وَ عَنْهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ الثَّالِثِ(عليه السلام)أَسْأَلُهُ بعين الخيال لا بعين الحس، و كثيرا ما يقع الغلط من صاحبه أنه رأى بعين الخيال أم بعين الحس الظاهر كما يقع للمبرسمين و المجانين و كذا التعقل إذا اشتد يصير مشاهدة قلبية و رؤية عقلية لا خيالية و لا حسية، و بالجملة الإحساس و التخيل و التعقل أنواع متقابلة من المدارك كل منها في عالم آخر من العوالم الثلاثة و يكون تأكد كل منها حجابا مانعا عن الوصول إلى الآخر. فإذا تمهد هذا فنقول: اتفق الجميع على أن المعرفة من جهة الرؤية أمر ضروري، و أن رؤية الشيء متضمنة لمعرفته بالضرورة، بل الرؤية بالحس نوع من المعرفة فإن من رأى شيئا فقد عرفه بالضرورة، فإن كان الإيمان بعينه هو هذه المعرفة التي مرجعها الإدراك البصري و الرؤية الحسية فلم تكن المعرفة العلمية التي حصلت للإنسان من جهة الاكتساب بطريق الفكر و النظر إيمانا، لأنها ضده، لأنك قد علمت أن الإحساس ضد التخيل، و أن الصورة الحسية ضد الصورة العقلية، فإذا لم يكن الإيمان بالحقيقة مشتركا بينهما و لا أمرا جامعا لهما لثبوت التضاد و غاية الخلاف بينهما، و لا جنسا مبهما بينهما غير تام الحقيقة المتحصلة كجنس المتضادين مثل اللونية بين نوعي السواد و البياض، لأن الإيمان أمر محصل و حقيقة معينة فهو إما هذا و إما ذاك، فإذا كان ذاك لم يكن هذا، و إن كان هذا لم يكن ذاك، ثم ساق الدليل إلى آخره كما مر. و لا يخفى أن شيئا من الوجوه لا يخلو من تكلفات إما لفظية و إما معنوية، و لعله (عليه السلام) بنى ذلك على بعض المقدمات المقررة بين الخصوم في ذلك الزمان إلزاما عليهم كما صدر عنهم كثير من الأخبار كذلك، و الله تعالى يعلم. الحديث الرابع: صحيح. عَنِ الرُّؤْيَةِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ النَّاسُ فَكَتَبَ لَا تَجُوزُ الرُّؤْيَةُ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الرَّائِي وَ الْمَرْئِيِّ هَوَاءٌ لَمْ يَنْفُذْهُ الْبَصَرُ فَإِذَا انْقَطَعَ الْهَوَاءُ عَنِ الرَّائِي وَ الْمَرْئِيِّ لَمْ تَصِحَّ الرُّؤْيَةُ وَ كَانَ فِي ذَلِكَ الِاشْتِبَاهُ لِأَنَّ الرَّائِيَ مَتَى سَاوَى الْمَرْئِيَّ فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ قوله (عليه السلام) لم ينفذه البصر: كلمة" لم" في بعض النسخ موجودة و ليست في بعضها، فعلى الأول يكون قوله لا تجوز للرؤية بيانا للمدعي، و قوله" ما لم يكن" ابتداء الدليل، و على الثاني: قوله" لا يجوز" ابتداء الدليل، و على التقديرين حاصل الكلام أنه (عليه السلام) استدل على عدم جواز الرؤية بأنها تستلزم كون المرئي جسمانيا ذا جهة و حيز، و بين ذلك بأنه لا بد أن يكون بين الرائي و المرئي هواء ينفذه البصر و ظاهره كون الرؤية بخروج الشعاع و إن أمكن أن يكون كناية عن تحقق الإبصار بذلك و توقفه عليه، فإذا لم يكن بينهما هواء و انقطع الهواء و عدم الضياء الذي هو أيضا من شرائط الرؤية عن الرائي و المرئي لم تصح الرؤية بالبصر" و كان في ذلك" أي في كون الهواء بين الرائي و المرئي" الاشتباه" يعني شبه كل منهما بالآخر، يقال: اشتبها إذا أشبه كل منهما الآخر، لأن الرائي متى ساوى المرئي و ماثله في النسبة إلى السبب الذي أوجب بينهما في الرؤية، وجب الاشتباه و مشابهة أحدهما الآخر في توسط الهواء بينهما، و كان في ذلك التشبيه أي كون الرائي و المرئي في طرف الهواء الواقع بينهما يستلزم الحكم بمشابهة المرئي بالرائي، من الوقوع في جهة ليصح كون الهواء بينهما فيكون متحيزا ذا صورة وضعية، فإن كون الشيء في طرف مخصوص من طرفي الهواء و توسط الهواء بينه و بين شيء آخر سبب عقلي للحكم بكونه في جهة، و متحيزا و ذا وضع، و هو المراد بقوله" لأن الأسباب لا بد من اتصالها بالمسببات" و يحتمل أن يكون ذلك تعليلا لجميع ما ذكر من كون الرؤية متوقفة على الهواء إلى آخر ما ذكر و حاصله يرجع إلى ما ادعاه جماعة من أهل الحق من العلم الضروري بأن الإدراك المخصوص المعلم بالوجه الممتاز عن غيره لا يمكن أن يتعلق بما ليس في جهة، و إلا لم يكن للبصر مدخل فيه، و لا كسب لرؤيته، بل المدخل في ذلك للعقل فلا وجه حينئذ بَيْنَهُمَا فِي الرُّؤْيَةِ وَجَبَ الِاشْتِبَاهُ وَ كَانَ ذَلِكَ التَّشْبِيهُ لِأَنَّ الْأَسْبَابَ لَا بُدَّ مِنِ اتِّصَالِهَا بِالْمُسَبَّبَاتِ.
الكافي — كتاب التوحيد · بَابٌ فِي إِبْطَالِ الرُّؤْيَةِ