الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ٦

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ عَنْ هِشَامِ المخالطة و يتكثر في النواظر لا بطريق الانقسام، فأمره دائر بين القول باتحاد جميع الموجودات مع الواجب تعالى، أو القول بعدم تحقق موجود آخر غير الواجب في الواقع، و كل منهما سفسطة تحكم بديهة العقل ببطلانه، و ضرورة الدين بفساده و طغيانه. الحديث الرابع: صحيح، و البركة: الزيادة من الخير و الثبات عليه و الطهارة من العيب. قوله (عليه السلام) ليس كمثله: أي ليس له ما يشبه أن يكون مثله فكيف مثله، أو ليس مثل مثله، فيدل على نفي مثله بالكناية الأبلغ لأن على تقدير وجود المثل يكون هو مثل مثله، و المشهور أن الكاف زائدة و أردفه بقوله" وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" لئلا يتوهم أن نفي المثل يستلزم نفي الصفات كما توهم. الحديث الخامس: حسن. قوله (عليه السلام): و كل ما وقع. هذا كالتعليل للسابق و تتمة له و بانضمامه يدل على عينية صفاته تعالى و عدم تركبه فتدبر، و إنما أورد هذا الخبر و الذي قبله في هذا الباب لتضمنها استثناؤه سبحانه من قوله: كلما وقع عليه اسم شيء. الحديث السادس: مجهول، و قد مر صدر الخبر و تكلمنا عليه. بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ حِينَ سَأَلَهُ مَا هُوَ قَالَ هُوَ شَيْءٌ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ ارْجِعْ بِقَوْلِي إِلَى إِثْبَاتِ مَعْنًى وَ أَنَّهُ شَيْءٌ بِحَقِيقَةِ الشَّيْئِيَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا جِسْمٌ وَ لَا صُورَةٌ وَ لَا يُحَسُّ وَ لَا يُجَسُّ وَ لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ الْخَمْسِ لَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَ لَا تَنْقُصُهُ الدُّهُورُ وَ لَا تُغَيِّرُهُ الْأَزْمَانُ فَقَالَ لَهُ السَّائِلُ فَتَقُولُ إِنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَالَ هُوَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ وَ بَصِيرٌ بِغَيْرِ آلَةٍ بَلْ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ وَ يُبْصِرُ بِنَفْسِهِ لَيْسَ قَوْلِي إِنَّهُ سَمِيعٌ يَسْمَعُ بِنَفْسِهِ وَ بَصِيرٌ يُبْصِرُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ شَيْءٌ وَ النَّفْسُ شَيْءٌ آخَرُ وَ لَكِنْ قوله: فتقول إنه سميع: إيراد على قوله (عليه السلام) لا جسم يعني أن له سمعا و بصرا فكيف لا يكون جسما، أو قلت إنه لا بد من العلم به بمحض الشيئية و قلت لا تدركه الأوهام فهل تثبت له من الصفات شيئا أم لا فأجاب (عليه السلام): بأنا نثبت الصفات على وجه لا يشابه بها المخلوقات و لا يوجب له الاشتراك مع غيره لا في حقيقة الصفات، لأن غيره سميع بجارحة بصير بآلة و هو تعالى يسمع و يبصر، أي يعلم المسموعات و المبصرات لا بجارحة و لا بآلة و لا بصفة زائدة على ذاته، ليلزم علينا أن يكون له مجانس أو مشابه بل هو سميع بنفسه و بصير بنفسه ثم أشار (عليه السلام) إلى رفع توهم آخر و هو أن يقال: قولكم يسمع بنفسه يستدعي المغايرة بين الشيء و نفسه، لمكان باء السببية أو الآلية أو يقال حمل شيء على شيء أو صدقه عليه مما يستدعي مغايرة ما بين الموضوع و المحمول، فإذا قلنا إنه سميع بنفسه يتوهم أن المشار إليه بأنه شيء و السميع بنفسه شيء آخر، فقال: ليس قولي سميع بنفسه" إلخ" و المراد أن الضرورة دعت إلى إطلاق مثل هذه العبارات للتعبير عن نفي الكثرة عن ذاته حين كون الإنسان مسئولا يريد إفهام السائل في المعارف الإلهية فإنه يضطر إلى إطلاق الألفاظ الطبيعية و المنطقية التي تواطأ عليها الناس و هو المراد بقوله (عليه السلام): و لكني أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسئولا أي أردت التعبير عما في نفسي من الاعتقاد في هذه المسألة بهذه العبارة الموهمة للكثرة لضرورة التعبير عما في نفسي إذ كنت مسئولا، و لضرورة إفهام أَرَدْتُ عِبَارَةً عَنْ نَفْسِي إِذْ كُنْتُ مَسْئُولًا وَ إِفْهَاماً لَكَ إِذْ كُنْتَ سَائِلًا فَأَقُولُ إِنَّهُ سَمِيعٌ بِكُلِّهِ لَا أَنَّ الْكُلَّ مِنْهُ لَهُ بَعْضٌ وَ لَكِنِّي أَرَدْتُ إِفْهَامَكَ وَ التَّعْبِيرُ عَنْ نَفْسِي وَ لَيْسَ مَرْجِعِي فِي ذَلِكَ إِلَّا إِلَى أَنَّهُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْعَالِمُ الْخَبِيرُ بِلَا اخْتِلَافِ الذَّاتِ وَ لَا اخْتِلَافِ الْمَعْنَى قَالَ لَهُ السَّائِلُ فَمَا هُوَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)هُوَ الرَّبُّ وَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَ هُوَ اللَّهُ الغير الذي هو السائل ثم عبر (عليه السلام) بعبارة أخرى لفهم السائل و رفع فقال فأقول إنه سميع بكله، و لما كان هذا موهما أن له سبحانه بعضا و جزءا نفى ذلك الوهم بقوله لا أن الكل منه له بعض و هو مجتمع من الأبعاض، بل المراد كونه سميعا بحقيقته و ذاته، الواحدة البسيطة لا غير المنقسمة و المتكثرة ثم أوضح (عليه السلام) ذلك بوجه آخر فقال: و ليس مرجعي أي في كلامي إلا إلى كونه سميعا بصيرا، و مرجع السمع و البصر فيه إلى كونه عالما خبيرا بالمسموع و المبصر كعلم السامع البصير منا لكن لا بآلة و جارحة بل بلا اختلاف الذات بالأجزاء و لا اختلاف المعنى، أي الصفة للذات أو للصفة لما تحقق من امتناع اختلاف جهتي القابلية و الفاعلية و الإمكان و الوجوب في المبدأ الأول جل شأنه. قال الفارابي: إنه تعالى وجود كله، وجوب كله، علم كله، قدرة كله، حياة كله، إرادة كله، لا أن شيئا منه علم، و شيئا آخر قدرة، فيلزم التركيب في ذاته، و لا أن شيئا فيه علم و شيئا آخر فيه قدرة، ليلزم التكثير في صفاته. قوله: فما هو؟ أي إذا تفردت ذاته سبحانه عن سائر الأشياء بحيث لا يشاركه شيء لا في الذات و لا في الصفات فما هو؟ و بأي شيء تعرف ذاته؟ فإن التعريف إنما يكون بالحدود و إما بالرسوم، و إذ ليس بذي أجزاء فلا حد له، و إذ ليست له صفة لازمة و لا خاصية زائدة، فلا رسم، و الجواب: أن التعريف غير منحصر في هذين الوجهين، بل قد يعرف الشيء بآثاره و أفعاله كما في القوي، حيث تعرف بأفاعيلها، فقوله: هو الرب" إلخ" إشارة إلى ذلك، فإنا إذا رأينا المربوبات علمنا أن لها ربا، و لما وَ لَيْسَ قَوْلِي اللَّهُ إِثْبَاتَ هَذِهِ الْحُرُوفِ أَلِفٍ وَ لَامٍ وَ هَاءٍ وَ لَا رَاءٍ وَ لَا بَاءٍ وَ لَكِنِ ارْجِعْ نظرنا إلى العباد علمنا أن لهم معبودا، و لما أبصرنا و له الأشياء و تضرعها و افتقارها علمنا أن لها إلها، فنعرف أن في الوجود ربا معبودا و إلها قيوما، ثم إنه لما كان كثير من المتكلمين توهموا أن الاسم عين المسمى كما سيأتي أشار (عليه السلام) هنا إلى إزاحة هذا الوهم بأنه ليس المراد بقولي: الله أو الرب إثبات هذه الحروف ليلزم تركبه سبحانه و يقدح في توحيده، فإنه ليس المقصود بقوله هو الله إنه هذه الحروف ألف، و لام، و هاء، و لا بقوله: هو الرب أنه راء و باء، و لكن إثبات معنى أي صفة فعلية هو خالق الأشياء و صانعها، فيعرف أنه موصوف بالصفة الفعلية، و هذه حروف وضعت للموصوف بهذه الصفة، فينتقل منها إليه و ليست هو هي فإن نعت هذه الحروف و هو المعنى. فقوله: و نعت، مبتدأ مضاف إلى قوله هذه، و خبره الحروف، و المعنى أن نعت هذه الحروف التي في الله و رب، إنها حروف، و أنها ألف، لام، هاء، راء، باء، و هو أي المقصود إثباته المعنى سمي به أي سمي المعنى بالاسم الذي هو هذه الحروف، فتذكير الضمير باعتبار الاسم، و قوله: الله و الرحمن، مبتدأ خبره من أسمائه، هذا أحد الوجوه في حل هذه العبارة، و الوجه الآخر أن يقرأ نعت بالجر عطفا على معنى، فيكون المراد: أن المرجع في حمل المعنى الإشارة إلى شيء و معنى هو خالق الأشياء و صانعها، و إلى نعت هذه الحروف بإزائها، و هو المعنى أي ذلك النعت هو معنى هذه الحروف، سمي بذلك المعنى ذات الله كما سمي بالرحمن و الرحيم و نظائر ذلك من أسمائه الحسنى و صفاته العليا، فقوله الله أقيم مقام المفعول الأول لسمي و قوله: الرحمن و ما عطف عليه مبتدأ خبره قوله من أسمائه، و هو المعبود أي ذاته المسمى باسم الله، و سائر الأسماء هو المعبود دون الأسماء، و قيل: نعت مجرور معطوف على شيء و هو مضاف إلى الحروف، أي الصفة التي وضعت لها هذه الحروف، و هو راجع إلى مرجع ضمير هو في كلام السائل أو هو ضمير شأن، و على الأول المعنى خبر المبتدأ و جملة سمي به خبر بعد خبر، و على الثاني المعنى مبتدأ و سمي به خبره و على التقديرين إِلَى مَعْنًى وَ شَيْءٍ خَالِقِ الْأَشْيَاءِ وَ صَانِعِهَا وَ نَعْتِ هَذِهِ الْحُرُوفِ وَ هُوَ الْمَعْنَى سُمِّيَ بِهِ اللَّهُ وَ الرَّحْمَنُ وَ الرَّحِيمُ وَ الْعَزِيزُ وَ أَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ وَ هُوَ الْمَعْبُودُ جَلَّ وَ عَزَّ قَالَ لَهُ السَّائِلُ فَإِنَّا لَمْ نَجِدْ مَوْهُوماً إِلَّا مَخْلُوقاً قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)لَوْ كَانَ ضمير به راجع إلى النعت، و الله مبتدأ و من أسمائه خبر. قوله (عليه السلام) و نعت هذه الحروف" إلخ": و منهم من قرأ نعت بالجر عطف على الأشياء أو ضمير صانعها على مذهب من جوزه بدون إعادة الجار، و حينئذ الإضافة إما لامية و المراد بنعتها تركيبها القائم بها، و إما بيانية أي خالق النعت الذي هو هذه الحروف، فإن أسماءه تعالى مخلوقة و نعوت له، و قال الفاضل الأسترآبادي: الحروف مبتدأ و نعت خبره، مقدم عليه، أي هذه الحروف نعت و صفة دالة على ذاته، و في توحيد الصدوق هكذا إلى معنى هو شيء خالق الأشياء و صانعها، وقعت عليه هذه الحروف، و هو المعنى الذي يسمى به و هو أصوب، أي هو شيء أطلقت عليه هذه الحروف، و ضمير به راجع إلى الاسم، و الله مع ما بعده جملة أخرى، أو لفظ الجلالة مفعول مقام الفاعل ليسمى، لكونه على المشهور اسم الذات، فالمراد بالمعنى مدلول الحروف و مفهومات الأسماء. قوله: فإنا لم نجد موهوما" إلخ": أي فلم نجد المدرك بالوهم إلا مخلوقا لما ذكرت أنه لا تدركه الأوهام، فما يحصل في الوهم يكون مخلوقا و ما لا يحصل في الوهم لا يكون مدركا للوهم؟ فأجاب (عليه السلام) بأن كل مدرك للوهم لو كان حاصلا بحقيقته في الوهم لكان التوحيد عنا مرتفعا، لأنا لم نكلف أي بمعرفة غير موهم، و في التوحيد لم نكلف أن نعتقد غير موهوم، أي لا نكلف ما لا ندركه بالوهم و لكن ليس الإدراك بالوهم مستلزما لحصول حقيقة المدرك في الوهم، و نقول: كل موهوم مدرك بالحواس بإحدى الجهتين أو لهما أن تحده الحواس و تحيط به بحقيقته، و ثانيتهما أن تمثله بصورته و شبحه فهو مخلوق، أما الجهة الأولى فلان حصول الحقيقة بعد النفي و نفيها بعد الحصول في الوهم إبطال و عدم للحقيقة، و كلما يطرء عليه العدم أو يكون معدوما يكون ممكن الوجود محتاجا إلى الفاعل الصانع له، فلا يكون مبدءا أو لا، و أما الجهة الثانية أي الحصول بالشبح و الصورة المشابهة يتضمن التشبيه و التشبيه صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف، لأن التشبيه بالمماثلة في الهيئة و الصفة و لا يكونان إلا للمخلوق المركب أو المؤلف من الأجزاء، أو من الذات و الصفة، و يحتمل أن يكون الجهتان جهتي الاستدلال بالمحدودية بالوهم و التمثيل فيه على المخلوقية، إحداهما جهة النفي، و ثانيهما جهة التشبيه كذا ذكره بعض الأفاضل، و قيل: لما أدى كلامه (عليه السلام) في تنزيهه تعالى عن المثل و الشبه إلى أن ذاته تعالى شيء ينعت بأسماء و نعوت، ألفاظها و معانيها خارجة عن ذاته إلا أن معانيها مفهومات ذهنية وهمية يعرف بها ذاته تعالى كالمعبود و الرحمن و الرحيم و غيرها، رجع السائل معترضا مستشكلا فقال: فإنا لم نجد موهوما، أي كل ما نتوهم أو نتصوره فهو مخلوق فكيف يوصف و يعرف به خالق الأشياء؟ فأجاب (عليه السلام) عن ذلك أولا بوجه النقض بأنه لو لم نتوهم ذاته بهذه المعاني الوهمية و لم نعرفه بمثل هذه المفهومات الذهنية لكان التوحيد عنا مرتفعا، إذ لا نقدر و لا نستطيع في توحيده و تعريفه هذه المعاني الوهمية و ثانيا بوجه الحل و هو أنا و إن لم نعرف ذاته إلا على سبيل التوهم و بوسيلة المعاني المشتركة الكلية و لكنا مع ذلك نرجع و نلتفت إلى تلك المعاني التي كانت عنوانات و مرائي بها، عرفنا ذاته فنحكم عليها بأن كل موهوم بإحدى القوي و الحواس ظاهرية كانت أو باطنية و كل مدرك لنا بأحد المشاعر صورة كانت أو معنى، فهو محدود متمثل تحده الحواس و تمثله الأفكار، و كل ما هو كذلك فهو مخلوق مثلنا، مصنوع بفكرنا، و خالق الأشياء منزه عنه و عن معرفتنا أيضا التي تحصل لنا هذه الأمور، فنعرف ذاته بأنا لا نعرف ذاته، و هذه غاية معرفتنا بذاته ما دمنا في هذا العالم، إذ ما لا سبب له لا يمكن العلم به إلا بمشاهدة صريح ذاته، و إما من جهة آثاره و أفعاله، لكن العلم الذي هو من جهتها لا يعرف بها حقيقة ذاته، بل تعرف كونه مبدءا لتلك الآثار و الأفعال، أو صانعا أو نحو ذلك من المعاني الإضافية الخارجة و مع ذلك يحصل الجزم بكونه موجودا و كونه على صفة كذا و كذا مما يليق به من ذَلِكَ كَمَا تَقُولُ لَكَانَ التَّوْحِيدُ عَنَّا مُرْتَفِعاً لِأَنَّا لَمْ نُكَلَّفْ غَيْرَ مَوْهُومٍ وَ لَكِنَّا نَقُولُ كُلُّ مَوْهُومٍ بِالْحَوَاسِّ مُدْرَكٍ بِهِ تَحُدُّهُ الْحَوَاسُّ وَ تُمَثِّلُهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ إِذْ كَانَ النَّفْيُ هُوَ الْإِبْطَالَ النعوت الكمالية، و قوله: إذ كان النفي هو الإبطال و العدم أراد به إثبات الحكم الكلي الذي ذكره، و هو أن كل موهوم أو مدرك فهو مخلوق أي موجود، لأن لا يرد عليه النقض بأنا نتصور أمورا لا وجود لها أصلا، كاللاموجود و اللاشيء و نحوهما، فأشار إلى دفعه بأن هذه الأمور من حيث تمثلها في الوهم موجودة مخلوقة، و النفي المحض بما هو نفي بطلان محض، و عدم صرف لا حصول له أصلا، و قوله: و الجهة الثانية التشبيه، أراد به وجها آخر لكل ما يدرك بالحواس، أو يتمثل في كونه مخلوقا مصنوعا، هو كونه ذا شبه و مثل، و التشبيه صفة المخلوق المستلزم للتركيب و التأليف، إذ كل ما يشبه شيئا فله شيء به يشارك الآخر، و له شيء آخر يمتاز عنه، فيكون مركبا و كل مركب مخلوق و كل مخلوق فله خالق، فلا بد أن ينتهي المخلوقات إلى خالق لا شبه له، و لذا قال: فلم يكن بد من إثبات الصانع، لوجود المصنوعين، لأن كل مركب مصنوع، و أن صانعهم غيرهم لضرورة تحقق المغايرة بين الصانع و المصنوع، ثم لا تكفي مجرد المغايرة أي بوجه دون وجه لاستلزام التركب في الصانع من ذينك الوجهين، فيحتاج لتركبه إلى صانع آخر، و لذا قال: و ليس مثلهم، أي من كل وجه إذ كان مثلهم و لو بوجه شبيها بهم في ذلك فيلزم التركيب الموجب للاحتياج إلى الغير، ثم زاد في البيان استظهارا بذكر نقائص المخلوقات من الحدوث و الانفعالات و التغير في الأحوال و الأعدام و الملكات، ليدل دلالة واضحة على أن صانعها و مبدعها متعال عن المثل و الشبه فثبت أن للإنسان سبيلا إلى معرفة خالق الأشياء بوسيلة معان إدراكية تثبت بها الصانع و صفاته، ثم يعلم أنه وراء ما يدركه و يتصوره و ينزهه به" انتهى" و أقول: بناء أكثر التكلفات على سقط وقع من الكليني (ره) أو النساخ. قوله: و لكنا نقول كل موهوم" إلخ" و في التوحيد و الاحتجاج هكذا و لكنا نقول كل موهوم بالحواس مدرك مما تحده الحواس و تمثله فهو مخلوق، و لا بد من إثبات وَ الْعَدَمَ وَ الْجِهَةُ الثَّانِيَةُ التَّشْبِيهُ إِذْ كَانَ التَّشْبِيهُ هُوَ صِفَةَ الْمَخْلُوقِ الظَّاهِرِ التَّرْكِيبِ وَ التَّأْلِيفِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ إِثْبَاتِ الصَّانِعِ لِوُجُودِ الْمَصْنُوعِينَ وَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ مَصْنُوعُونَ وَ أَنَّ صَانِعَهُمْ غَيْرُهُمْ وَ لَيْسَ مِثْلَهُمْ إِذْ كَانَ مِثْلُهُمْ شَبِيهاً بِهِمْ فِي ظَاهِرِ التَّرْكِيبِ وَ التَّأْلِيفِ وَ فِيمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنْ حُدُوثِهِمْ بَعْدَ إِذْ لَمْ يَكُونُوا وَ تَنَقُّلِهِمْ مِنَ صِغَرٍ إِلَى كِبَرٍ وَ سَوَادٍ إِلَى بَيَاضٍ وَ قُوَّةٍ إِلَى ضَعْفٍ وَ أَحْوَالٍ مَوْجُودَةٍ لَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى تَفْسِيرِهَا لِبَيَانِهَا وَ وُجُودِهَا قَالَ لَهُ السَّائِلُ فَقَدْ حَدَدْتَهُ إِذْ أَثْبَتَّ وُجُودَهُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)لَمْ أَحُدَّهُ صانع للأشياء، خارج من الجهتين المذمومتين، أحدهما النفي إذ كان النفي هو الإبطال و العدم، و الجهة الثانية التشبيه إذ كان التشبيه من صفة المخلوق الظاهر التركيب و التأليف، و لعل السقط هنا من الناسخ الأول. قوله: و الاضطرار إليهم، إلى بمعنى اللام أو بمعنى من، و في التوحيد منهم إليه ثبت أنهم" إلخ". قوله: لبيانها: و في التوحيد لثباتها. قوله: فقد حددته، إيراد سؤال على كونه موجودا بأن إثبات الوجود له يوجب التحديد إما باعتبار التحدد بصفة هو الوجود، أو باعتبار كونه محكوما عليه فيكون موجودا في الذهن، محاطا به، و الجواب أنه لا يلزم تحديده و كون حقيقته حاصلة في الذهن أو محدودة بصفة، فإن الحكم لا يستدعي حصول الحقيقة في الذهن و الوجود ليس من الصفات المغايرة التي تحد بها الأشياء، كما قيل، أو أن الوجود بالمعنى العام أمر عقلي متصور في الذهن، مشترك بين الموجودات، زائد في التصور على المهيات، و أما حقيقة الوجود الذي هو ذات الواجب جل اسمه فلا حد له و لا نظير و لا شبه و لا ند، فلا يعرف إلا بتنزيهات و تقديسات و إضافات خارجة عنه، فلا ينحو نحوه الأوهام و التصورات لكن يعرف بالبرهان أن مبدء الموجودات و صانعها موجود بالمعنى العام ثابت، إذ لو لم يكن موجودا بهذا المعنى لكان معدوما، إذ لا مخرج عنهما و أشار إليه بقوله لم أحده وَ لَكِنِّي أَثْبَتُّهُ إِذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ النَّفْيِ وَ الْإِثْبَاتِ مَنْزِلَةٌ قَالَ لَهُ السَّائِلُ فَلَهُ إِنِّيَّةٌ وَ مَائِيَّةٌ قَالَ نَعَمْ لَا يُثْبَتُ الشَّيْءُ إِلَّا بِإِنِّيَّةٍ وَ مَائِيَّةٍ قَالَ لَهُ السَّائِلُ فَلَهُ كَيْفِيَّةٌ قَالَ لَا لِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ جِهَةُ الصِّفَةِ وَ الْإِحَاطَةِ وَ لَكِنْ و لكني أثبته إذ لم يكن بين النفي و الإثبات منزلة، فلما انتفى النفي ثبت الثبوت. قوله: فله إنية و مائية: أي وجود منتزع و حقيقة ينتزع منها الوجود؟ فأجاب و قال: نعم لا يثبت الشيء أي لا يكون موجودا إلا بانية و مائية أي مع وجود حقيقة ينتزع الوجود منها، قال بعض المحققين: و ينبغي أن يعلم أن الوجود يطلق على المنتزع المخلوط بالحقيقة العينية عينا، و على مصحح الانتزاع و المنتزع غير الحقيقة في كل موجود و المصحح في الأول تعالى حقيقة العينية و إن دلنا عليه غيره، و المصحح في غيره تعالى مغاير للحقيقة و المهية، فالمعنى الأول مشترك بين الموجودات كلها، و المعنى الثاني في الواجب عين الحقيقة الواجبة، و المراد هنا المعنى الأول لا شعار السؤال بالمغايرة، و كذا الجواب، لقوله لا يثبت الشيء إلا بانية و مائية حيث جعل الكل مشتركا فيه، و المشترك فيه إنية مغايرة للمائية، و قال بعضهم: قوله فله إنية و مائية أي إذا ثبت أن هذا المفهوم العام المشترك المتصور في الذهن، خارج عن وجوده الخاص و ذاته، فأذن له إنية مخصوصة و مائية غير مطلق الوجود هو بها هو، فقال (عليه السلام): نعم لا يوجد الشيء إلا بنحو خاص من الوجود و المائية لا بمجرد الأمر الأعم، و اعلم أن للمهية معنيين: أحدهما ما بإزاء الوجود كما يقال وجود الممكن زائد على مهيته و المهية بهذا المعنى مما يعرضه العموم و الاشتراك، فليست له تعالى مهية بهذا المعنى، و ثانيهما ما به الشيء هو هو، و هذا يصح له، ثم قال له السائل: فله كيفية و إنما سأل ذلك لما رأى في الشاهد، كل ما له إنية فله كيفية، فأجاب بنفي الكيفية عنه تعالى بأنها صفة كمالية متقررة زائدة على ذات ما اتصف بها، و الباري جل شأنه مستغن بذاته عن كمال زائد و وصف الكيفية بالإحاطة لأنها مما يغشى الذات الموصوفة بها كالبياض للجسم، و النور للأرض، و العلم للنفس، و الظاهر أنه سأل عن الكيفيات الجسمانية أو عن لَا بُدَّ مِنَ الْخُرُوجِ مِنْ جِهَةِ التَّعْطِيلِ وَ التَّشْبِيهِ لِأَنَّ مَنْ نَفَاهُ فَقَدْ أَنْكَرَهُ وَ دَفَعَ رُبُوبِيَّتَهُ وَ أَبْطَلَهُ وَ مَنْ شَبَّهَهُ بِغَيْرِهِ فَقَدْ أَثْبَتَهُ بِصِفَةِ الْمَخْلُوقِينَ الْمَصْنُوعِينَ الَّذِينَ لَا يَسْتَحِقُّونَ الرُّبُوبِيَّةَ وَ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ أَنَّ لَهُ كَيْفِيَّةً لَا يَسْتَحِقُّهَا غَيْرُهُ وَ لَا يُشَارِكُ فِيهَا وَ لَا يُحَاطُ بِهَا وَ لَا يَعْلَمُهَا غَيْرُهُ مطلق الصفات الزائدة، و لما نفى (عليه السلام) جهة الكيفية و الصفة الزائدة عنه، و علم أن ههنا مزلة الأقدام، قال: لا بد من الخروج من جهة التعطيل و هو نفي الصفات بالكلية و الوقوع في طرف سلوب هذه الأوصاف الإلهية و نقائضها، و من جهة التشبيه و هو جعل صفاتها كصفات المخلوقين، لأن من نفى عنه معاني الصفات فقد أنكر وجود ذاته و علمه و قدرته و إرادته و سمعه و بصره، و رفع ربوبيته و كونه ربا و مبدعا صانعا قيوما إلها خالقا رازقا، و من شبهه بغيره بأن زعم أن وجوده كوجود غيره و علمه كعلمهم، و قدرته كقدرتهم، فقد أثبته بصفة المخلوقين الذين لا يستحقون الربوبية، و لكن لا بد أن يثبت له علم لا يماثل شيئا من العلوم، و له قدرة لا يساوي شيئا من القوي و القدر، و هكذا في سائر الصفات الوجودية و هذا هو المراد بقوله له كيفية لا يستحقها غيره، و إلا فليس شيء من صفاته من مقولة الكيف التي هي من الأجناس حتى يلزم أن تكون صفة التي هي عين ذاته مركبة من جنس و فصل، فتكون ذاته مركبة كما قيل، و قال بعض المحققين [في] قوله لأن الكيفية" إلخ" أي الكيفية حال الشيء باعتبار الاتصاف بالصفة و الانخفاض و التحصل بها لأن الاتصاف فعلية من القوة فهو بين الفعلية بالصفة الموجودة أو بعدمها، و هو في ذاته بين بين، خال من الفعليتين، ففعلية وجوده و تحصله محفوظة بالكيفية، و لا بد له من مهية أخرى فإذا هو مؤتلف مصنوع تعالى عن ذلك. قوله أن له كيفية: و في التوحيد: ذات بلا كيفية، فضمير يستحقها راجعة إلى الذات و هو أصوب. قوله: و لا يحاط بها: أي لا يكون الصفة محيطة به كإحاطة اللون بالجسم مثلا أو كناية عن عدم زيادتها على الذات أو لا يخرج بها عن قابلية إلى فعلية كما قيل. قَالَ السَّائِلُ فَيُعَانِي الْأَشْيَاءَ بِنَفْسِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)هُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يُعَانِيَ الْأَشْيَاءَ بِمُبَاشَرَةٍ وَ مُعَالَجَةٍ لِأَنَّ ذَلِكَ صِفَةُ الْمَخْلُوقِ الَّذِي لَا تَجِيءُ الْأَشْيَاءُ لَهُ إِلَّا بِالْمُبَاشَرَةِ وَ الْمُعَالَجَةِ وَ هُوَ مُتَعَالٍ نَافِذُ الْإِرَادَةِ وَ الْمَشِيئَةِ فَعَّالٌ لِمَا يَشَاءُ.

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْءٌ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.