أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا(عليه السلام)أَسْأَلُهُ عَنِ الرُّؤْيَةِ وَ مَا تَرْوِيهِ الْعَامَّةُ وَ الْخَاصَّةُ- وَ سَأَلْتُهُ أَنْ يَشْرَحَ لِي ذَلِكَ فَكَتَبَ بِخَطِّهِ اتَّفَقَ الْجَمِيعُ لَا تَمَانُعَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمَعْرِفَةَ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ ضَرُورَةٌ فَإِذَا جَازَ أَنْ يُرَى اللَّهُ بِالْعَيْنِ وَقَعَتِ الْمَعْرِفَةُ ضَرُورَةً- ثُمَّ الجسمانية، لها دون العقلية بعيد عن العقل مستغرب و أشار (عليه السلام) إلى أن كل ما ينفى العلم بكنهه تعالى من السمع ينفى الرؤية أيضا، فإن الكلام ليس في رؤية عرض من إعراضه تعالى بل في رؤية ذاته و هو نوع من العلم بكنهه تعالى. الحديث الثالث: مجهول. و اعلم أن الناظرين في هذا الخبر قد سلكوا مسالك شتى في حلها و لنذكر بعضها: " الأول" هو الأقرب إلى الأفهام و إن كان أبعد من سياق الكلام، و كان الوالد العلامة (قدس الله روحه) يرويه عن المشايخ الأعلام و تقريره على ما حرره بعض الأفاضل الكرام هو أن المراد أنه اتفق الجميع أي جميع العقلاء من مجوزي الرؤية و محيلها لا تمانع و تنازع بينهم على أن المعرفة من جهة الرؤية ضرورة، أي كل ما يرى يعرف بأنه على ما يرى و أنه متصف بالصفات التي يرى عليها ضرورة فحصول معرفة المرئي بالصفات التي يرى عليها ضروري و هذا الكلام يحتمل وجهين: أحدهما كون قوله من جهة الرؤية خبرا أي إن المعرفة بالمراد يحصل من جهة الرؤية ضرورة، و ثانيهما: تعلق الظرف بالمعرفة و كون قوله ضرورة خبرا أي المعرفة الناشئة من جهة الرؤية ضرورة، أي ضرورية، و الضرورة على الاحتمالين يحتمل الوجوب و البداهة، و تقرير الدليل: أن حصول المعرفة من جهة الرؤية ضروري، فلو جاز أن يرى الله سبحانه بالعين وقعت المعرفة من جهة الرؤية عند الرؤية ضروري، فلو جاز أن يرى الله سبحانه بالعين وقعت المعرفة من جهة الرؤية عند الرؤية ضرورة، فتلك المعرفة لا تخلو من أن يكون إيمانا أو لا يكون إيمانا و هما باطلان، لأنه إن كانت إيمانا لم تكن المعرفة الحاصلة في الدنيا من جهة الاكتساب إيمانا لأنهما متضادان فإن المعرفة الحاصلة بالاكتساب أنه ليس بجسم و ليس في مكان و لَمْ تَخْلُ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ مِنْ أَنْ تَكُونَ إِيمَاناً أَوْ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ فَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ إِيمَاناً فَالْمَعْرِفَةُ الَّتِي فِي دَارِ الدُّنْيَا مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ لَيْسَتْ بِإِيمَانٍ لِأَنَّهَا بمتكمم و لا متكيف، و الرؤية بالعين لا يكون إلا بإدراك صورة متحيزة من شأنها الانطباع في مادة جسمانية، و المعرفة الحاصلة من جهتها معرفة بالمرئي بأنه متصف بالصفات المدركة في الصورة، فهما متضادتان لا يجتمعان في المطابقة للواقع، فإن كانت هذه إيمانا لم تكن تلك إيمانا فلا يكون في الدنيا مؤمن، و إن لم تكن تلك المعرفة التي من جهة الرؤية إيمانا، أي اعتقادا مطابقا للواقع، و كانت المعرفة الاكتسابية إيمانا لم تخل هذه المعرفة التي من جهة الاكتساب من أن تزول عند المعرفة من جهة الرؤية لتضادهما، و لا تزول لامتناع زوال الإيمان في الآخرة، و هذه العبارة تحتمل ثلاثة أوجه" أحدها" لم تخل هذه المعرفة من الزوال عند الرؤية و المعرفة من جهتها لتضادهما و الزوال مستحيل، لا يقع لامتناع زوال الإيمان في الآخرة" و ثانيها" لم تخل هذه المعرفة من الزوال و عدم الزوال، و يكون متصفا بكليهما في المعاد، و المستلزم لاجتماع النقيضين مستحيل" و ثالثها" لم تخل هذه المعرفة من الزوال و عدم الزوال و لا بد من أحدهما و كل منهما محال، و أما بيان أن الإيمان لا يزول في المعاد بعد الاتفاق و الاجتماع عليه أن الاعتقاد الثابت المطابق للواقع الحاصل بالبرهان مع معارضة الوساوس الحاصلة في الدنيا، يمتنع زوالها عند ارتفاع الوساوس و الموانع، على أن الرؤية عند مجوزيها إنما تقع للخواص من المؤمنين و الكمل منهم في الجنة، فلو زال إيمانهم لزم كون غير المؤمن أعلى درجة من المؤمن، و كون الأحط مرتبة أكمل من الأعلى درجة، و فساده ظاهر. أقول: الاحتمالات الثلاثة إنما هي على ما في هذه النسخة من الواو، و أما على ما في التوحيد من كلمة أو فالأخير متعين. ثم اعلم أنه يرد على هذا الحل أن من لم يسلم امتناع الرؤية كيف يسلم كون الإيمان المكتسب منافيا لها و إن ادعى الضرورة في كون الرؤية مستلزمة لما اتفقوا ضِدُّهُ فَلَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مُؤْمِنٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَرَوُا اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الرُّؤْيَةِ إِيمَاناً لَمْ تَخْلُ هَذِهِ الْمَعْرِفَةُ الَّتِي مِنْ جِهَةِ الِاكْتِسَابِ أَنْ تَزُولَ على امتناعه فهو كاف في إثبات المطلوب إلا أن يقال: إنما أورد هكذا تكثيرا للفساد و إيضاحا للمراد، أو يقال لعله (عليه السلام) كان بين للسائل امتناع الرؤية بالدلائل، فلما ذكر السائل ما ترويه العامة في ذلك، بين امتناع وقوع ما ثبت لنا بالبراهين امتناعه و آمنا به بهذا الوجه. الثاني: أن حاصل الدليل أن المعرفة من جهة الرؤية غير متوقفة على الكسب و النظر، و المعرفة في دار الدنيا متوقفة عليه، ضعيفة بالنسبة إلى الأولى فتخالفتا، مثل الحرارة القوية و الحرارة الضعيفة، فإن كانت المعرفة من جهة الرؤية إيمانا لم تكن المعرفة من جهة الكسب إيمانا كاملا لأن المعرفة من جهة الرؤية أكمل منها، و إن لم يكن إيمانا يلزم سلب الإيمان عن الرائين لامتناع اجتماع المعرفتين في زمان واحد في قلب واحد، يعني قيام تصديقين أحدهما أقوى من الآخر بذهن واحد، و أحدهما حاصل من جهة الرؤية و الآخر حاصل من جهة الدليل، كما يمتنع قيام حرارتين بماء واحد في زمان واحد، و يرد عليه النقض بكثير من المعارف التي تعرف في الدنيا بالدليل، و تصير في الآخرة بالمعاينة ضرورية و يمكن بيان الفرق بتكلف. الثالث: ما حققه بعض الأفاضل بعد ما مهد من أن نور العلم و الإيمان يشتد حتى ينتهي إلى المشاهدة و العيان، لكن العلم إذا صار عينا لم يصر عينا محسوسا، و المعرفة إذا انقلبت مشاهدة لم تنقلب مشاهدة بصرية حسية، لأن الحس و المحسوس نوع مضاد للعقل و المعقول، ليس نسبة أحدهما إلى الآخر نسبة النقص إلى الكمال و الضعف إلى الشدة، بل لكل منهما في حدود نوعه مراتب في الكمال و النقص، لا يمكن لشيء من أفراد أحد النوعين المتضادين أن ينتهي في مراتب استكمالاته و اشتداده إلى شيء من أفراد النوع الآخر، فالإبصار إذا اشتد لا يصير تخيلا مثلا، و لا التخيل إذا اشتد يصير تعقلا و لا بالعكس، نعم إذا اشتد التخيل تصير مشاهدة و رؤية وَ لَا تَزُولُ فِي الْمَعَادِ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يُرَى بِالْعَيْنِ إِذِ الْعَيْنُ تُؤَدِّي إِلَى مَا وَصَفْنَاهُ.
الكافي — كتاب التوحيد · بَابٌ فِي إِبْطَالِ الرُّؤْيَةِ