الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ١٢

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ أيضا كل نفي ورد في القرآن بالنسبة إلى ذاته تعالى فهو للتأبيد و عموم الأوقات، لا سيما ما قبل هذه الآية، و أيضا عدم إدراك الأبصار جميعا لشيء لا يختص بشيء من الموجودات خصوصا مع اعتبار شمول الأحوال و الأوقات فلا يختص به تعالى فتعين أن يكون التمدح بعدم إدراك شيء من الأبصار له في شيء من الأوقات. و ثانيهما: أنه تعالى تمدح بكونه لا يرى، فإنه ذكره في أثناء المدائح و ما كان من الصفات عد مدحا كان وجوده نقصا يجب تنزيه الله تعالى عنه، و إنما قلنا من الصفات احترازا عن الأفعال كالعفو و الانتقام، فإن الأول تفضل و الثاني عدل، و كلاهما كمال. قوله: أكبر من أبصار العيون، فهو أحق بأن يتعرض لنفيه، و المراد بأوهام القلوب إدراك القلوب بإحاطتها به، و لما كان إدراك القلب بالإحاطة لما لا يمكن أن يحاط به و هما عبر عنه بأوهام القلوب، و لعل المراد بالأكبرية الأعمية أي إدراك القلوب أي النفوس أعم لشمولها لما هو بتوسط الحواس و غيره فتأمل. الحديث الحادي عشر: مرسل. الحديث الثاني عشر: مرسل موقوف لم يسنده إلى معصوم و إنما أورد هنا قَالَ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا لَا تُدْرَكُ إِلَّا بِأَمْرَيْنِ بِالْحَوَاسِّ وَ الْقَلْبِ وَ الْحَوَاسُّ إِدْرَاكُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ إِدْرَاكاً بِالْمُدَاخَلَةِ وَ إِدْرَاكاً بِالْمُمَاسَّةِ وَ إِدْرَاكاً بِلَا مُدَاخَلَةٍ وَ لَا مُمَاسَّةٍ فَأَمَّا الْإِدْرَاكُ الَّذِي بِالْمُدَاخَلَةِ فَالْأَصْوَاتُ وَ الْمَشَامُّ وَ الطُّعُومُ وَ أَمَّا الْإِدْرَاكُ بِالْمُمَاسَّةِ فَمَعْرِفَةُ الْأَشْكَالِ مِنَ التَّرْبِيعِ وَ التَّثْلِيثِ وَ مَعْرِفَةُ اللَّيِّنِ وَ الْخَشِنِ وَ الْحَرِّ وَ الْبَرْدِ وَ أَمَّا الْإِدْرَاكُ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَ لَا مُدَاخَلَةٍ فَالْبَصَرُ فَإِنَّهُ يُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ بِلَا مُمَاسَّةٍ وَ لَا مُدَاخَلَةٍ فِي حَيِّزِ غَيْرِهِ تحقيق هشام لأنه من أكابر أصحاب المعصومين (عليه السلام)، و كان مظنة لأن يكون مأخوذا عنهم، و لعل كلامه مبني على تشبيه المحسوسات بالحواس الباطنة بالمحسوسات بالحواس الظاهرة، و المدركات العقلية بالمدركات الحسية، تقريبا إلى الأفهام، و حاصل كلامه على ما ذكره بعض الأفاضل: أن إدراك الأشياء بالإحاطة بها على قسمين، إدراك بالحواس أي الحواس الظاهرة، و إدراك بالقلب أي بالقوة العاقلة و الحواس الباطنة، و الأول ينقسم إلى إدراك بالمداخلة و إدراك بالمماسة، و إدراك لا بهما، فأما الإدراك بالمداخلة أي بمداخلة حقيقة ما هو مدرك بالحس في الحاس كإدراك الأصوات التي هي هيئة تموج الهواء و ما في حكمه المدركة بوصول تموج الهواء الداخل في الصماخ إلى حامل قوة إدراكها و المشمومات التي هي الروائح المدركة بوصول رائحة المتكيف بها، الداخل في المنخر إلى حامل قوة إدراكها، و الطعوم و المذوقات التي هي كيفيات مذوقة المدركة بوصولها، عند دخول المتكيف بها في الفم، إلى حامل قوة إدراكها، و أما الإدراك بالمماسة أي بمماسة حقيقة المدرك فمعرفة الأشكال و هيئة إحاطة الحدود من التربيع و التثليث و أمثالهما، و معرفة اللين و الخشن أي الخشونة و الحر و البرد، و أما الإدراك بلا مماسة و لا مداخلة فالبصر، أي الإبصار أو إدراك البصر، فإنه أي البصر مدرك الأشياء بلا مماسة و لا مداخلة بين حقيقة المبصر و البصر، لا في حيز غير البصر، و لا في حيز البصر، و لا ينافي ذلك كون الإبصار بتوسط الشعاع أو انطباع شبح المبصر في محل قوة الأبصار. و قيل: في حيز غيره متعلق بيدرك، أي البصر يدرك الغير في حيز ذلك الغير وَ لَا فِي حَيِّزِهِ وَ إِدْرَاكُ الْبَصَرِ لَهُ سَبِيلٌ وَ سَبَبٌ فَسَبِيلُهُ الْهَوَاءُ وَ سَبَبُهُ الضِّيَاءُ فَإِذَا كَانَ السَّبِيلُ مُتَّصِلًا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْمَرْئِيِّ وَ السَّبَبُ قَائِمٌ أَدْرَكَ مَا يُلَاقِي مِنَ الْأَلْوَانِ وَ الْأَشْخَاصِ فَإِذَا حُمِلَ الْبَصَرُ عَلَى مَا لَا سَبِيلَ لَهُ فِيهِ رَجَعَ رَاجِعاً فَحَكَى مَا وَرَاءَهُ كَالنَّاظِرِ فِي الْمِرْآةِ لَا يَنْفُذُ بَصَرُهُ فِي الْمِرْآةِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ رَجَعَ رَاجِعاً يَحْكِي مَا وَرَاءَهُ وَ كَذَلِكَ النَّاظِرُ فِي الْمَاءِ الصَّافِي يَرْجِعُ رَاجِعاً فَيَحْكِي مَا وَرَاءَهُ إِذْ لَا سَبِيلَ لَهُ فِي إِنْفَاذِ بَصَرِهِ فَأَمَّا الْقَلْبُ لا في حيز البصر الذي هو المدرك، و أما القسمان الأولان فلا شبهة في استحالتهما في الرب تعالى، و أما الثالث فمستحيل فيه سبحانه أيضا لأن إدراك البصر له سبيل و سبب لا بد منهما، فسبيله الهواء أي الفضاء الخالي عما يمنع من نفوذ الغير حتى الشعاع و سببه الضياء أي شرطه يتحدث باستحالته بدونهما، فإذا كان السبيل متصلا بينهما و لا يكون بينهما حاجب حالكون السبب الذي هو الضياء الحاصل للمرئي، فإنما أدرك البصر ما يلاقيه بالانطباع أو الشعاع أو بهما من الألوان و الأشخاص من الأجسام و الأشباح، فإذا حمل البصر على ما لا سبيل فيه و كلف الرؤية رجع راجعا فلا يحكى ما كلف رؤيته بل يكون حاكيا ما وراءه، على أنه المواجه المتوجهة إليه كالناظر في المرآة لا ينفذ بصره في المرآة، فإنه إذا لم يكن لبصره سبيل رجع راجعا عما كلف رؤيته و لا سبيل إليه فيحكي ما وراءه على أنه المواجه المتوجهة إليه، و كذلك الناظر في الماء الصافي يرجع بصره راجعا فيحكي ما وراءه، و قوله: إذ لا سبيل له في إنفاذ بصره، يحتمل أن يكون المراد به إذ لا سبيل للناظر إلى إنفاذ بصره، حيث لا سبيل هنا ينفذه البصر، و يحتمل أن يكون المراد إذ لا سبيل للناظر من جهة إنفاذ البصر، أي لا سبيل ينفذ بصره فيه و أما الإدراك بالقلب أي الإدراك العقلاني بعلم زائد على جهة الإحاطة سواء كان على الوجه الجزئي أو الكلي فلا يحوم حول سرادق جلاله و لا يليق بكبرياء كما له، لأن القوي النفسانية إنما تقوى على إدراك ما يغايرها من الجزئيات المحسوسة المحصورة في القوي الدراكة و موادها فهي من المتحيزات بالذات أو بالتبع، و على إدراك كليات مناسبة لجزئيات مدركة بالقوى الباطنة يصح بها أن تعد هي جزئيات فَإِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الْهَوَاءِ فَهُوَ يُدْرِكُ جَمِيعَ مَا فِي الْهَوَاءِ وَ يَتَوَهَّمُهُ فَإِذَا حُمِلَ الْقَلْبُ عَلَى مَا لَيْسَ فِي الْهَوَاءِ مَوْجُوداً رَجَعَ رَاجِعاً فَحَكَى مَا فِي الْهَوَاءِ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ- أَنْ يَحْمِلَ قَلْبَهُ عَلَى مَا لَيْسَ مَوْجُوداً فِي الْهَوَاءِ مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ جَلَّ اللَّهُ وَ عَزَّ فَإِنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَهَّمْ إِلَّا مَا فِي الْهَوَاءِ مَوْجُودٌ كَمَا قُلْنَا فِي أَمْرِ الْبَصَرِ تَعَالَى اللَّهُ أَنْ يُشْبِهَهُ خَلْقُهُ لها و صورها هيئات و صورا لها، و الذي جل بعز جلاله عن أن يكون له مهية صالحة للكلية أو صورة متجزية منقسمة متعال عن إحاطة القلوب به، و إلى ذلك أشار بقوله و أما القلب فإنما سلطانه على الهواء، أي البعد الذي يسمونه حيزا فهو يدرك جميع ما في الهوى من المتحيزات بذواتها أو صورها، فإذا حمل القلب على إدراك ما ليس في الهواء موجودا و ليس يصح عليه التحيز بذاته أو بصورة ذهنية مناسبة له لائقة به رجع راجعا عما لا سبيل له إليه إلى ما يقابله من المتحيزات، و يحتمل أن يكون نظره مقصورا على نفي إدراكه سبحانه على النحو الجزئي بالحواس و القلب، و أما الإدراك على النحو الكلي فمعلوم الانتفاء في حقه سبحانه، حيث أنه يمتنع عليه سبحانه المهية الكلية، ثم إدراك النفس ذاتها على النحو الجزئي ليس بعلم زائد و إدراكها ما يباينها إنما يكون بعلم زائد، فلا يجوز مثله في إدراك المبائن لها، و علمها الزائد بذاتها إنما يكون على قياس ما ذكر، و إذ قد تبين استحالة إدراكه بالحس و القلب فلا ينبغي للعاقل أن يحمل قلبه على إدراك ما ليس موجودا في الهواء متحيزا بنحو من أنحاء التحيز من أمر التوحيد جل الله و عز من أن يكون له شبه من أحوال المتحيزات فإنه إن تكلف ذلك لم يتوهم إلا ما هو في الهواء موجود، و لم يقع نظره إلا عليه كما قلنا في أمر البصر، تعالى الله سبحانه أن يشبه خلقه. ثم اعلم أن الأمة اختلفوا في رؤية الله تعالى على أقوال: فذهبت الإمامية و المعتزلة إلى امتناعها مطلقا، و ذهبت المشبهة و الكرامية إلى جواز رؤيته تعالى في في الجهة و المكان لكونه تعالى عندهم جسما و ذهبت الأشاعرة إلى جواز رؤيته تعالى منزها عن المقابلة و الجهة و المكان، قال الآبي في كتاب إكمال الإكمال ناقلا عن

الكافي — كتاب التوحيد · بَابٌ فِي إِبْطَالِ الرُّؤْيَةِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.