مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعاً رَفَعَاهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّ المنفوخ دون أصله. الحديث الربع: ضعيف. قوله (عليه السلام): فأضافها إلى نفسه، أي تشريفا و تكريما، و روى الصدوق (ره) في العيون بإسناده عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله إن الناس يروون أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: إن الله خلق آدم على صورته؟ فقال: قاتلهم الله لقد حذفوا أول الحديث، أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) مر برجلين يتسابان فسمع أحدهما يقول لصاحبه: قبح الله وجهك و وجه من يشبهك. فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك، فإن الله عز و جل خلق آدم على صورته، فلعل الباقر (عليه السلام) أجاب هكذا على تقدير تسليم الخبر، أو لم يتعرض لنفيه تقية، و ربما يجاب أيضا بأن المراد على صفته، لأنه مظهر للصفات الكمالية الإلهية، أو يقال: إن الضمير راجع إلى آدم أي صورته المناسبة له اللائقة به. باب جوامع التوحيد الحديث الأول: مرفوع. أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)اسْتَنْهَضَ النَّاسَ فِي حَرْبِ مُعَاوِيَةَ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَلَمَّا حَشَدَ النَّاسُ قَامَ خَطِيباً فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الْمُتَفَرِّدِ الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ قُدْرَةٌ بَانَ بِهَا مِنَ الْأَشْيَاءِ وَ بَانَتِ الْأَشْيَاءُ مِنْهُ فَلَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ وَ لَا حَدٌّ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الْأَمْثَالُ كَلَّ دُونَ صِفَاتِهِ تَحْبِيرُ اللُّغَاتِ وَ ضَلَّ هُنَاكَ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ قوله: حشد، أي جمع، و في بعض النسخ بالراء بمعناه. قوله (عليه السلام): المتفرد، أي في الخلق و التدبير أو بسائر الكمالات،" و لا من شيء خلق" أي ليس إحداثه للأشياء موقوفا على مادة أو شيء ليس هو موجده. قوله (عليه السلام): قدرة، أي له قدرة، أو هو عين القدرة بناء على عينية الصفات، و قيل: نصب على التميز، أو على أنه منزوع الخافض، أي و لكن خلق الأشياء قدرة، أو بقدرة، و في التوحيد: قدرته فهو مبتدأ" و بأن بها" خبره أو خبره" كافية"، فكانت جملة استئنافية، فكأن سائلا سئل و قال: فكيف خلق لا من شيء؟ فأجاب بأن قدرته كافية. قوله: و لا حد، أي جسماني أو عقلي، أو ليس لمعرفة ذاته و صفاته تعالى حد و نهاية حتى يضرب له فيه الأمثال، إذ الأمثال إنما تصح إذا كان له مشابهة بالممكنات أو مناسبة بينه و بين المدركات بالعقول و المشاعر، و الكلال: العجز و الإعياء، و التحبير التحسين أي أعيى قبل الوصول إلى بيان صفاته أو عنده تزيين الكلام باللغات البديعة الغريبة" و ضل هنالك" أي في ذاته تعالى أو في توصيفه بصفاته صفات تصاريف صفات الواصفين، و أنحاء تعبيرات العارفين، أو ضل و ضاع في ذاته الصفات المتغيرة الحادثة فيكون نفيا للصفات الحادثة عنه تعالى، أو مطلق الصفات، أي ليس في ذاته التغيرات الحاصلة من عروض الصفات المتغايرة، فيكون نفيا لزيادة الصفات مطلقا، كل ذلك أفاده الوالد العلامة (قدس الله روحه)" في ملكوته" فعلوت من الملك، و قد يخص بعالم الغيب و عالم المجردات، و الملك بعالم الشهادة و عالم الماديات، و أفكر في الشيء و فكر وَ حَارَ فِي مَلَكُوتِهِ عَمِيقَاتُ مَذَاهِبِ التَّفْكِيرِ وَ انْقَطَعَ دُونَ الرُّسُوخِ فِي عِلْمِهِ جَوَامِعُ التَّفْسِيرِ وَ حَالَ دُونَ غَيْبِهِ الْمَكْنُونِ حُجُبٌ مِنَ الْغُيُوبِ تَاهَتْ فِي أَدْنَى أَدَانِيهَا طَامِحَاتُ الْعُقُولِ فِي لَطِيفَاتِ الْأُمُورِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ وَ تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ لَهُ فيه و تفكر بمعنى، أي تحير في إدراك حقائق ملكوته و خواصها و آثارها و كيفية نظامها و صدورها عنه تعالى الأفكار العميقة، الواقعة في مذاهب التفكير أو مذاهب التفكير العميقة، فيكون إسناد الحيرة إليها إسنادا مجازيا. " دون الرسوخ في علمه" الرسوخ: الثبوت أي انقطع جوامع تفسيرات المفسرين قبل الثبوت في علمه أو عنده، إشارة إلى قوله تعالى:" وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ" و قد مرت الإشارة إلى توجيهه في باب النهي عن التفكر في ذاته تعالى هذا إذا كان المراد بقوله: في علمه، في معلومه، و يحتمل أن يكون المراد في العلم به سبحانه أو في إبانة حقيقة علمه سبحانه بالأشياء. " و حال دون غيبه المكنون" المكنون: المستور، و المراد معرفة ذاته و صفاته، فالمراد بالحجب النورانية و الظلمانية المعنوية من كماله تعالى و نقص مخلوقاته أو الأعم منها و من سائر العلوم المغيبة، فالحجب أيضا أعم أو المراد أسرار الملكوت الأعلى من العرش و الكرسي و الملائكة، الحافين بهما و سائر ما هو مستور عن حواسنا بالحجب الجسمانية، و التيه: التحير، و الأدنى: الأقرب، و الإضافة في" طامحات العقول و لطيفات الأمور" من إضافة الصفة إلى الموصوف، و الطامح: المرتفع، و الظرف في قوله: في لطيفات، متعلق بالطامحات، بأن يكون" في" بمعنى إلى، أو حال منه فتبارك إما مشتق من البروك بمعنى الثبات و البقاء أو من البركة و هي الزيادة، و الهمة العزم، و يقال: فلان بعيد الهمة إذا كانت إرادته تتعلق بالأمور العالية، و المعنى لا تبلغه الهمم العالية الطالبة لأعلى و أبعد ما من شأنها الوصول إليه، و كذا المراد بغوص وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَحْدُودٌ سُبْحَانَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ أَوَّلٌ مُبْتَدَأٌ وَ لَا غَايَةٌ مُنْتَهًى وَ لَا آخِرٌ يَفْنَى سُبْحَانَهُ هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ وَ الْوَاصِفُونَ لَا يَبْلُغُونَ نَعْتَهُ وَ حَدَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا عِنْدَ خَلْقِهِ إِبَانَةً لَهَا مِنْ شِبْهِهِ وَ إِبَانَةً لَهُ مِنْ شِبْهِهَا لَمْ يَحْلُلْ فِيهَا فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ وَ لَمْ يَخْلُ مِنْهَا فَيُقَالَ لَهُ أَيْنَ لَكِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ وَ أَتْقَنَهَا صُنْعُهُ وَ أَحْصَاهَا حِفْظُهُ لَمْ يَعْزُبْ عَنْهُ خَفِيَّاتُ غُيُوبِ الْهَوَاءِ وَ لَا غَوَامِضُ مَكْنُونِ ظُلَمِ الدُّجَى وَ لَا مَا فِي السَّمَاوَاتِ الْعُلَى إِلَى الفطن: الفطن الغائصة في بحار الفكر لدرك دقائق الأمور. " ليس له وقت معدود و لا أجل ممدود" أي ليس له زمان متناه و لا غير متناه لخروجه عن الزمان، أو ليس له زمان متناه و لا غاية لوجوده و إن امتد الزمان. " و لا نعت محدود" أي بالحدود الجسمانية أو العقلانية بأن يحاط بنعته" و لا آخر يفنى" أي بعده" هو كما وصف نفسه" أي في كتبه و على ألسنة رسله و حججه و بقلم صنعه على دفاتر الآفاق و الأنفس،" حد الأشياء كلها" أي جعل للأشياء حدودا و نهايات أو أجزاء و ذاتيات ليعلم بها أنها من صفات المخلوقين، و الخالق منزه عن صفاتهم، أو خلق الممكنات التي من شأنها المحدودية ليعلم بذلك أنه ليس كذلك، كما قال تعالى: فخلقت الخلق لأعرف، أو خلقها محدودة لأنها لم يكن يمكن أن تكون غير محدودة لامتناع مشابهة الممكن الواجب في تلك الصفات التي هي من لوازم وجوب الوجود، و لعل الأوسط أظهر" و لم يخل منها" أي بالخلو الذي هو بمعنى عدم الملكة، بقرينة التفريع، أي الخلو المحل عن الحال و المكان عن المتمكن" فيقال له أين" أي يسأل أين هو، و يمكن أن يقرأ أين بالتنوين، أي يقال إنه أين و مكان للأشياء، ثم بين (عليه السلام) نسبته سبحانه إلى الأشياء و كيفية قربه منها، بقوله" لكنه سبحانه" إلخ، أي قربه قرب العلية و إحاطته الإحاطة العلمية،" لم يعزب" أي لم يغب، و الدجى: جمع دجية بالضم و هي الظلمة. الْأَرَضِينَ السُّفْلَى لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْهَا حَافِظٌ وَ رَقِيبٌ وَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا بِشَيْءٍ مُحِيطٌ وَ الْمُحِيطُ بِمَا أَحَاطَ مِنْهَا الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَا يُغَيِّرُهُ صُرُوفُ الْأَزْمَانِ وَ لَا يَتَكَأَّدُهُ صُنْعُ شَيْءٍ كَانَ إِنَّمَا قَالَ لِمَا شَاءَ كُنْ فَكَانَ ابْتَدَعَ مَا خَلَقَ بِلَا مِثَالٍ سَبَقَ وَ لَا تَعَبٍ وَ لَا نَصَبٍ وَ كُلُّ صَانِعِ شَيْءٍ فَمِنْ شَيْءٍ صَنَعَ وَ اللَّهُ لَا مِنْ شَيْءٍ صَنَعَ مَا خَلَقَ وَ كُلُّ عَالِمٍ فَمِنْ بَعْدِ جَهْلٍ تَعَلَّمَ وَ اللَّهُ لَمْ يَجْهَلْ وَ لَمْ يَتَعَلَّمْ أَحَاطَ بِالْأَشْيَاءِ عِلْماً قَبْلَ كَوْنِهَا فَلَمْ يَزْدَدَ بِكَوْنِهَا عِلْماً عِلْمُهُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَهَا كَعِلْمِهِ بَعْدَ تَكْوِينِهَا لَمْ يُكَوِّنْهَا لِتَشْدِيدِ سُلْطَانٍ وَ لَا خَوْفٍ مِنْ زَوَالٍ وَ لَا نُقْصَانٍ وَ لَا اسْتِعَانَةٍ عَلَى ضِدٍّ مُنَاوٍ وَ لَا نِدٍّ مُكَاثِرٍ وَ لَا شَرِيكٍ مُكَابِرٍ لَكِنْ خَلَائِقُ مَرْبُوبُونَ وَ عِبَادٌ دَاخِرُونَ " لكل شيء منها حافظ و رقيب" الظرف خبر لقوله: حافظ و رقيب، أو متعلق بكل منهما و المبتدأ محذوف أي هو لكل شيء منها حافظ و رقيب، و الأول أظهر فيكون إشارة إلى الملائكة الموكلين بالعرش و الكرسي و السماوات و الأرضين و البحار و الجبال و سائر الخلق. قوله (عليه السلام): و كل شيء منها، أي من السماوات و الأرض و ما بينهما محيط بشيء منها إحاطة علم و تدبير فيكون تأكدا للسابق على أحد الوجهين أو إحاطة جسمية، و المحيط بكل من تلك المحيطات علما و قدرة و تدبيرا هو الله الواحد بلا تعدد الأحد بلا مشارك له في الحقيقة" الصمد" المستجمع لجميع كمالاته اللائقة بذاته الأحدية" الذي لا يغيره صروف الأزمان" أي تغيراتها" و لا يتكأده" أي لا يشق عليه" صنع شيء" من الأشياء" كان" و حصل بتكوينه" ابتدع" و خلق لا من مادة" ما خلق" مخترعا" بلا مثال سبق" و قوله: و لا تعب و لا نصب إما عطف على قوله: مثال، و لا لتأكيد النفي أو مستأنف و لا لنفي الجنس، و التعب ضد الاستراحة، و النصب: الإعياء" على ضد مناف" و في بعض النسخ" مناو" أي معاد" و لا ند" أي مثل" مكاثر" أي يغالبه بالكثرة" و لا شريك مكابر" أي يعارضه بالكبر أو الإنكار للحق، فَسُبْحَانَ الَّذِي لَا يَئُودُهُ خَلْقُ مَا ابْتَدَأَ وَ لَا تَدْبِيرُ مَا بَرَأَ وَ لَا مِنْ عَجْزٍ وَ لَا مِنْ فَتْرَةٍ بِمَا خَلَقَ اكْتَفَى عَلِمَ مَا خَلَقَ وَ خَلَقَ مَا عَلِمَ- لَا بِالتَّفْكِيرِ فِي عِلْمٍ حَادِثٍ أَصَابَ مَا خَلَقَ وَ لَا شُبْهَةٍ دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَخْلُقْ لَكِنْ قَضَاءٌ مُبْرَمٌ وَ عِلْمٌ مُحْكَمٌ وَ أَمْرٌ مُتْقَنٌ تَوَحَّدَ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَ خَصَّ نَفْسَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَ اسْتَخْلَصَ بِالْمَجْدِ وَ الثَّنَاءِ وَ تَفَرَّدَ بِالتَّوْحِيدِ وَ الْمَجْدِ وَ السَّنَاءِ وَ تَوَحَّدَ بِالتَّحْمِيدِ وَ تَمَجَّدَ بِالتَّمْجِيدِ وَ عَلَا عَنِ اتِّخَاذِ الْأَبْنَاءِ وَ تَطَهَّرَ وَ تَقَدَّسَ عَنْ مُلَامَسَةِ النِّسَاءِ وَ عَزَّ وَ جَلَّ عَنْ مُجَاوَرَةِ الشُّرَكَاءِ فَلَيْسَ لَهُ فِيمَا خَلَقَ ضِدٌّ وَ لَا لَهُ فِيمَا مَلَكَ نِدٌّ وَ لَمْ يَشْرَكْهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ الْمُبِيدُ لِلْأَبَدِ وَ الْوَارِثُ لِلْأَمَدِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ وَ لَا يَزَالُ وَحْدَانِيّاً أَزَلِيّاً قَبْلَ بَدْءِ الدُّهُورِ وَ بَعْدَ صُرُوفِ الْأُمُورِ الَّذِي لَا يَبِيدُ وَ لَا يَنْفَدُ بِذَلِكَ أَصِفُ رَبِّي فَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ عَظِيمٍ مَا أَعْظَمَهُ وَ مِنْ جَلِيلٍ مَا أَجَلَّهُ وَ مِنْ عَزِيزٍ مَا أَعَزَّهُ وَ تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً و الدخور الصغار و الذل" لا يؤوده" أي لا يثقل عليه" و لا من عجز" أي لم يكتف بخلق ما خلق لعجز و لا فتور، بل لعدم كون الحكمة في أزيد من ذلك. ثم أكد (عليه السلام) ذلك بقوله:" علم ما خلق، و خلق ما علم" أي ما علمه أن الصلاح في خلقه" و لا شبهة دخلت عليه فيما لم يخلق" بل لم يخلق لعدم الداعي إلى خلقه و إيجاده" لكن" الإيجاد" باقتضاء تام و قضاء مبرم و علم محكم" و إحاطة بالخير و الأصلح" و أمر متقن" أي نظام كامل" استخلص بالمجد و الثناء" أي جعلهما مخصوصين بذاته الأحدية. " و توحد بالتحميد" أي باستحقاق الحمد من العباد، أو بتحميد نفسه، و في التوحيد فتحمد بالتحميد، يقال: هو يتحمد علي أي يمنن، أي أنعم علينا و استحق منا الحمد و الثناء بأن رخص لنا في تحميدة، أو بأن حمد نفسه و لم يكل حمده إلينا و التمجد إظهار المجد و العظمة، و التمجيد يحتمل الوجهين أيضا" المبيد للأبد" أي المهلك المفني للدهر و الزمان و الزمانيات" و الوارث للأمد" أي الباقي بعد فناء وَ هَذِهِ الْخُطْبَةُ مِنْ مَشْهُورَاتِ خُطَبِهِ(عليه السلام)حَتَّى لَقَدِ ابْتَذَلَهَا الْعَامَّةُ وَ هِيَ كَافِيَةٌ لِمَنْ طَلَبَ عِلْمَ التَّوْحِيدِ إِذَا تَدَبَّرَهَا وَ فَهِمَ مَا فِيهَا فَلَوِ اجْتَمَعَ أَلْسِنَةُ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ لَيْسَ فِيهَا لِسَانُ نَبِيٍّ عَلَى أَنْ يُبَيِّنُوا التَّوْحِيدَ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ بِأَبِي وَ أُمِّي مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ وَ لَوْ لَا إِبَانَتُهُ(عليه السلام)مَا عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ يَسْلُكُونَ سَبِيلَ التَّوْحِيدِ أَ لَا تَرَوْنَ إِلَى قَوْلِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ وَ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ فَنَفَى بِقَوْلِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ مَعْنَى الْحُدُوثِ وَ كَيْفَ أَوْقَعَ عَلَى مَا أَحْدَثَهُ صِفَةَ الْخَلْقِ وَ الِاخْتِرَاعِ بِلَا أَصْلٍ وَ لَا مِثَالٍ نَفْياً لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا مُحْدَثَةٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَ إِبْطَالًا لِقَوْلِ الثَّنَوِيَّةِ الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُحْدِثُ شَيْئاً إِلَّا مِنْ أَصْلٍ وَ لَا يُدَبِّرُ إِلَّا بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ فَدَفَعَ(عليه السلام)بِقَوْلِهِ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ جَمِيعَ حُجَجِ الثَّنَوِيَّةِ وَ شُبَهِهِمْ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَعْتَمِدُ الثَّنَوِيَّةُ فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ أَنْ يَقُولُوا لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ الْخَالِقُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ أَوْ مِنْ لَا شَيْءٍ فَقَوْلُهُمْ مِنْ شَيْءٍ خَطَأٌ وَ قَوْلُهُمْ مِنْ لَا شَيْءٍ مُنَاقَضَةٌ وَ إِحَالَةٌ لِأَنَّ مِنْ تُوجِبُ شَيْئاً وَ لَا شَيْءٍ تَنْفِيهِ فَأَخْرَجَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَلَى أَبْلَغِ الْأَلْفَاظِ وَ أَصَحِّهَا فَقَالَ لَا مِنْ شَيْءٍ خَلَقَ مَا كَانَ فَنَفَى مِنْ إِذْ كَانَتْ تُوجِبُ شَيْئاً وَ نَفَى الشَّيْءَ إِذْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مَخْلُوقاً مُحْدَثاً لَا مِنْ أَصْلٍ أَحْدَثَهُ الْخَالِقُ كَمَا قَالَتِ الثَّنَوِيَّةُ إِنَّهُ خَلَقَ مِنْ أَصْلٍ قَدِيمٍ فَلَا يَكُونُ تَدْبِيرٌ إِلَّا بِاحْتِذَاءِ مِثَالٍ ثُمَّ قَوْلُهُ ع- لَيْسَتْ لَهُ صِفَةٌ تُنَالُ وَ لَا حَدٌّ تُضْرَبُ لَهُ فِيهِ الْأَمْثَالُ كَلَّ دُونَ صِفَاتِهِ تَحْبِيرُ اللُّغَاتِ فَنَفَى(عليه السلام)أَقَاوِيلَ الْمُشَبِّهَةِ حِينَ شَبَّهُوهُ بِالسَّبِيكَةِ وَ الْبِلَّوْرَةِ وَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ مِنَ الطُّولِ وَ الِاسْتِوَاءِ وَ قَوْلَهُمْ مَتَى مَا لَمْ تَعْقِدِ الْقُلُوبُ مِنْهُ عَلَى كَيْفِيَّةٍ وَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَى إِثْبَاتِ هَيْئَةٍ لَمْ تَعْقِلْ شَيْئاً فَلَمْ تُثْبِتْ صَانِعاً فَفَسَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)أَنَّهُ وَاحِدٌ بِلَا كَيْفِيَّةٍ وَ أَنَّ الْقُلُوبَ تَعْرِفُهُ بِلَا تَصْوِيرٍ وَ لَا إِحَاطَةٍ الأمد أي الغاية و النهاية، أو امتداد الزمان" و بعد صروف الأمور" أي تغيرها و فناؤها و هذا ناظر إلى قوله: لا يزال، كما أن ما قبله ناظر إلى قوله لم يزل. قوله: لقد ابتذلها، أي اشتهرت بينهم، فكأنها صارت مبتذلة، و لو لا إبانته، ثُمَّ قَوْلُهُ(عليه السلام)الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ بُعْدُ الْهِمَمِ وَ لَا يَنَالُهُ غَوْصُ الْفِطَنِ وَ تَعَالَى الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مَعْدُودٌ وَ لَا أَجَلٌ مَمْدُودٌ وَ لَا نَعْتٌ مَحْدُودٌ ثُمَّ قَوْلُهُ(عليه السلام)لَمْ يَحْلُلْ فِي الْأَشْيَاءِ فَيُقَالَ هُوَ فِيهَا كَائِنٌ وَ لَمْ يَنْأَ عَنْهَا فَيُقَالَ هُوَ مِنْهَا بَائِنٌ فَنَفَى(عليه السلام)بِهَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ صِفَةَ الْأَعْرَاضِ وَ الْأَجْسَامِ لِأَنَّ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ التَّبَاعُدَ وَ الْمُبَايَنَةَ وَ مِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ الْكَوْنَ فِي الْأَجْسَامِ بِالْحُلُولِ عَلَى غَيْرِ مُمَاسَّةٍ وَ مُبَايَنَةُ الْأَجْسَامِ عَلَى تَرَاخِي الْمَسَافَةِ ثُمَّ قَالَ(عليه السلام)لَكِنْ أَحَاطَ بِهَا عِلْمُهُ وَ أَتْقَنَهَا صُنْعُهُ أَيْ هُوَ فِي الْأَشْيَاءِ بِالْإِحَاطَةِ وَ التَّدْبِيرِ وَ عَلَى غَيْرِ مُلَامَسَةٍ
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ جَوَامِعِ التَّوْحِيدِ