الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ٥

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخَفَّافِ أَوْ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ الدَّيَصَانِيَّ سَأَلَ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ أَ لَكَ رَبٌّ فَقَالَ بَلَى قَالَ أَ قَادِرٌ هُوَ قَالَ نَعَمْ قَادِرٌ قَاهِرٌ قَالَ يَقْدِرُ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ وَ لَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا قَالَ هِشَامٌ النَّظِرَةَ فَقَالَ لَهُ قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلًا ثُمَّ خَرَجَ عَنْهُ فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أَتَانِي عَبْدُ اللَّهِ الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَ عَلَيْكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)عَمَّا ذَا سَأَلَكَ فَقَالَ قَالَ لِي كَيْتَ وَ كَيْتَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَا هِشَامُ كَمْ حَوَاسُّكَ قَالَ خَمْسٌ قَالَ أَيُّهَا أَصْغَرُ قَالَ النَّاظِرُ قَالَ وَ كَمْ قَدْرُ النَّاظِرِ قَالَ مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا فَقَالَ لَهُ يَا هِشَامُ فَانْظُرْ أَمَامَكَ وَ فَوْقَكَ وَ أَخْبِرْنِي بِمَا تَرَى فَقَالَ أَرَى سَمَاءً وَ أَرْضاً وَ دُوراً وَ قُصُوراً وَ بَرَارِيَ وَ جِبَالًا وَ أَنْهَاراً فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاهُ الْعَدَسَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ لَا تَصْغَرُ الدُّنْيَا وَ لَا تَكْبُرُ المشاهد من السماوات و الأرضين و ما فيهما و ما بينهما مقدرا ينتظم بتقديره و منشأ يوجد بإنشائه. الحديث الخامس مجهول، و الديصاني بالتحريك من داص يديص ديصانا إذا زاغ و مال، و معناه الملحد. النظرة: أي أسألك النظرة، و هي التأخير في المطالبة للجواب، و في القاموس: كيت و كيت و يكسر آخرها أي كذا و كذا و التاء فيهما هاء في الأصل. قوله (عليه السلام) إن الذي قدر أن يدخل، أي على أن يدخل، و حذف حرف الجر عن أن و أن قياسي، يمكن أن يؤول بوجوه: الأول: أن يكون غرض السائل أنه هل يجوز أن يحصل كبير في صغير بنحو من أنحاء التحقق؟ فأجاب (عليه السلام) بأن له نحوا من التحقق، و هو دخول الصورة المحسوسة المتقدرة بالمقدار، الكبير بنحو الوجود الظلي في الحاسة أي مادتها الموصوفة بالمقدار الصغير، و القرينة على أنه كان مراده الْبَيْضَةُ فَأَكَبَّ هِشَامٌ عَلَيْهِ وَ قَبَّلَ يَدَيْهِ وَ رَأْسَهُ وَ رِجْلَيْهِ وَ قَالَ حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ غَدَا عَلَيْهِ الدَّيَصَانِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا هِشَامُ إِنِّي جِئْتُكَ مُسَلِّماً وَ لَمْ أَجِئْكَ المعنى الأعم أنه قنع بالجواب و لم يراجع فيه باعتراض. الثاني: أن يكون المعنى أن الذي يقدر على أن يدخل ما تراه العدسة لا يصح أن ينسب إلى العجز، و لا يتوهم فيه أنه غير قادر على شيء أصلا، و عدم قدرته على ما ذكرت ليس من تلقاء قدرته لقصور فيها، بل إنما ذلك من نقصان ما فرضته حيث أنه محال ليس له حظ من الشيئية و الإمكان، فالغرض من ذكر ذلك بيان كمال قدرته تعالى حتى لا يتوهم فيه عجز. الثالث: أن المعنى أن ما ذكرت محال و ما يتصور من ذلك إنما هو بحسب الوجود الانطباعي، و قد فعله فما كان من السؤال له محمل ممكن فهو تعالى قادر عليه، و ما أردت من ظاهره فهو محال لا يصلح لتعلق القدرة به. الرابع: و هو الأظهر أن السائل لما كان قاصرا من فهم ما هو الحق، معاندا فلو أجاب (عليه السلام) صريحا بعدم تعلق القدرة به له لتشبث بذلك و لج و عاند فأجاب (عليه السلام) بجواب متشابه له وجهان، لعلمه (عليه السلام) بأنه لا يفرق بين الوجود العيني و الانطباعي، و لذا قنع بذلك و رجع. و لذا أجابوا (عليه السلام) غيره من السائلين بالحق الصريح، كما رواه الصدوق في التوحيد بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إن إبليس قال لعيسى بن مريم (عليه السلام) أ يقدر ربك على أن يدخل الأرض بيضة لا تصغر الأرض و لا تكبر البيضة؟ فقال عيسى (عليه السلام): ويلك إن الله لا يوصف بعجز، و من أقدر ممن يلطف الأرض و يعظم البيضة، و روي بسند آخر عنه (عليه السلام) أنه قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل يقدر ربك أن يدخل الدنيا في بيضة من غير أن تصغر الدنيا أو تكبر البيضة؟ قال: إن الله تبارك و تعالى لا ينسب إلى العجز، و الذي سألتني لا يكون، و روي أيضا بسند آخر عنه (عليه السلام) أنه قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: أ يقدر الله أن يدخل الأرض في بيضة و لا متقاضيا مُتَقَاضِياً لِلْجَوَابِ فَقَالَ لَهُ هِشَامٌ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ مُتَقَاضِياً فَهَاكَ الْجَوَابَ فَخَرَجَ الدَّيَصَانِيُّ عَنْهُ حَتَّى أَتَى بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا قَعَدَ قَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)مَا اسْمُكَ فَخَرَجَ عَنْهُ وَ لَمْ يُخْبِرْهُ بِاسْمِهِ فَقَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ كَيْفَ لَمْ تُخْبِرْهُ بِاسْمِكَ قَالَ لَوْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ مَنْ هَذَا الَّذِي أَنْتَ لَهُ عَبْدٌ فَقَالُوا لَهُ عُدْ إِلَيْهِ وَ قُلْ لَهُ يَدُلُّكَ عَلَى مَعْبُودِكَ وَ لَا يَسْأَلُكَ عَنِ اسْمِكَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ دُلَّنِي عَلَى مَعْبُودِي وَ لَا تَسْأَلْنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)اجْلِسْ وَ إِذَا غُلَامٌ لَهُ صَغِيرٌ فِي كَفِّهِ بَيْضَةٌ يَلْعَبُ بِهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)نَاوِلْنِي يَا غُلَامُ الْبَيْضَةَ فَنَاوَلَهُ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)يَا دَيَصَانِيُّ هَذَا حِصْنٌ مَكْنُونٌ لَهُ جِلْدٌ غَلِيظٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الْغَلِيظِ جِلْدٌ رَقِيقٌ وَ تَحْتَ الْجِلْدِ الرَّقِيقِ ذَهَبَةٌ تصغر الأرض و لا تكبر البيضة؟ فقال له: ويلك إن الله لا يوصف بالعجز و من أقدر ممن يلطف الأرض و يعظم البيضة، فقوله (عليه السلام): من أقدر ممن يلطف الأرض، إشارة إلى أن المتصور المحصل المعنى من دخول الكبير في الصغير صيرورة الكبير صغيرا و بالعكس، و هذا المتصور مقدور له سبحانه و هو قادر على كل ما لا يستحيل، و الحاصل أنه قادر على كل شيء يدرك له معنى و مهية، و المستحيل لا مهية و لا معنى له كما قيل. ثم اعلم أنه على التقادير كلها يدل على أن الإبصار بالانطباع و إن كان فيما سوى الثاني أظهر، و على الرابع يحتمل أيضا أن يكون إقناعيا مبنيا على المقدمة المشهورة لدى الجمهور أن الرؤية بدخول المرئيات في العضو البصري، فلا ينافي كون الإبصار حقيقة بخروج الشعاع. قوله فهاك الجواب:" ها" بالقصر و المد و هاك كلها اسم فعل بمعنى خذ. قوله (عليه السلام) هذا حصن مكنون: الحصن كل موضع حصين محكم، و الكن: وقاء كل شيء و ستره، و لعل المعنى أنه مستور من جميع الجهات ليس له باب أصلا لئلا يخرج منه شيء و لا يدخل فيه شيء، له جلد غليظ لئلا ينكسر بأدنى شيء و لا ينفذ مَائِعَةٌ وَ فِضَّةٌ ذَائِبَةٌ فَلَا الذَّهَبَةُ الْمَائِعَةُ تَخْتَلِطُ بِالْفِضَّةِ الذَّائِبَةِ وَ لَا الْفِضَّةُ الذَّائِبَةُ تَخْتَلِطُ بِالذَّهَبَةِ الْمَائِعَةِ فَهِيَ عَلَى حَالِهَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا خَارِجٌ مُصْلِحٌ فَيُخْبِرَ عَنْ صَلَاحِهَا وَ لَا دَخَلَ فيه الهواء ليفسده، و ليست غلظته بحيث لا يتمكن الدجاجة من كسره حين الانفلاق، و لا تؤثر حرارتها المعدة لتكون الفرخ فيه، و تحت الجلد الغليظ جلد رقيق مناسب للملاءمة، لما فيه برزخ بينه و بين الجلد الغليظ لئلا يفسد ما فيه بمماسة الجلد الغليظ الصلب، و تحت الجلد الرقيق ذهبة مائعة أي تحته جسم شبيه بالذهبة المائعة، و جسم شبيه بالفضة الذائبة، و الذوب ضد الجمود و يقاربه الميعان، لكن الذوب يستعمل فيما من طبعه الجمود، و الميعان يستعمل فيه و في غيره، و لما كان الجمود في طبع الفضة أكثر، فلذا خص الذوب بها، و لعله (عليه السلام) شبهه بالحصون المعروفة كما يظهر من الترشيحات المذكورة. و في كتاب الاحتجاج عن إصلاحها و عن إفسادها على بناء الأفعال فيهما، و حاصل الاستدلال أن ما في البيضة من الأحكام و الإتقان و الاشتمال على ما به صلاحها و عدم اختلاط ما فيها من الجسمين السيالين، و الحال أنه ليس فيها مصلح حافظ لها من الأجسام، فيخرج مخبرا عن صلاحها و لا يدخلها جسماني من خارج فيفسدها فيخبر بعد خروجه عن فسادها، و هي تنفلق عن مثل ألوان الطواويس مع عدم علمنا بكيفية خلق أعضائها و أجزائها و كونها ذكرانا أو إناثا، فهذا كله دليل على أن ذلك ليس من فعل أمثالنا لعدم دخولنا فيها و خروجنا منها، و إصلاحنا لها و إفسادنا إياها و جهلنا بما هي مستعدة له من الصلاح و الفساد، و بما هي صالحة له من الذكر و الأنثى. و الحاصل أن أمثال هذه الأمور إذا صدرت من أمثالنا فلا بد فيها من مباشرة و مزاولة و علم و خبر، و لا يجوز أيضا أن تتأنى بأنفسها أو من طبائعها العديمة للشعور، فلا بد من فاعل حكيم و صانع مدبر عليم، و لا يخفى لطف نسبة الإصلاح إلى ما يخرج منها و الإفساد إلى ما يدخل فيها، لأن هذا شأن أهل الحصن الحافظين له، و حال الداخل فيه بالقهر و الغلبة. فِيهَا مُفْسِدٌ فَيُخْبِرَ عَنْ فَسَادِهَا لَا يُدْرَى لِلذَّكَرِ خُلِقَتْ أَمْ لِلْأُنْثَى تَنْفَلِقُ عَنْ مِثْلِ أَلْوَانِ الطَّوَاوِيسِ أَ تَرَى لَهَا مُدَبِّراً قَالَ فَأَطْرَقَ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ أَنَّكَ إِمَامٌ وَ حُجَّةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ أَنَا تَائِبٌ مِمَّا كُنْتُ فِيهِ.

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَ إِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.