عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ خَلَقَ اللَّهُ الْمَشِيئَةَ بِنَفْسِهَا ثُمَّ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِالْمَشِيئَةِ قلب، و لا تصح النية و الضمير و العزم إلا على ذي خاطر يضطر معها في الفعل الذي يغلب عليه إلى الإرادة له، و النية فيه و العزم، و لما كان الله تعالى يجل عن الحاجات و يستحيل عليه الوصف بالجوارح و الأدوات، و لا يجوز عليه الدواعي و الخطرات بطل أن يكون محتاجا في الأفعال إلى القصود و العزمات، و ثبت أن وصفه بالإرادة مخالف في معناه لوصف العباد، و أنها نفس فعله الأشياء، و بذلك جاء الخبر عن أئمة الهدى ثم أورد هذه الرواية، ثم قال: نص على اختياري في الإرادة، و فيه نص على مذهب لي آخر، و هو أن إرادة العبد تكون قبل فعله، و إلى هذا ذهب البلخي، و القول في تقدم الإرادة للمراد كالقول في تقدم القدرة للفعل، و قوله (عليه السلام): إن الإرادة من الخلق الضمير و ما يبدو لهم بعد الفعل، صريح في وجوب تقدمها للفعل، إذا كان الفعل يبدو من العبد بعدها، و لو كان الأمر فيها على مذهب الجبائي لكان الفعل باديا في حالها و لم يتأخر بدوه إلى الحال التي هي بعد حالها. الحديث الرابع: حسن و يحتمل وجوها من التأويل: الأول: أن لا يكون المراد بالمشية الإرادة بل إحدى مراتب التقديرات التي اقتضت الحكمة جعلها من أسباب وجود الشيء كالتقدير في اللوح، مثلا و الإثبات فيه، فإن اللوح و ما أثبت فيه لم يحصل بتقدير آخر في لوح سوى ذلك اللوح، و إنما وجد سائر الأشياء بما قدر في ذلك اللوح، و ربما يلوح هذا المعنى من بعض الأخبار كما سيأتي في كتاب العدل، و على هذا المعنى يحتمل أن يكون الخلق بمعنى التقدير. الثاني: أن يكون خلق المشية بنفسها كناية عن كونها لازمة لذاته تعالى غير متوقفة على تعلق إرادة أخرى بها، فيكون نسبة الخلق إليها مجازا عن تحققها بنفسها منتزعة عن ذاته تعالى بلا توقف على مشية أخرى أو أنه كناية عن أنه اقتضى علمه الكامل، و حكمته الشاملة كون جميع الأشياء حاصلة بالعلم بالأصلح، فالمعنى أنه لما اقتضى كمال ذاته أن لا يصدر عنه شيء إلا على الوجه الأصلح و الأكمل، فلذا لا يصدر شيء عنه تعالى إلا بإرادته المقتضية لذلك. الثالث: ما ذكره السيد الداماد (قدس الله روحه): أن المراد بالمشية هنا مشية العباد لأفعالهم الاختيارية لتقدسه سبحانه عن مشية مخلوقة زائدة على ذاته عز و جل و بالأشياء أفاعيلهم المترتب وجودها على تلك المشية، و بذلك تنحل شبهة ربما أوردت هاهنا و هي أنه لو كانت أفعال العباد مسبوقة بإرادتهم لكانت الإرادة مسبوقة بإرادة أخرى، و تسلسلت الإرادات لا إلى نهاية. الرابع: ما ذكره بعض الأفاضل و هو أن للمشية معنيين" أحدهما" متعلق بالشائي و هي صفة كمالية قديمة هي نفس ذاته سبحانه و هي كون ذاته سبحانه بحيث يختار ما هو الخير و الصلاح. " و الآخر" يتعلق بالمشيء و هو حادث بحدوث المخلوقات لا يتخلف المخلوقات عنه و هو إيجاده سبحانه إياها بحسب اختياره، و ليست صفة زائدة على ذاته عز و جل و على المخلوقات، بل هي نسبة بينهما تحدث بحدوث المخلوقات لفرعيتها المنتسبين معا فنقول: إنه لما كان هيهنا مظنة شبهة هي أنه إن كان الله عز و جل خلق الأشياء بالمشية فبم خلق المشية؟ أ بمشية أخرى فيلزم أن تكون قبل كل مشية مشية إلى ما لا نهاية له، فأفاد الإمام (عليه السلام) أن الأشياء مخلوقة بالمشية، و أما المشية نفسها فلا يحتاج خلقها إلى مشية أخرى، بل هي مخلوقة بنفسها لأنها نسبة و إضافة بين الشائي و المشي تتحصل بوجوديهما العيني و العلمي، و لذا أضاف خلقها إلى الله سبحانه لأن كلا الوجودين له و فيه و منه، و في قوله (عليه السلام) بنفسها دون أن يقول بنفسه إشارة لطيفة إلى ذلك، نظير ذلك ما يقال: إن الأشياء إنما توجد بالوجود، فأما الوجود نفسه فلا يفتقر إلى وجود آخر، بل إنما يوجد بنفسه. الخامس: ما ذكره بعض المحققين بعد ما حقق أن إرادة الله [المتحققة]
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْإِرَادَةِ أَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ وَ سَائِرِ صِفَاتِ الْفِعْلِ