الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ٣

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ وَاصِلِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَمَرَ اللَّهُ وَ لَمْ يَشَأْ وَ شَاءَ وَ لَمْ يَأْمُرْ أَمَرَ إِبْلِيسَ أَنْ يَسْجُدَ لآِدَمَ وَ شَاءَ أَنْ لَا يَسْجُدَ وَ لَوْ شَاءَ لَسَجَدَ وَ نَهَى آدَمَ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ وَ شَاءَ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا وَ لَوْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَأْكُلْ الحديث الثالث: مجهول. قوله (عليه السلام): و شاء أن لا يسجد. أقول: توجيه تلك الأخبار على أصول العدلية لا يخلو من صعوبة و قد يوجه بوجوه: الأول: حملها على التقية لكونها موافقة لأصول الجبرية و أكثر المخالفين منهم و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون و التوحيد بإسناده عن الحسين بن خالد قال: قلت للرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله إن الناس ينسبوننا إلى القول بالتشبيه و الجبر لما روي من الأخبار في ذلك من آبائك الأئمة (عليهم السلام)؟ فقال: يا بن خالد أخبرني عن الأخبار التي رويت عن آبائي الأئمة (عليهم السلام) في التشبيه أكثر أم الأخبار التي رويت عن النبي (صلى الله عليه و آله) في ذلك؟ فقلت: بل ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) في ذلك أكثر، قال: فليقولوا إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان يقول بالتشبيه و الجبر إذا؟ قلت له: إنهم يقولون إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لم يقل من ذلك شيئا، و إنما روي عليه، قال (عليه السلام): فليقولوا في آبائي (عليهم السلام) إنهم لم يقولوا من ذلك شيئا، و إنما روي عليهم، ثم قال (عليه السلام): من قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر مشرك، و نحن منه براء في الدنيا و الآخرة، يا بن خالد إنما وضع الأخبار عنا في التشبيه و الجبر الغلاة الذين صغروا عظمة الله فمن أحبهم فقد أبغضنا و من أبغضهم فقد أحبنا" الخبر". الثاني: أن يقال: المراد بالمشية العلم، و يؤيده ما في كتاب فقه الرضا حيث قال (عليه السلام): قد شاء الله من عباده المعصية و ما أراد، و شاء الطاعة و أراد منهم، لأن المشية مشية الأمر و مشية العلم، و إرادته إرادة الرضا و إرادة الأمر، أمر بالطاعة و رضي بها، و شاء المعصية يعني علم من عباده المعصية و لم يأمرهم بها" الخبر". الثالث: أن يقال: المراد بمشية الطاعة هداياته و ألطافه الخاصة التي ليست من ضروريات التكليف، و بمشية المعصية خذلانه و عدم فعل تلك الألطاف بالنسبة إليه و شيء منهما لا يوجب جبره على الفعل و الترك، و لا ينافي استحقاق الثواب و العقاب. الرابع: ما قيل: إن المراد تهيئة أسباب فعل العبد بعد إرادة العبد ذلك الفعل. الخامس: أن يقال: لما اقتضت المصلحة تكليف من علم الله منه المعصية و كلفه مع علمه بذلك و وكله إلى اختياره ففعل تلك المعصية فكأنه شاء صدوره منه، و كذا في الطاعة إذا علم عدم صدوره منه، فسمي ذلك مشية مجازا، و هذا مجاز شائع كما إذا أمر المولى عبده بأوامر و خيره في ذلك و مكنه على الفعل و الترك مع علمه بأنه لا يأتي بها، فيقال له: أنت فعلت ذلك إذ كنت تعلم أنه لا يفعل و مكنته و وكلته إلى نفسه. السادس: أن يقال أن المراد بمشيته عدم جبره على فعل الطاعة أو ترك المعصية و بعبارة أخرى سمى عدم المشية مشية العدم كما سيأتي في كلام الصدوق (ره) و هذا قريب من الوجه السابق بل يرجع إليه. السابع: أنه إسناد للفعل إلى العلة البعيدة، فإن العبد و قدرته و أدواته لما كانت مخلوقة لله تعالى فهو جل و علا علة بعيدة لجميع أفعاله. الثامن: ما أومأنا إليه في الخبر السابق من المشية بالتبع، و ربما يحقق بوجه أوضح حيث حقق بعضهم الأمر بين الأمرين، أن فعل العبد واقع بمجموع القدرتين، قدرة الله و قدرة العبد، و العبد لا يستقل في إيجاد فعله بحيث لا دخل لقدرة الله تعالى فيه، بمعنى أنه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمة الفعل المقدور للعبد مطلقا، كما ذهب إليه المفوضة أو لا تأثير لقدرته فيه، و إن كان قادرا على طاعة العاصي جبرا لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة و هذا أيضا نحو من التفويض و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا، سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر، أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا، بحيث لا يكون فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية، و هم جهم بن صفوان و من تبعه. فهذا معنى الأمر بين الأمرين، و لما كان مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله جزءا أخيرا للعلة التامة، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عنه تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله سبحانه و إرادته و قدره إذ لم يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من أقداره العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شيء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما منه تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع و نهيه عن أكل الغذاء الضار، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشية الله تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل القبيح بإرادته المؤثرة و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب. و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج (عليهم السلام) اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى لأنه مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته فإنه من أطاعه و برأ من المرض يقال: عالجه الطبيب، و من خالف و هلك يقال: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب. فمعنى قوله: أمر الله و لم يشأ، أنه أعلم العباد و أخبرهم بالأعمال النافعة لهم كالإيمان و الطاعة، و لم يشأ صدور خصوص تلك الأفعال عنهم، كيف و لو شاء و لم يصدر عن بعضهم لزم عجزه و مغلوبيته تعالى عن ذلك علوا كبيرا، بل إنما شاء صدور الأفعال عنهم بقدرتهم و اختيارهم أي فعل أرادوه، فما شاء الله كان. و معنى قوله: شاء و لم يأمر، أنه شاء صدور الأفعال عن العباد باختيارهم أي فعل أرادوه، و لم يأمر بكل ما أرادوا بل نهاهم عن بعضه و أعلمهم بمضرته كالكفر و العصيان. فقوله: أمر إبليس أن يسجد لآدم، أي أعلمه بأن سجدته لآدم نافع له، و كفه عنه ضار له، و شاء أن لا يسجد يعني لم يشأ خصوص السجود عنه، و لو شاء خصوص السجود عنه لسجد، لاستحالة عجزه و غلبة إبليس عليه، بل إنما شاء صدور أيهما كان من السجود و تركه، أي كفه بإرادته و اختياره، و لما لم يسجد إبليس، أي كف عن السجود بإرادته، فهو تعالى لأجل ذلك شاء كفه، و لما كان الكف إنما يتحقق بمشية إبليس و إرادته المؤثرة و هي جزء أخير للعلة التامة فلذا يستحق إبليس الذم و العقاب، و القبيح صادر عنه لا عن الله تعالى، و كذا الكلام في نهي آدم عن أكل الشجرة.

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْمَشِيئَةِ وَ الْإِرَادَةِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.