمَنْ هَذَا الْمَلِكُ الَّذِي أَنْتَ عَبْدُهُ أَ مِنْ مُلُوكِ الْأَرْضِ أَمْ مِنْ مُلُوكِ قوله: كان بمصر زنديق: قال في القاموس الزنديق بالكسر من الثنوية القائل بالنور و الظلمة أو من لا يؤمن بالآخرة و بالربوبية أو من يبطن الكفر و يظهر الإيمان أو هو معرب زن دين، أي دين المرأة" انتهى" و قيل: إنه معرب زنده لأنهم يقولون بدوام الدهر، و قيل: معرب زندي منسوب إلى زند كتاب زردشت، و الظاهر أن المراد به هنا من لا يقر بالصانع تعالى. قوله: أشياء: أي مما يدل على كمال علمه و احتجاجه على الزنادقة و غيرهم و عجزهم عن مقاومته. قوله: بمكة: أي مقيما بها، أو الباء بمعنى" إلى" و قوله (عليه السلام) كتفه، منصوب بنزع الخافض، أي بكتفه. قوله (عليه السلام) فمن هذا الملك: لعله (عليه السلام) سلك في الاحتجاج عليه أولا مسلك الجدال، لكسر سورة إنكاره، ثم نزله عن الإنكار إلى الشك، ثم أقام البرهان له عملا بما أمر الله تعالى به نبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) في قوله:" وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ" فهذا هو الجدال لابتنائه على ما هو المشهور عند الناس من أن الاسم مطابق للمسمى، و يحتمل أن يكون على سبيل المطايبة و المزاح لبيان عجزه عن فهم الواضحات، و قصوره عن رد أو هن الشبهات، و يمكن أن يكون منبها على ما ارتكز في العقول من الإذعان بوجود الصانع و إن أنكروه ظاهرا للمعاندة و الأغراض الفاسدة، لأن كل السَّمَاءِ وَ أَخْبِرْنِي عَنِ ابْنِكَ عَبْدُ إِلَهِ السَّمَاءِ أَمْ عَبْدُ إِلَهِ الْأَرْضِ قُلْ مَا شِئْتَ تُخْصَمُ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَكَمِ فَقُلْتُ لِلزِّنْدِيقِ أَ مَا تَرُدُّ عَلَيْهِ قَالَ فَقَبَّحَ قَوْلِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أحد إذا خلى نفسه عن الأغراض الفاسدة و الوساوس الشيطانية عرف أن له من يفزع إليه و يتكل عليه في الشدائد و المضايق و يرجو منه النجاة في المحن و المصائب، و ذلك إلهه و علته الأولى، و موجده و صانع السماوات و الأرضين و ما فيهن، إلا أنه لضعف علمه لا يعلمه إلا بآنيته على سبيل الإجمال، و لا يعرف ما له من صفات الكمال، كما نبه الله سبحانه عباده بذلك حيث قال" إِذٰا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلّٰا إِيّٰاهُ فَلَمّٰا نَجّٰاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَ كٰانَ الْإِنْسٰانُ كَفُوراً" و نبه الصادق (عليه السلام) زنديقا ثم شرع (عليه السلام) في إزالة إنكار الخصم و إخراجه منه إلى الشك لتستعد نفسه لقبول الحق فأزال إنكاره بأنه غير عالم بما في تحت الأرض، و ليس له سبيل إلى الجزم بأن ليس تحتها شيء ثم زاده بيانا بأن السماء التي لم يصعدها كيف تكون له المعرفة بما فيها و ما ليس فيها، و كذا المشرق و المغرب، فلما عرف قبح إنكاره و تنزل عنه و أقر بالشك بقوله: و لعل ذلك، أخذ (عليه السلام) في هدايته و قال: ليس للشاك دليل، و لا للجاهل حجة، فليس لك إلا طلب الدليل فأقام له الدليل و البرهان، و بين الحق له بأوضح البيان و المراد بملوك السماء الملائكة أو من كان خارجا عن السماء و الأرض مدبرا لهما، و الإتيان بصيغة الجمع لأنه ليس المقام مقام إثبات التوحيد بل إثبات الصانع، أو الغرض رد الاحتمالات المحتملة في بادئ النظر، و لا يلزم تحقق كلها. قوله (عليه السلام) تخصم: على بناء المفعول أي إن تقل ما شئت تصير مخصوما مغلوبا بقولك و قراءته على بناء الفاعل أي تخصم نفسك لأن في نفسك ليس شيء من الشقين كما قيل بعيد. قوله فقبح قولي: على بناء المجرد أي كان كلامي حضوره (عليه السلام) بغير إذنه قبيحا أو على بناء التفعيل أي عد الزنديق قولي قبيحا، و يحتمل حينئذ إرجاع ضمير إِذَا فَرَغْتُ مِنَ الطَّوَافِ فَأْتِنَا فَلَمَّا فَرَغَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَتَاهُ الزِّنْدِيقُ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ نَحْنُ مُجْتَمِعُونَ عِنْدَهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)لِلزِّنْدِيقِ أَ تَعْلَمُ أَنَّ لِلْأَرْضِ تَحْتاً وَ فَوْقاً قَالَ نَعَمْ قَالَ فَدَخَلْتَ تَحْتَهَا قَالَ لَا قَالَ فَمَا يُدْرِيكَ مَا تَحْتَهَا قَالَ لَا أَدْرِي إِلَّا أَنِّي أَظُنُّ أَنْ لَيْسَ تَحْتَهَا شَيْءٌ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَالظَّنُّ عَجْزٌ لِمَا لَا تَسْتَيْقِنُ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَ فَصَعِدْتَ السَّمَاءَ قَالَ لَا قَالَ أَ فَتَدْرِي مَا فِيهَا قَالَ لَا قَالَ عَجَباً لَكَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَشْرِقَ وَ لَمْ تَبْلُغِ الْمَغْرِبَ وَ لَمْ تَنْزِلِ الْأَرْضَ وَ لَمْ تَصْعَدِ السَّمَاءَ وَ لَمْ تَجُزْ هُنَاكَ فَتَعْرِفَ مَا خَلْفَهُنَّ وَ أَنْتَ جَاحِدٌ بِمَا فِيهِنَّ وَ هَلْ يَجْحَدُ الْعَاقِلُ مَا لَا يَعْرِفُ قَالَ الزِّنْدِيقُ مَا كَلَّمَنِي بِهَذَا أَحَدٌ غَيْرُكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَأَنْتَ مِنْ ذَلِكَ فِي شَكٍّ فَلَعَلَّهُ هُوَ وَ لَعَلَّهُ لَيْسَ هُوَ فَقَالَ الزِّنْدِيقُ وَ لَعَلَّ ذَلِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام الفاعل إليه (عليه السلام). قوله (عليه السلام) لما لا تستيقن: كذا في بعض النسخ بصيغة الخطاب و في بعضها بصيغة الغيبة، و في بعضها لمن لا يستيقن، و في توحيد الصدوق ما لم تستيقن بصيغة الخطاب فعلى الأول نسبة العجز إلى الموصول على المجاز، و على الثاني إما على بناء الفاعل بإرجاع الضمير إلى الظان المعلوم بقرينة المقام و الإسناد كما تقدم، أو على بناء المفعول و هو أظهر، و على الثالث قيل: يعني من استيقن شيئا فيقول أظنه لمصلحة تقتضي ذلك فليس بعاجز في معرفته، إنما العجز لغير المتيقن و لا يخفى عدم الحاجة إلى هذا التكلف. قوله (عليه السلام) عجبا لك. نصبه على المصدر أي عجبت عجبا لك، أو على النداء أي يا عجبا لك. قوله (عليه السلام) و لم تجز هناك: أي لم تجز السماوات فتعرف الذي خلقهن، و ما قيل: من أنه إشارة إلى مكة أي هي غاية سفرك أو المعمور من الأرض فلا يخفى بعدهما. قوله (عليه السلام) لعل ذلك: تصديق للشك على سبيل الشك للمصلحة، أو المراد أنه لعله لا يكون الصانع أي الشك لا ينفعكم توهما منه أنه (عليه السلام) يكتفي بذلك أَيُّهَا الرَّجُلُ لَيْسَ لِمَنْ لَا يَعْلَمُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ وَ لَا حُجَّةَ لِلْجَاهِلِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ تَفْهَمُ عَنِّي فَإِنَّا لَا نَشُكُّ فِي اللَّهِ أَبَداً أَ مَا تَرَى الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ يَلِجَانِ لإثبات الصانع تعالى. قوله (عليه السلام) أ ما ترى الشمس و القمر؟: استدل (عليه السلام) على إثبات الصانع المجرد المنزه عن مشابهة المصنوعات بوجوه ثلاثة: هذا أو لها، و هو لبيان إبطال ما زعموه من استناد الحوادث السفلية إلى الدورات الفلكية و عدم احتياجها إلى علة أخرى سوى ذواتها. قوله (عليه السلام) و الليل و النهار: الظاهر أن الواو في قوله و الليل للعطف، و الولوج و الرجوع متعلقان بالشمس و القمر و الليل و النهار جميعا، إما على البدلية أو بأخذ الأولين واحدا و الثانيين واحدا، و يلجان ثاني مفعولي ترى، أو حال و قد اضطرا مفعول و على الأول قد اضطرا حال، و يحتمل الحالية فيهما بأن يكون الرؤية بمعنى النظر، و يحتمل أن يكون الواو في قوله: و الليل، للحال فيكون قد اضطرا مفعولا ثانيا و المراد بولوج الشمس و القمر غروبهما أو دخولهما بالحركات الخاصة في بروجهما، و بولوج الليل و النهار دخول تمام كل منهما في الآخر، أو دخول بعض من كل منهما في الآخر بحسب الفصول، و قوله فلا يشتبهان أي لا يشتبه قدرهما بالدخول و الخلط بل محفوظ على نسق واحد حتى يعودا مثل ما كانا عليه، و حاصل الاستدلال أن لهذه الحركات انضباطا و اتساقا و اختلافا و تركبا، فالانضباط يدل على عدم كونها إرادية كما هو المشاهد من أحوال ذوي الإرادات من الممكنات، و الاختلاف يدل على عدم كونها طبيعية فإن الطبيعة العادمة للشعور لا تختلف مقتضياتها، كما نشاهد من حركات العناصر، كما قالوا إن الطبيعة الواحدة لا تقتضي التوجه إلى جهة و الانصراف عنها، و يمكن أن يقال حاصل الدليل راجع إلى ما يحكم به الوجدان من أن مثل تلك الأفعال المحكمة المتقنة الجارية على قانون الحكمة لا يمكن صدورها عن الدهر و الطبائع العادمة للشعور و الإرادة، و هذا أظهر معنى، و إن كان الأول فَلَا يَشْتَبِهَانِ وَ يَرْجِعَانِ قَدِ اضْطُرَّا لَيْسَ لَهُمَا مَكَانٌ إِلَّا مَكَانُهُمَا فَإِنْ كَانَا يَقْدِرَانِ عَلَى أَنْ يَذْهَبَا فَلِمَ يَرْجِعَانِ وَ إِنْ كَانَا غَيْرَ مُضْطَرَّيْنِ فَلِمَ لَا يَصِيرُ اللَّيْلُ نَهَاراً وَ النَّهَارُ أظهر لفظا، و حاصل الاستدلال على الأول على ما ذكره بعض المحققين أنه لا شك في حركات المتحركات من العلويات حركات ليست طبيعية للمتحرك بها للانصراف عما يتحرك إليه، و لا إرادية للمتحرك لانضباطها و دوامها و انخفاضها الدالة على عدم اختلاف أحوال المتحرك بالحركة من النشاط و الكلال، و حدوث ميل و غيرها التي يتحدس منها بكونها غير إرادية للمتحرك، و كلما وجدت الحركة كان المحرك لها موجودا لأن ما يخرج من العدم إلى الوجود لا يمكن أن يخرج بنفسه، بل يحتاج إلى موجد موجود مباين له، لأن ما لا يكون موجودا فيصير موجودا لا يمكن أن يحصل له الوجود إلا بمحصل و سبب لاتصافه به و لا يجوز أن يكون ذلك المحصل للوجود ماهيته الخالية عن الوجود، لأن إعطاء الوجود لا يتصور من غير الموجود، و إذ ليست طبيعية، أو إرادية للمتحرك فلهما محرك يضطره إلى الحركة، و القاهر الذي أضطره إلى الحركة أقوى منه و أحكم، لأن الضعيف لا يمكنه قهر القوي فلا يكون حالا في المتحرك محتاجا إليه و أكبر من أن يحاط بالمتحرك أو يحصر فيه، أو أن يتصف بمثل صفته الاضطرارية و لا بد أن ينتهي إلى محرك لا يكون جسما، لأن الجسم لا يحرك الجسم إلا بالمجاورة و الحركة، أو إحداث محرك في المتحرك، و إذ قد عرفت أن المحرك ليس في المتحرك لَيْلًا اضْطُرَّا وَ اللَّهِ يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ إِلَى دَوَامِهِمَا وَ الَّذِي اضْطَرَّهُمَا أَحْكَمُ مِنْهُمَا وَ أَكْبَرُ فَقَالَ الزِّنْدِيقُ صَدَقْتَ ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فيكون التحريك بالحركة، و الكلام في حركته كالكلام في حركة الأول، و ينتهي لضرورة انتهاء الأجسام المتحركة، و لكون جميعها محتاجة إلى خارج، لما تقرر من أن الموجودات التي يحتاج كل واحد منها إلى موجد مباين له، يحتاج مجموعها إلى الموجد المبائن له، و حكم الواحد و الجملة لا يختلف فيه، لأن مجموعها مهيات يصح عليها جملة أن تكون خالية عن الوجود، فإنه كما يصح تحليل واحد منها إلى مهية و وجود منتزع منها و امتيازهما عند العقل في ملاحظتهما امتيازا لا يكون معه، و في مرتبته خلط بينهما، و لذلك يحكم بكونه محتاجا إلى سبب مباين له موجود كذلك، يصح على الجملة و المجموع منها متناهية ما كان يصح على كل واحد، و كذلك يصح على الجملة، و المجموع الغير المؤلفة من تلك الآحاد ما يصح على كل واحد منها، فإن العقل لا يفرق في هذا الحكم بين الجملة المتناهية و الجملة الغير المتناهية، كما لا يفرق فيه بين الجملة المتناهية و كل واحد، فلا بد من محرك لا يكون جسما قاهر للمتحرك في حركته، فإن لم يكن له مبدء فهو المبدأ الأول، و إن كان له مبدء فلا بد من مبدء أول، لما قررنا آنفا، و إنما استدل من الحركة لضرورة احتياجها إلى المحرك لضرورة خروجها من العدم إلى الوجود دون الأجسام، و لم يستدل من الكائنات الفاسدات لأن ما يتوهم أن لا مبدأ له هي العلويات دون السفليات، و لأن الغالب القاهر على العلويات أحق بالغلبة على السفليات الظاهر تأثرها من العلويات، دون العكس" انتهى كلامه" ره. قوله (عليه السلام) أحكم منهما: إما من الحكم بمعنى القضاء أي أشد قضاء و أتم حكما، أو من الأحكام بمعنى الإتقان على خلاف القياس كأفلس من الإفلاس، و لزوم كونه أحكم و أكبر لما يحكم به الوجدان من كون الفاعل أشرف و أرفع من المصنوع ذاتا و صفة، و أيضا القاسر لا بد من أن يكون أقوى من المقسور، و أيضا لا بد من خلو يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ إِنَّ الَّذِي تَذْهَبُونَ إِلَيْهِ وَ تَظُنُّونَ أَنَّهُ الدَّهْرُ إِنْ كَانَ الدَّهْرُ يَذْهَبُ بِهِمْ لِمَ لَا يَرُدُّهُمْ وَ إِنْ كَانَ يَرُدُّهُمْ لِمَ لَا يَذْهَبُ بِهِمُ الْقَوْمُ مُضْطَرُّونَ الصانع من الصفات التي بها احتاج المصنوع إليه من التركب و الاحتياج و الإمكان و غير ذلك كما سيأتي مفصلا في الأخبار، فالمراد بالأكبر: الأكبر من أن يتصف بصفة المضطر، و قال بعض المحققين: أشار بكونه أحكم إلى عدم جواز احتياجه في وجوده إلى محل و موضوع، فلا يكون من أحوال المضطر و عوارضه بكونه أكبر إلى عدم جواز كونه محاطا بما ألجأه و محصورا فيه، فلا يكون قائما بمحل و لا محاطا للمضطر و محصورا فيه، أو المراد بالأكبر أكبر من أن يوصف بمثل صفة المضطر. قوله (عليه السلام) يا أخا أهل مصر: هذا هو الوجه الثاني، و هو مشتمل على إبطال مذهب الخصم القائل بمبدئية الدهر للكائنات الفاسدات كقولهم: إن يهلكنا إلا الدهر. قوله (عليه السلام) إن كان الدهر يذهب بهم: يحتمل أن يكون الضمير راجعا إلى ذوي العقول، إشارة إلى التناسخ الذي ذهبوا إليه، أو إلى الأعم تغليبا، و المراد بذهابهم و ردهم إعدامهم و إيجادهم، و المراد بالدهر الطبيعة كما هو ظاهر كلام أكثر الدهرية أي نسبة الوجود و العدم إلى الطبائع الإمكانية على السواء، فإن كان الشيء يوجد بطبعه، فلم لا يعدم بدله، فترجح أحدهما ترجح بلا مرجح، تحكم بديهة العقل باستحالته أو المراد بذهابهم و رد هم تقلب أحوالهم و شؤونهم و حركاتهم، فالمعنى لم يقتضي طبعه ذهاب شيء و لا يقتضي رده و بالعكس، بناء على أن مقتضيات الطبائع تابعة لتأثير الفاعل القادر القاهر، و على احتمال الثاني الذي أشرنا إليه في صدر الحديث يحتمل أن يكون المراد به أن الدهر العادم للشعور و الإرادة و العلم بالمصلحة كيف يصدر عنه الذهاب الموافق للحكمة، و لا يصدر عنه بدله الرجوع المخالف لها و بالعكس و قوله (عليه السلام) القوم مضطرون أي الملاحدة و الدهرية يلزمهم قبول ذلك بمقتضى عقولهم التي منحها الله تعالى لهم، و لا يمكنهم رده، أو المراد بالقوم جميع الممكنات تغليبا، و المراد به اضطرارهم في الوجود و ما يتبعه من الصفات و لوازم المهيات، قال بعض المحققين يَا أَخَا أَهْلِ مِصْرَ لِمَ السَّمَاءُ مَرْفُوعَةٌ وَ الْأَرْضُ مَوْضُوعَةٌ- لِمَ لَا يَسْقُطُ السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ لِمَ لَا تَنْحَدِرُ الْأَرْضُ فَوْقَ طِبَاقِهَا وَ لَا يَتَمَاسَكَانِ وَ لَا يَتَمَاسَكُ مَنْ عَلَيْهَا قَالَ الزِّنْدِيقُ أَمْسَكَهُمَا اللَّهُ رَبُّهُمَا وَ سَيِّدُهُمَا قَالَ فَآمَنَ الزِّنْدِيقُ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَقَالَ لَهُ حُمْرَانُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ آمَنَتِ الزَّنَادِقَةُ عَلَى هذا استدلال باختلاف الأفعال الدالة باختلافها على كونها اختيارية غير طبيعية لفاعلها على أن الفاعل لها مختار، و نبه على أنه لا يمكن أن الفاعل المختار لها هو الموصوف بالذهاب و الرجوع، و بقوله: القوم مضطرون، أي في الذهاب و الخروج من الوجود و الرجوع و الدخول فيه، فيجب أن يكون مستندا إلى الفاعل القاهر للذاهبين و الراجعين على الذهاب و الرجوع، و الدهر لا شعور له فضلا عن الاختيار. قوله (عليه السلام): لم السماء مرفوعة و الأرض موضوعة؟ هذا هو الوجه الثالث، و هو مبني على الاستدلال بأحوال جميع أجزاء العالم من العلويات و السفليات و ارتباط بعضها ببعض و تلازمها، و كون جميعها على غاية الأحكام و الإتقان اشتمالها على الحكم التي لا تتناهى أي لم صارت السماء مرفوعة فوق الناس و الأرض موضوعة تحتهم و لم يكن بالعكس؟ و لم لم تكونا ملتصقين، فلم يمكن تعيش الخلق على التقديرين، و لم لا تسقط السماء على الأرض بأن يتحرك بالحركة المستقيمة حتى تلتصق بالأرض؟ و أما قوله لم لا تنحدر الأرض فوق طباقها؟ فيحتمل إرجاع ضمير طباقها إلى السماء، فالمعنى لم لا تتحرك الأرض من تحتنا بالحركة المستقيمة حتى تقع على السماء؟ و يحتمل إرجاعه إلى الأرض، فالمراد بالانحدار الحركة المستديرة أي لم لا تتحرك الأرض كالسماء فيغرقنا في الماء فالمراد بطباق الأرض أعلاها أي تنحدر بحيث تصير ما تحتها الآن فوق ما علا منها الآن و قيل فيه احتمالات بعيدة لا طائل في التعرض لها. قوله (عليه السلام) فلا يتماسكان: أي في صورتي السقوط و الانحدار، و المراد أنه ظهر أنه لا يمكنهما التماسك بل لا بد من ماسك يمسكهما. يَدِكَ فَقَدْ آمَنَ الْكُفَّارُ عَلَى يَدَيْ أَبِيكَ فَقَالَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي آمَنَ عَلَى يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)اجْعَلْنِي مِنْ تَلَامِذَتِكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَا هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ خُذْهُ إِلَيْكَ وَ عَلِّمْهُ فَعَلَّمَهُ هِشَامٌ فَكَانَ مُعَلِّمَ أَهْلِ الشَّامِ وَ أَهْلِ مِصْرَ الْإِيمَانَ وَ حَسُنَتْ طَهَارَتُهُ حَتَّى رَضِيَ بِهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ.
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَ إِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ