الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ٦

و هما كرتان، فبالضرورة يتحقق بينهما بعد و فرجة واحدة، لو لم تكن الكرتان متماستين أو فرجتان لو كانتا متماستين بنقطة واحدة، و لاستحالة الخلاء يجب أن يكون الشاغل لتلك الفرجة جسما آخر و لوجوب استناد الجسم إلى مجرد منته إليه يجب أن تكون علته و صانعه واجبا و يجب أن يكون ثالث الصانعين المفروضين، لأن ذلك الجسم خارج عن جميع مخلوقات كل واحد منهما، لأن عالمه عبارة عن جميع مخلوقاته، و على هذا فيلزم أن يكون ذلك الجسم المالي لتلك الفرجة عالما جسمانيا آخر، مثل هذا العالم و إلا يلزم النقص في صانعه الذي هو واجب بالذات بوجه من الوجوه، و النقص في الواجب محال فمن اثنينية الصانع يلزم الفرجة بين العالمين الجسمانيين و هي مستلزمة لوجود صانع واجب آخر موجد لعالم جسماني آخر شاغل لها، و من وجود العالم الجسماني الثالث تلزم فرجتان أخريان مستلزمتان لصانعين آخرين و هكذا إلى غير النهاية، و ذلك باطل من وجهين أما أولا فلاستلزامه وجود البعد الغير المتناهي و هو محال، و أما ثانيا فللزوم التسلسل لتحقق اللزوم بين العالمين و بين العالم الثالث، و كذا بينه و بين العالمين الآخرين و هكذا، و ذلك كاف في تحقق التسلسل المحال، و على هذا فقوله (عليه السلام) فرجة ما بينهما أي فرجة ما بين عالميهما الجسمانيين. و قوله (عليه السلام) فصارت الفرجة ثالثا بينهما قديما معهما، أي فصارت علة شاغل الفرجة ثالثا بين الصانعين قديما بالذات معهما، فيلزمك أن يكون الصانع القديم ثلاثة، و قوله (عليه السلام): حتى يكون بينهم فرجتان أي حتى يكون بين مصنوعيهما فرجتان شاغلتان لعالمين جسمانيين آخرين، فيكون الصانع خمسة، و هكذا يزيد عدده بإزاء الفرج الحاصلة بين الكرات و لا يخفى عليك ما فيه من التكلفات. فَمَا الدَّلِيلُ عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)وُجُودُ الْأَفَاعِيلِ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ صَانِعاً صَنَعَهَا أَ لَا تَرَى أَنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ إِلَى بِنَاءٍ مُشَيَّدٍ مَبْنِيٍّ عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ بَانِياً وَ إِنْ كُنْتَ لَمْ تَرَ الْبَانِيَ وَ لَمْ تُشَاهِدْهُ قَالَ فَمَا هُوَ قَالَ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ ارْجِعْ بِقَوْلِي قوله: فما الدليل عليه: يعني بما ذكرت قد ثبت وحدة المبدأ الأول للعالم على تقدير وجوده، فما الدليل على وجوده؟ فأجاب (عليه السلام) بأن الأفاعيل و هي جمع أفعولة و هو الفعل العجيب الذي روعي فيه الحكمة، كخلق الإنسان و عروقه و أحشائه و عضلاته و آلات القبض و البسط و نحو ذلك، مما لا يتأتى إلا من قادر حكيم، و نبه عليه بأنك إذا نظرت إلى بناء مشيد. أي مطول و مستحكم، و لما كان البناء قد يستعمل لغير المبني كالمعنى المقابل للهدم و غيره أردفه بقوله: مبني، أو المعنى مبني لإنسان لا الأبنية التي تكون في الجبال، لا يعلم كونه مبينا لإنسان" علمت أن له بانيا" فإذا كنت تحكم في البناء التي يتأتى من الإنسان بأن له بانيا البتة من نوع الإنسان، و لا يجوز حصوله بغير بان، فلم لا تحكم في البناء الذي تعلم أن بانية أرفع و أقدر و أحكم من الإنسان بوجود الباني، و تجوز وجوده من غير بأن و موجد و خالق، و قوله: فما هو؟ إما سؤال عن حقيقته بالكنه، ففي الجواب إشارة إلى أنه لا يمكن معرفته بالكنه و إنما يعرف بوجه يمتاز به عن جميع ما عداه، أو سؤال عن حقيقته بالوجه الذي يمتاز به عن جميع ما عداه، و على التقديرين فالجواب بيان الوجه الذي به يمتاز عما عداه، و هو أنه شيء بخلاف الأشياء، أي لا يمكن تعقل ذاته إلا بهذا الوجه، و هو أنه موجود بخلاف سائر الموجودات في الذات و الصفات، و في نحو الاتصاف بها، و قوله: ارجع على صيغة الأمر أو المتكلم وحده بقولي: و هو أنه شيء بخلاف الأشياء إلى إثبات معنى للذات أو إلى إثبات موجود في الخارج، و مقصود باللفظ فيه، و إلى أنه شيء بحقيقة الشيئية أعلم أن الشيء مساو للوجود إذا أخذ الوجود أعم من الذهني و الخارجي، و المخلوط بالوجود من حيث الخلط شيء و شيئيته كونه مهية قابلة له، و قيل: إن الوجود عين الشيئية فالمراد بقوله بحقيقة الشيئية أي بالشيئية الحقة الثابتة له في حد ذاته لأنه إِلَى إِثْبَاتِ مَعْنًى وَ أَنَّهُ شَيْءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ تعالى هو الذي يحق أن يقال أنه شيء أو موجود، لكون وجوده بذاته ممتنع الانفكاك عنه، و غيره تعالى في معرض الفناء و العدم، و ليس وجودهم إلا من غيرهم، أو المراد أنه تجب معرفته بمحض أنه شيء إلا أن يثبت له حقيقة معلومة مفهومة يتصدى لمعرفتها، فإنه يمتنع معرفة كنه ذاته و صفاته تعالى. و قيل: إشارة إلى أن الشيئية أي الوجود أو ما يساوقه عين ذاته تعالى فهي شيئية قائمة بذاتها كما أن حقيقة الوجود المجهول الكنه المعلوم بالوجه بديهة عينه تعالى، و هو وجود قائم بنفسه، فهو تعالى شيء بحقيقة الشيئية التي هي عينه كما أنه موجود بحقيقة الوجود الذي هو عينه، بخلاف ما عداه من الممكنات المعلولة، فإنه شيء بالانتساب إلى الشيئية الحقيقية كما أنه موجود بالانتساب إلى حضرة الوجود، لا موجود بنفس الوجود، و إن لم يكن حقيقة ذلك الانتساب معلوما لنا، أو معناه أن الشيئية لا يمكن انتزاعها منه تعالى انتزاعا بتجرد ذاته عن الشيئية و لو في اللحاظ العقلي، بل ذاته بذاته حيثيته انتزاع الشيئية منه، كما أن ذاته بذاته حيثيته انتزاع الوجود منه، فهو كما أنه موجود بذاته شيء بذاته، و هذا معنى عينية الشيئية و الوجود لذاته تعالى عند جماعة من المحققين بخلاف المهيات الممكنة فإنها كما تصير في اللحاظ العقلي مجردة عن الوجود و بعقل غير مخلوطة به و لا تكون بذاتها حيثيته انتزاع الوجود، بل إنما جعلها الجاعل بحيث يصح انتزاعه منها كذلك تصير في اللحاظ العقلي مجردة عن الشيئية و تعقل غير مخلوط بها و لا تكون بذاتها حيثيته انتزاع الشيئية بل إنما جعلها الجاعل بحيث يصح انتزاعها منها فهي كما أنها موجود بغيرها شيء بغيرها، ثم لما بين (عليه السلام) أنه شيء بحقيقة الشيئية نفي عنه جميع ما عداه من ذوات الممكنات المعلولة كالجسم و الصورة و أمثالها، و صفاتها كالإحساس و الإجساس و نحو ذلك لأن الممكن لا يكون شيئا بحقيقة الشيئية، بل إنما يكون شيئا بالانتساب إلى الشيئية أو بالاتصاف بها بجعل الجاعل لا بذاته، فظهر أن نفي الجسم و الصورة و نفي وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ لَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ.

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ حُدُوثِ الْعَالَمِ وَ إِثْبَاتِ الْمُحْدِثِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.