الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ١

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حُمْرَانَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ السَّكَنِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ وَ الرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ وَ أُولِي الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ الْعَدْلِ وَ الْإِحْسَانِ قوله: فيعاني الأشياء بنفسه: معاناة الشيء ملابسته و مباشرته، و تحمل التعب في فعله، و المراد أنه إذا كان واحدا أحدا لا تركيب فيه و لا تأليف، متفردا بالربوبية إذ لا يستحقها مصنوع فيباشر خلق الأشياء، و صنعها بنفسه و يعالجها و يتحمل مشقة فعلها بذاته، فأجاب بأنه سبحانه أجل من أن يعاني الأشياء بمباشرة و معالجة لأن ذلك صفة المخلوق الذي لا يجيء الأشياء له أي لا يحصل و لا يتيسر له فعلها لعجزه و قصوره عن أن يترتب الأشياء على إرادته و مشيته، فلا يتأتى له فعلها إلا بالمباشرة و المعالجة، و هو سبحانه متعال عن ذلك، نافذ الإرادة و المشية فعال لما يريد، فإذا أراد وجود شيء بأسبابه يوجده مترتبا على وجود أسبابه و إذا أراده لا بأسبابه العادية يوجد لا بأسبابه على خلاف العادة. الحديث السابع: مرسل. باب أنه لا يعرف الله إلا به الحديث الأول: مجهول. وَ مَعْنَى قَوْلِهِ(عليه السلام)اعْرِفُوا اللَّهَ بِاللَّهِ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَشْخَاصَ وَ الْأَنْوَارَ وَ الْجَوَاهِرَ وَ الْأَعْيَانَ فَالْأَعْيَانُ الْأَبْدَانُ وَ الْجَوَاهِرُ الْأَرْوَاحُ وَ هُوَ جَلَّ وَ عَزَّ لَا يُشْبِهُ قوله يعني أن الله خلق الأشخاص: هذا كلام الكليني (ره) و قال الصدوق (ره) في التوحيد بعد نقل هذا الكلام القول الصواب في هذا الباب: هو أن يقال عرفنا الله بالله، لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز و جل واهبها، و إن عرفناه عز و جل بأنبيائه و رسله و حججه (عليهم السلام) فهو عز و جل باعثهم و مرسلهم و متخذهم حججا، و إن عرفناه بأنفسنا فهو عز و جل محدثنا فبه عرفناه، و قد قال الصادق (عليه السلام): لو لا الله ما عرفنا، و لو لا نحن ما عرف الله حق معرفته و لو لا الله ما عرف الحجج، و قد سمعت بعض أهل الكلام يقولون: لو أن رجلا ولد في فلاة من الأرض و لم ير أحدا يهديه و يرشده حتى كبر و عقل و نظر إلى السماء و الأرض لدله ذلك على أن لهما صانعا و محدثا، فقلت: إن هذا شيء لم يكن و هو إخبار بما لم يكن أن لو كان كيف كان يكون، و لو كان ذلك لكان لا يكون ذلك الرجل إلا حجة الله تعالى ذكره على نفسه كما في الأنبياء (عليهم السلام)، منهم من بعث إلى نفسه و منهم من بعث إلى أهله و ولده، و منهم م بعث إلى أهل محلته، و منهم من بعث إلى أهل بلده، و منهم من بعث إلى الناس كافة، أما استدلال إبراهيم الخليل (عليه السلام) بنظره إلى الزهرة ثم إلى القمر، ثم إلى الشمس، و قوله فَلَمّٰا أَفَلَتْ (قٰالَ) يٰا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّٰا تُشْرِكُونَ" فإنه (عليه السلام) كان نبيا ملهما مبعوثا مرسلا، و كان جميع قوله إلى آخره بإلهام الله عز و جل إياه، و ذلك قوله تعالى:" وَ تِلْكَ حُجَّتُنٰا آتَيْنٰاهٰا إِبْرٰاهِيمَ عَلىٰ قَوْمِهِ" و ليس كل أحد كإبراهيم (عليه السلام) و لو استغنى في معرفة التوحيد بالنظر عن تعليم الله عز و جل و تعريفه لما أنزل الله تعالى ما أنزل من قوله:" فَاعْلَمْ أَنَّهُ لٰا إِلٰهَ إِلَّا اللّٰهُ" و من قوله" قُلْ هُوَ اللّٰهُ أَحَدٌ" إلى آخرها، و من قوله" بَدِيعُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ أَنّٰى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَ لَمْ تَكُنْ لَهُ صٰاحِبَةٌ" إلى قوله" وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ" و آخر الحشر و غيرها من آيات التوحيد. تبيين و تحقيق اعلم أن هذه الأخبار لا سيما هذا الخبر تحتمل وجوها" الأول" أن يكون المراد بالمعرف به ما يعرف الشيء به بأنه هو هو، فمعنى اعرفوا الله بالله، اعرفوه بأنه هو الله مسلوبا عنه جميع ما يعرف به الخلق من الجواهر و الأعراض و مشابهة شيء منها، و هذا هو الذي ذكره الكليني (ره) و على هذا فمعنى قوله و الرسول بالرسالة" إلخ" معرفة الرسول بأنه أرسل بهذه الشريعة، و هذه الأحكام، و هذا الدين و هذا الكتاب و معرفة كل من أولي الأمر بأنه الآمر بالمعروف و العالم العامل به، و بالعدل أي لزوم الطريقة الوسطى في كل شيء و الإحسان أي الشفقة على خلق الله و التفضل عليهم، و رفع الظلم عنهم، أو المعنى اعرفوا الله بالله، أي بما يناسب ألوهيته من التنزيه و التقديس، و الرسول بما يناسب رسالته من العصمة و الفضل و الكمال، و أولي الأمر بما يناسب تلك الدرجة القصوى به من العلم و العصمة و الفضل و المزية على من سواه، و يحتمل أن يكون الغرض ترك الخوض في معرفته تعالى و رسوله و حججه بالعقول الناقصة فينتهي إلى نسبة ما لا يليق به تعالى إليه و إلى الغلو في أمر الرسول و الأئمة (صلوات الله عليهم)، و على هذا يحتمل وجهين" الأول" أن يكون المراد اعرفوا الله بعقولكم بمحض أنه خالق إله و الرسول بأنه رسول أرسله الله إلى الخلق، و أولي الأمر بأنه المحتاج إليه لا قامة المعروف و العدل و الإحسان، ثم عولوا في صفاته تعالى و صفات حججه (عليهم السلام) على ما بينوا و وصفوا لكم من ذلك و لا تخوضوا فيها بعقولكم" و الثاني" أن يكون المعنى: اعرفوا الله بما وصف لكم في كتابه و على لسان نبيه، و الرسول بما أوضح لكم من وصفه في رسالته إليكم، و الإمام بما بين لكم من المعروف و العدل و الإحسان، كيف اتصف بتلك الأوصاف و الأخلاق الحسنة، و يحتمل الأخيران وجها ثالثا و هو أن يكون المراد لا تعرفوا الرسول بما يخرج به عن الرسالة إلى درجة الألوهية، و كذا الإمام. " الثاني" أن يكون المراد بما يعرف به ما يعرف باستعانته من قوي النفس العاقلة و المدركة و ما يكون بمنزلتها، و يقوم مقامها، فمعنى اعرفوا الله بالله، اعرفوه بنور الله المشرق على القلوب بالتوسل إليه و التقرب به، فإن العقول لا تهتدي إليه إلا بأنوار فيضه تعالى، و اعرفوا الرسول بتكميله إياكم برسالته، و بمتابعته فيما يؤدي إليكم من طاعة ربكم فإنها توجب الروابط المعنوية بينكم و بينه، و على قدر ذلك يتيسر لكم من معرفته، و كذا معرفة أولي الأمر إنما تحصل بمتابعتهم في المعروف و العدل و الإحسان، و باستكمال العقل بها، و روى الصدوق في التوحيد بإسناده عن هشام بن سالم قال: حضرت محمد بن النعمان الأحول و قام إليه رجل فقال له: بما عرفت ربك؟ قال: بتوفيقه و إرشاده و تعريفه و هدايته، قال: فخرجت من عنده فلقيت هشام بن الحكم فقلت له: ما أقول لمن يسألني فيقول لي: بم عرفت ربك؟ فقال: إن سأل سائل فقال: بم عرفت ربك؟ قلت: عرفت الله جل جلاله بنفسي لأنها أقرب الأشياء إلى، و ذلك لأني أجدها أبعاضا مجتمعة و أجزاء مؤتلفة ظاهرة التركيب، مبينة الصنعة مبنية على ضروب من التخطيط و التصوير، زائدة من بعد نقصان و ناقصة بعد زيادة قد أنشأ لها حواس مختلفة و جوارح متباينة من بصر و سمع و شام و ذائق و لامس، محصولة على الضعف و النقص و المهانة، لا تدرك واحدة منها مدرك صاحبتها، و لا تقوى على ذلك، عاجزة عن اجتلاب المنافع إليها، و دفع المضار، و استحال في العقول وجود تأليف لا مؤلف له، و ثبات صورة لا مصور لها، فعلمت أن لها خالقا خلقها و مصورا صورها مخالفا في جميع جهاتها، قال الله تعالى:" وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلٰا تُبْصِرُونَ". " الثالث" أن يكون المراد ما يعرف بها من الأدلة و الحجج، فمعنى اعرفوا الله بالله أنه إنما تتأتى معرفته لكم بالتفكر فيما أظهر لكم، من آثار صنعه جِسْماً وَ لَا رُوحاً وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِي خَلْقِ الرُّوحِ الْحَسَّاسِ الدَّرَّاكِ أَمْرٌ وَ لَا سَبَبٌ هُوَ الْمُتَفَرِّدُ بِخَلْقِ الْأَرْوَاحِ وَ الْأَجْسَامِ فَإِذَا نَفَى عَنْهُ الشَّبَهَيْنِ شَبَهَ الْأَبْدَانِ وَ شَبَهَ الْأَرْوَاحِ فَقَدْ عَرَفَ اللَّهَ بِاللَّهِ وَ إِذَا شَبَّهَهُ بِالرُّوحِ أَوِ الْبَدَنِ أَوِ النُّورِ فَلَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ بِاللَّهِ و قدرته و حكمته بتوفيقه و هدايته، لا بما أرسل به الرسول من الآيات و المعجزات فإن معرفتها إنما تحصل بعد معرفته تعالى، و اعرفوا الرسول بالرسالة، أي بما أرسل به من المعجزات و الدلائل أو بالشريعة المستقيمة التي بعث بها فإنها لانطباقها على قانون العدل و الحكمة يحكم العقل بحقيقة من أرسل بها، و اعرفوا أولي الأمر بعلمهم بالمعروف و إقامة العدل و الإحسان و إتيانهم بها على وجهها، و هذا أقرب الوجوه، و يؤيده خبر ابن حازم. و يؤيده ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن سلمان الفارسي رضي الله عنه في حديث طويل يذكر فيه قدوم الجاثليق المدينة مع مائة من النصارى و ما سأل عنه أبا بكر فلم يجبه ثم أرشد إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فسأله عن مسائل فأجاب عنها، و كان فيما سأله أن قال له: أخبرني عرفت الله بمحمد أم عرفت محمدا بالله عز و جل؟ فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): ما عرفت الله عز و جل بمحمد (صلى الله عليه و آله)، و لكن عرفت محمدا بالله عز و جل حين خلقه و أحدث فيه الحدود من طول و عرض، فعرفت أنه مدبر مصنوع باستدلال و إلهام منه و إرادة كما ألهم الملائكة طاعته، و عرفهم نفسه بلا شبه و لا كيف، و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. أقول: قال الصدوق (ره) بعد إيراد خبر المتن و هذا الخبر و غيرهما: القول الصواب في هذا الباب، هو أن يقال: عرفنا الله بالله لأنا إن عرفناه بعقولنا فهو عز و جل واهبها و إن عرفناه عز و جل بأنبيائه و رسله و حججه (عليهم السلام) فهو عز و جل باعثهم و مرسلهم و متخذهم حججا، و إن عرفناه بأنفسنا فهو عز و جل محدثها، فبه عرفناه و قد قال الصادق (عليه السلام): لو لا الله ما عرفناه، و لو لا نحن ما عرف الله، و معناه لو لا الحجج ما عرف الله حق معرفته، و لو لا الله ما عرف الحجج. إلى آخر ما ذكره (ره) و حاصل كلامه أن

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.