عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ باب المعبود الحديث الأول: صحيح و آخره مرسل. قوله: من عبد الله بالتوهم: أي من غير أن يكون على يقين في وجوده تعالى و صفاته أو بأن يتوهمه محدودا مدركا بالوهم" فقد كفر" لأن الشك كفر، و لأن كل محدود و مدرك بالوهم غيره سبحانه، فمن عبده كان عابدا لغيره فهو كافر. قوله: و من عبد الاسم: أي الحروف أو المفهوم الوصفي له دون المعنى، أي المعبر عنه بالإسم" فقد كفر" لأن الحروف و المفهوم غير الواجب الخالق للكل تعالى شأنه، و إنما الاسم بلفظه و مفهومه تعبير عن المعنى المقصود، أن يعبر عنه أي ذاته المتعالي عن إحاطة العقول و الأذهان و الإدراكات. قوله: و من عبد الاسم و المعنى أي مجموعهما أو كل واحد منهما. قوله (عليه السلام) فعقد عليه قلبه: أي اعتقد المعنى و إلهيته أو أنه يعبده اعتقادا جازما صادقا و نطق به لسانه. فإن الاعتقاد بالقلب إذا فارق الإقرار باللسان لم يكن كافيا في الإسلام، و الإيمان، و لا بد من النطق به مع التمكن. الحديث الثاني: حسن. سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)عَنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَ اشْتِقَاقِهَا اللَّهُ مِمَّا هُوَ مُشْتَقٌّ قَالَ فَقَالَ لِي يَا هِشَامُ اللَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ إِلَهٍ وَ الْإِلَهُ يَقْتَضِي مَأْلُوهاً وَ الِاسْمُ غَيْرُ الْمُسَمَّى فَمَنْ عَبَدَ الِاسْمَ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَ لَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً وَ مَنْ عَبَدَ الِاسْمَ وَ الْمَعْنَى فَقَدْ كَفَرَ وَ عَبَدَ اثْنَيْنِ وَ مَنْ عَبَدَ الْمَعْنَى دُونَ الِاسْمِ فَذَاكَ التَّوْحِيدُ أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ قَالَ فَقُلْتُ زِدْنِي قَالَ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ اسْماً فَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى لَكَانَ كُلُّ اسْمٍ مِنْهَا إِلَهاً وَ لَكِنَّ اللَّهَ مَعْنًى يُدَلُّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ قوله: الله مشتق من إله، اعلم أنه اختلف علماء اللسان في لفظ الجلالة هل هو جامد أو مشتق، فذهب الخليل و أتباعه و جماعة من الأصوليين و غيرهم إلى أنه علم للذات ليس بمشتق، و ذهب الأكثر إلى أنه مشتق ثم غلب على المعبود بالحق، و هذا الخبر يدل على الثاني، و قوله (عليه السلام): من إله إما اسم على فعال بمعنى المفعول، أي المعبود أو غيره من المعاني التي سيأتي ذكرها، فلما أدخلت عليه الألف و اللام حذفت الهمزة تخفيفا لكثرته في الكلام، و قيل: عوض عن المحذوف، أو فعل إما بفتح اللام بمعنى عبد لأنه معبود، أو بالكسر بمعنى سكن، لأنه يسكن إليه القلوب، أو فزع لأن العابد يفزع إليه في النوائب، أو من أله الفصيل إذا ولع بأمه، إذ العباد مولعون بالتضرع إليه في الشدائد، أو تحير لأن الأوهام تتحير فيه، و قيل: مشتق من و له إذا تحير و قيل: من لاه بمعنى ارتفع، لأنه مرتفع عن مشاكلة الممكنات، و قيل: من لاه يلوه إذا احتجب لأنه محتجب عن العقول، و ظاهر الخبر اشتقاقه من الإله بمعنى المعبود. قوله (عليه السلام): و الإله يقتضي مألوها، الظاهر أنه ليس المقصود أولا الاستدلال على المغايرة بين الاسم و المسمى، بل المعنى أن هذا اللفظ بجوهره يدل على وجود معبود يعبد، أو أنه بمعنى المعبود كما قيل، أو يقتضي كونه معبودا، ثم بين أنه لا يجوز عبادة اللفظ بوجه، ثم استدل على المغايرة بين الاسم و المسمى، و يحتمل أن يكون استدلالا بأن هذا اللفظ يدل على معنى، و الدال غير المدلول بديهة، و على هذا يحتمل أن يكون ما يذكر بعد ذلك تحقيقا آخر لبيان ما يجب أن يقصد بالعبادة، و أن يكون تتمة لهذا الدليل تكثيرا للإيراد، و إيضاحا لما يلزمهم من الفساد، بأن وَ كُلُّهَا غَيْرُهُ يَا هِشَامُ الْخُبْزُ اسْمٌ لِلْمَأْكُولِ وَ الْمَاءُ اسْمٌ لِلْمَشْرُوبِ وَ الثَّوْبُ اسْمٌ لِلْمَلْبُوسِ وَ النَّارُ اسْمٌ لِلْمُحْرِقِ أَ فَهِمْتَ يَا هِشَامُ فَهْماً تَدْفَعُ بِهِ وَ تُنَاضِلُ بِهِ أَعْدَاءَنَا وَ الْمُتَّخِذِينَ مَعَ اللَّهِ يكون المعنى أن العقل لما حكم بالمغايرة فمن توهم الاتحاد إن جعل هذه الحروف معبودا بتوهم أن الذات عينها، فلم يعبد شيئا أصيلا إذ ليس لهذه الأسماء بقاء و استمرار وجودا لا بتبعية النقوش في الألواح أو الأذهان، و إن جعل المعبود مجموع الاسم و المسمى فقد أشرك و عبد مع الله غيره، و إن عبد الذات الخالص فهو التوحيد، و بطل الاتحاد بين الاسم و المسمى، و الأول أظهر، و يحتمل أن يكون المراد بالمألوه من له إلا له كما يظهر من بعض الأخبار أنه يستعمل بهذا المعنى، كقوله (عليه السلام): كان إلها إذ لا مألوه و عالما إذ لا معلوم فالمعنى أن الإله يقتضي نسبة إلى غيره و لا يتحقق بدون الغير، و المسمى لا حاجة له إلى غيره، فالاسم غير المسمى، ثم استدل (عليه السلام) على المغايرة بوجهين آخرين: " الأول": أن لله تعالى أسماء متعددة فلو كان الاسم عين المسمى لزم تعدد الآلهة لبداهة مغايرة تلك الأسماء بعضها لبعض، قوله: و لكن الله أي ذاته تعالى لا هذا الاسم" الثاني": أن الخبز اسم لشيء يحكم عليه بأنه مأكول، و معلوم أن هذا اللفظ غير مأكول، و كذا البواقي، و قيل: إن المقصود من أول الخبر إلى آخره بيان المغايرة بين المفهومات العرضية التي هي موضوعات تلك الأسماء و ذاته تعالى الذي هو مصداق تلك المفهومات، فقوله (عليه السلام): و الإله يقتضي مألوها معناه أن هذا المعنى المصدري يقتضي أن يكون في الخارج موجود هو ذات المعبود الحقيقي، ليدل على أن مفهوم الاسم غير المسمى و الحق تعالى ذاته نفس الوجود الصرف بلا مهية أخرى، فجميع مفهومات الأسماء و الصفات خارجة عنه، فصدقها و حملها عليه ليس كصدق الذاتيات على المهية إذ لا مهية له كلية و لا كصدق العرضيات إذ لا قيام لأفرادها بذاته تعالى، و لكن ذاته تعالى بذاته الأحدية البسيطة مما ينتزع منه هذه المفهومات، و تحمل عليه، فالمفهومات كثيرة و الجميع غيره، فيلزم من عينية تلك المفهومات تعدد الآلهة. قوله: الخبز اسم للمأكول، حجة أخرى على ذلك، فإن مفهوم المأكول اسم جَلَّ وَ عَزَّ غَيْرَهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَقَالَ نَفَعَكَ اللَّهُ بِهِ وَ ثَبَّتَكَ يَا هِشَامُ قَالَ هِشَامٌ فَوَ اللَّهِ مَا قَهَرَنِي أَحَدٌ فِي التَّوْحِيدِ حَتَّى قُمْتُ مَقَامِي هَذَا.
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْمَعْبُودِ