عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ- إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ مع كراهة ضده و القديم لا ضد له كما قيل، أو المعنى أن القديم واجب الوجود و الإرادة متعلقة الحادث الممكن، ثم رجع إلى أول الكلام لمزيد الإيضاح فقال: و صفات الذات إلى آخره. باب حدوث الأسماء الحديث الأول: مجهول و هو من متشابهات الأخبار و غوامض الأسرار التي لا يعلم تأويلها إلا الله و الراسخون في العلم، و السكوت عن تفسيره و الإقرار بالعجز عن فهمه أصوب و أولى و أحوط و أحرى، و لنذكر وجها تبعا لمن تكلم فيه على سبيل الاحتمال. فنقول:" أسماء" في بعض النسخ بصيغة الجمع، و في بعضها بصيغة المفرد و الأخير أظهر، و الأول لعله مبني على أنه مجزأ بأربعة أجزاء، كل منها اسم، فلذا أطلق عليه صيغة الجمع. و قوله" بالحروف غير متصوت" و في أكثر نسخ التوحيد غير منعوت و كذا ما بعده من الفقرات تحتمل كونها حالا عن فاعل خلق، و عن قوله أسماء، و يؤيد الأول ما في أكثر نسخ التوحيد خلق أسماء بالحروف، و هو عز و جل بالحروف غير منعوت وَ تَعَالَى خَلَقَ اسْماً بِالْحُرُوفِ غَيْرَ مُتَصَوِّتٍ وَ بِاللَّفْظِ غَيْرَ مُنْطَقٍ وَ بِالشَّخْصِ غَيْرَ مُجَسَّدٍ وَ بِالتَّشْبِيهِ غَيْرَ مَوْصُوفٍ وَ بِاللَّوْنِ غَيْرَ مَصْبُوغٍ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْأَقْطَارُ مُبَعَّدٌ عَنْهُ الْحُدُودُ مَحْجُوبٌ عَنْهُ حِسُّ كُلِّ مُتَوَهِّمٍ مُسْتَتِرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ فَجَعَلَهُ كَلِمَةً تَامَّةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مَعاً لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدٌ قَبْلَ الْآخَرِ فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ لِفَاقَةِ الْخَلْقِ إِلَيْهَا وَ حَجَبَ مِنْهَا وَاحِداً وَ هُوَ الِاسْمُ الْمَكْنُونُ الْمَخْزُونُ فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي ظَهَرَتْ فَالظَّاهِرُ هُوَ فيكون المقصود بيان المغايرة بين الاسم و المسمى بعدم جريان صفات الاسم بحسب ظهوراته النطقية و الكتبية فيه تعالى، و أما على الثاني فلعله إشارة إلى حصوله في علمه تعالى فيكون الخلق بمعنى التقدير و العلم، و هذا الاسم عند حصوله في العلم الأقدس، لم يكن ذات صوت و لا ذات صورة و لا ذا شكل و لا ذا صبغ، و يحتمل أن يكون إشارة إلى أن أول خلقه كان بالإضافة على روح النبي (صلى الله عليه و آله) و أرواح الأئمة (عليهم السلام) بغير نطق و صبغ و لون و خط بقلم، و لنرجع إلى تفصيل كل من الفقرات و توضيحها، فعلى الأول قوله غير متصوت إما على البناء للفاعل، أي لم يكن خلقها بإيجاد حرف و صوت، أو على البناء للمفعول أي هو تعالى ليس من قبيل الأصوات و الحروف، حتى يصلح كون الاسم عينه تعالى. و قوله (عليه السلام): و باللفظ غير منطق بفتح الطاء أي ناطق، أو أنه غير منطوق باللفظ كالحروف ليكون من جنسها، أو بالكسر أي لم يجعل الحروف ناطقة على الإسناد المجازي كقوله تعالى" هٰذٰا كِتٰابُنٰا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ" و هذا التوجيه يجري في الثاني من احتمالي الفتح و تطبيق تلك الفقرات على الاحتمال الثاني، و هو كونها حالا عن الاسم بعد ما ذكرنا ظاهر، و كذا تطبيق الفقرات الآتية على الاحتمالين. قوله (عليه السلام): مستتر غير مستور، أي كنه حقيقته مستور عن الخلق مع أنه من حيث الآثار أظهر من كل شيء، أو مستتر بكمال ذاته من غير ستر و حاجب أو أنه غير مستور [عن الخلق] بل هو في غاية الظهور، و النقص إنما هو من قبلنا، و يجري اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ سَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رُكْناً ثُمَّ خَلَقَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اسْماً فِعْلًا مَنْسُوباً إِلَيْهَا فَهُوَ الرَّحْمٰنُ نظير الاحتمالات في الثاني، و يحتمل على الثاني أن يكون المراد أنه مستور عن الخلق غير مستور عنه تعالى، و أما تفصيل الأجزاء و تشعب الأسماء فيمكن أن يقال إنه لما كان كنه ذاته تعالى مستورا عن عقول جميع الخلق فالاسم الدال عليه ينبغي أن يكون مستورا عنهم، فالاسم الجامع هو الاسم الذي يدل على كنه الذات مع جميع الصفات الكمالية، و لما كانت أسماؤه تعالى ترجع إلى أربعة لأنها إما أن تدل على الذات أو الصفات الثبوتية الكمالية أو السلبية التنزيهية أو صفات الأفعال، فجرى ذلك الاسم الجامع إلى أربعة أسماء جامعة، واحد منها للذات فقط، فلما ذكرنا سابقا استبد تعالى به و لم يعطه خلقه و ثلاثة منها تتعلق بالأنواع الثلاثة من الصفات فأعطاها خلقه ليعرفوه بها بوجه من الوجوه، فهذه الثلاثة حجب و وسائط بين الخلق و بين هذا الاسم المكنون، إذ بها يتوسلون إلى الذات و إلى الاسم المختص بها إذ في التوحيد" بهذه الأسماء" و هو أظهر، و لما كانت تلك الأسماء الأربعة مطوية في الاسم الجامع على الإجمال لم يكن بينها تقدم و تأخر، و لذا قال: ليس منها واحد قبل الآخر، و يمكن أن يقال على بعض المحتملات السابقة: أنه لما كان تحققها في العلم الأقدس، لم يكن بينها تقدم و تأخر، أو يقال أن إيجادها لما كان بالإفاضة على الأرواح المقدسة و لم يكن بالتكلم لم يكن بينها و بين أجزائها تقدم و تأخر في الوجود، كما يكون في تكلم الخلق، و الأول أظهر ثم بين الأسماء الثلاثة. و هنا اختلاف بين نسخ الكافي و التوحيد، ففي أكثر نسخ الكافي فالظاهر هو الله تبارك و تعالى، و سخر لكل اسم، فعلى ما في الكافي يحتمل أن يكون فالظاهر هو الله و تبارك و سبحانه لكل اسم، فعليما في الكافي يحتمل أن يكون المعنى أن الظاهر بهذه الأسماء هو الله تعالى و هذه الأسماء إنما جعلها ليظهر بها على الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ الْخٰالِقُ الْبٰارِئُ الْمُصَوِّرُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لٰا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَ لٰا نَوْمٌ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكِيمُ الْعَزِيزُ الْجَبّٰارُ الْمُتَكَبِّرُ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ الْمُقْتَدِرُ الْقَادِرُ السَّلٰامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْبَارِئُ الْمُنْشِئُ الخلق، فالمظهر هو الاسم، و الظاهر به هو الرب سبحانه. و يحتمل أن يكون بيانا للأسماء الثلاثة، و يؤيده نسخة الواو، و ما في التوحيد فأولها" الله" و هو الدال على النوع الأول لكونه موضوعا للذات مستجمعا للصفات الذاتية الكمالية، و الثاني" تبارك" لأنه من البركة و النمو و هو إشارة إلى أنه معدن الفيوض و منبع الخيرات التي لا تتناهى، و هو رئيس جميع الصفات الفعلية من الخالقية و الرازقية و المنعمية و سائر ما هو منسوب إلى الفعل، كما أن الأول رئيس الصفات الوجودية من العلم و القدرة و غيرهما، و لما كان المراد بالاسم كل ما يدل على ذاته و صفاته تعالى أعم من أن يكون اسما أو فعلا أو جملة لا محذور في عد" تبارك" من الأسماء. و الثالث هو" سبحان" الدال على تنزيهه تعالى عن جميع النقائص، فيندرج فيه و يتبعه جميع الصفات السلبية و التنزيهية، هدا على نسخة التوحيد، و على ما في الكافي الاسم الثالث" تعالى" لدلالته على تعاليه سبحانه عن مشابهة الممكنات و ما يوجب نقصا أو عجزا، فيدخل فيه جميع صفات التنزيهية، ثم لما كان لكل من تلك الأسماء الثلاثة الجامعة شعب أربع ترجع إليها، جعل لكل منها أربعة أركان، هي بمنزلة دعائمه، فأما" الله" فلدلالته على الصفات الكمالية الوجودية له أربع دعائم هي وجوب الوجود المعبر عنه بالصمدية و القيومية، و العلم و القدرة و الحياة، أو مكان الحياة اللطف، أو الرحمة أو العزة، و إنما جعلت هذه الأربعة أركانا لأن سائر الصفات الكمالية إنما يرجع إليها كالسميع و البصير و الخبير مثلا، فإنها راجعة إلى العلم، و العلم يشملها و هكذا، و أما" تبارك" فله أركان أربعة: هي الإيجاد، و التربية في الدارين، و الهداية في الدنيا، و المجازاة في الآخرة، أي الموجد أو الخالق الْبَدِيعُ الرَّفِيعُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّازِقُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْبَاعِثُ الْوَارِثُ فَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ وَ مَا كَانَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى حَتَّى تَتِمَّ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَ سِتِّينَ اسْماً فَهِيَ و الرب و الهادي و الديان، و يمكن إدخال الهداية في التربية و جعل المجازاة ركنين الإثابة و الانتقام، و لكل منها شعب من أسماء الله الحسنى كما لا يخفى بعد التأمل و التتبع. و إما" سبحان" أو" تعالى" فلكل منهما أربعة أركان لأنه إما تنزيه الذات عن مشابهة الممكنات، أو تنزيهه عن إدراك الحواس و الأوهام و العقول، أو تنزيه صفاته عما يوجب النقص، أو تنزيه أفعاله عما يوجب الظلم و العجز و النقص، و يحتمل وجها آخر و هو تنزيهه عن الشريك و الأضداد و الأنداد، و تنزيهه عن المشاكلة و المشابهة، و تنزيهه عن إدراك العقول و الأوهام، و تنزيهه عما يوجب النقص و العجز من التركب و الصاحبة و الولد، و التغيرات و العوارض و الظلم و الجور و الجهل و غير ذلك، و ظاهر أن لكل منها شعبا كثيرة، فجعل (عليه السلام) شعب كل منها ثلاثين و ذكر بعض أسمائه الحسنى على التمثيل و أجمل الباقي. و يحتمل على ما في الكافي على الاحتمال الأول أن تكون الأسماء الثلاثة ما يدل على وجوب الوجود و العلم و القدرة، و الاثنا عشر ما يدل على الصفات الكمالية و التنزيهية التي تتبع تلك الصفات، و المراد بالثلاثين صفات الأفعال التي هي آثار تلك الصفات الكمالية، و يؤيده قوله: فعلا منسوبا إليها، و على الأول يكون المعنى أنها من توابع تلك الصفات، فكأنها من فعلها. هذا ما خطر ببالي في حل هذا الخبر، و إنما أوردته على سبيل الاحتمال من غير تعيين لمراد المعصوم (عليه السلام)، و لعله أظهر الاحتمالات التي أوردها أقوام على وفق مذاهبهم المختلفة، و طرائقهم المتشتتة. و إنما هداني إلى ذلك ما أورده ذريعتي إلى الدرجات العلى، و وسيلتي إلى مسالك الهدى بعد أئمة الورى (عليهم السلام) أعني والدي العلامة (قدس الله روحه) في نِسْبَةٌ لِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ وَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الثَّلَاثَةُ أَرْكَانٌ وَ حَجَبَ الِاسْمَ الْوَاحِدَ الْمَكْنُونَ الْمَخْزُونَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ شرح هذا الخبر على ما في الكافي حيث قال: الذي يخطر بالبال في تفسير هذا الخبر على الإجمال، هو أن الاسم الأول كان اسما جامعا للدلالة على الذات و الصفات، و لما كان معرفة الذات محجوبة عن غيره تعالى، جزء ذلك الاسم على أربعة أجزاء، و جعل الاسم الدال على الذات محجوبا عن الخلق، و هو الاسم الأعظم باعتبار، و الدال على المجموع اسم أعظم باعتبار آخر، و يشبه أن يكون الجامع هو الله و الدال على الذات فقط هو، و تكون المحجوبية باعتبار عدم التعيين كما قيل: إن الاسم الأعظم داخل في جملة الأسماء المعروفة و لكنها غير معينة لنا، و يمكن أن يكونا غيرهما و الأسماء التي أظهرها الله للخلق على ثلاثة أقسام، منها ما يدل على التقديس مثل العلي العظيم العزيز الجبار المتكبر، و منها ما يدل على علمه تعالى، و منها ما يدل على قدرته تعالى، و انقسام كل واحد منها إلى أربعة أقسام بأن يكون التنزيه إما مطلقا أو للذات أو للصفات أو الأفعال، و يكون ما يدل على العلم إما لمطلق العلم أو للعلم بالجزئيات كالسميع و البصير أو الظاهر أو الباطن، و ما يدل على القدرة إما للرحمة الظاهرة أو الباطنة أو الغضب ظاهرا أو باطنا، أو ما يقرب من ذلك التقسيم، و الأسماء المفردة على ما ورد في القرآن و الأخبار يقرب من ثلاثمائة و ستين اسما ذكرها الكفعمي في مصباحه، فعليك بجمعها و التدبر في ربط كل منها بركن من تلك الأركان." انتهى كلامه رفع الله مقامه". أقول: و بعض الناظرين في هذا الخبر جعل الاثني عشر كناية عن البروج الفلكية و الثلاثمائة و ستين عن درجاتها، و لعمري لقد تكلف بأبعد مما بين السماء و الأرض، و منهم من جعل الاسم كناية عن مخلوقاته تعالى، و الاسم الأول الجامع عن أول مخلوقاته، و بزعم القائل هو العقل، و جعل ما بعد ذلك كناية عن كيفية تشعب وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى- قُلِ ادْعُوا اللّٰهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمٰنَ أَيًّا مٰا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ حُدُوثِ الْأَسْمَاءِ