الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ٢

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ رَفَعَهُ عَنْ شُعَيْبٍ الْعَقَرْقُوفِيِّ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ كُنْتُ بَيْنَ الخاتمة بالشر، و المراد بخلق السعادة و الشقاوة تقديرهما بتقدير التكاليف الموجبة لهما، أو أن يكتب في الألواح السماوية كونه من أهل الجنة، أو من أهل النار، موافقا لعلمه سبحانه، التابع لما يختارونه بعد وجودهم و تكليفهم بإرادتهم و اختيارهم و المراد بالخلق ثانيا الإيجاد في الخارج. " فمن خلقه الله سعيدا" أي علمه و قدره سعيدا، و خلقه عالما بأنه سيكون سعيدا. " لم يبغضه أبدا" أي لا يعاقبه، و لا يحكم بكونه معاقبا. " و إن عمل شرا أبغض عمله" أي يذم عمله، و يحكم بأن هذا الفعل مما يستحق به العقاب" و لم يبغضه" بأن يحكم بأن هذا الشخص مستحق للعقاب لعلمه سبحانه بأنه سيتوب، و يصير من السعداء. " و إن كان شقيا" في علمه تعالى بأن يعلم أنه يموت على الكفر و الضلال" لم يحبه أبدا" أي لا يحكم بأنه من أهل الجنة و لا يثني عليه، و إن عمل الأعمال الصالحة لما يعلم من عاقبته و لكن يحكم بأن عمله حسن عند ما يعمل صالحا، و أن هذا العمل مما يستحق عامله الثواب إن لم يعمل ما يحبطه" و أبغضه" أي يحكم بأنه من أهل النار لما يعلم من عاقبة أمره، فإذا أحب الله شيئا سواء كان من الأشخاص أو الأعمال" لم يبغضه أبدا" و كذا العكس بالمعنى الذي ذكرنا للحب و البغض. الحديث الثاني: مرفوع و هو في غاية الصعوبة و الإشكال، و تطبيقه على مذهب العدلية يحتاج إلى تكلفات كثيرة. و العجب أن الصدوق (قدس سره) رواه في التوحيد ناقلا عن الكليني بهذا يَدَيْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)جَالِساً وَ قَدْ سَأَلَهُ سَائِلٌ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ لَحِقَ الشَّقَاءُ أَهْلَ الْمَعْصِيَةِ حَتَّى حَكَمَ اللَّهُ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ بِالْعَذَابِ عَلَى عَمَلِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)أَيُّهَا السَّائِلُ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَقُومُ لَهُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ السند بعينه هكذا: عن أبي بصير قال: كنت بين يدي أبي عبد الله (عليه السلام) جالسا و قد سأله سائل فقال: جعلت فداك يا بن رسول الله من أين لحق الشقاء أهل المعصية حتى حكم الله لهم في علمه بالعذاب على عملهم؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أيها السائل علم الله عز و جل لا يقوم أحد من خلقه بحقه، فلما علم بذلك وهب لأهل محبته القوة على معصيتهم لسبق علمه فيهم، و لم يمنعهم أطاقه القبول منه، لأن علمه أولى بحقيقة التصديق، فوافقوا ما سبق لهم في علمه، و إن قدروا أن يأتوا خلالا ينجيهم عن معصيته، و هو معنى شاء ما شاء و هو سر، و لا أدري أن نسخته كانت هكذا أو غيره ليوافق قواعد العدل، و يشكل احتمال هذا الظن في مثله. و بالجملة على ما في الكتاب لعل حمله على التقية أو تحريف الرواة أولى و لنتكلم على الخبر ظاهرا و تأويلا، ثم نكل علمه إلى من صدر عنه و نسب إليه (صلوات الله عليه). فنقول: السؤال يحتمل وجوها: " الأول": أنه سئل عن سبب أصل السعادة و الشقاوة و صيرورة بعض الخلق كفارا و بعضهم مؤمنين و فرقة فساقا و أخرى صالحين. " الثاني" أن يكون الشبهة الواردة عليه من جهة أن العلم لما كان تابعا للمعلوم فتوهم أنه يجب تأخره عن المعلوم فكيف تقدم عليه. " الثالث": أن يكون الشبهة عليه من جهة أن العلم إما حصولي أو حضوري و حصول الصورة لا يتصور في حقه تعالى، و الحضور إنما يكون بعد وجود المعلوم. و حاصل الجواب على الأول أن حكم الله بالسعادة و الشقاوة و أسبابهما من غوامض مسائل القضاء و القدر، و عقول أكثر الخلق عاجزة عن الإحاطة بها، فلا يجوز بِحَقِّهِ فَلَمَّا حَكَمَ بِذَلِكَ وَهَبَ لِأَهْلِ مَحَبَّتِهِ الْقُوَّةَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَ وَضَعَ عَنْهُمْ ثِقْلَ الخوض فيها كما قال الصدوق (ره) في رسالة العقائد: الكلام في القدر منهي عنه كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرجل قد سأله عن القدر؟ فقال: بحر عميق فلا تلجه، ثم سأله ثانية فقال: طريق مظلم فلا تسلكه، ثم سأله ثالثة فقال: سر الله فلا تتكلفه و قال (عليه السلام) في القدر: ألا إن القدر سر من سر الله، و حرز من حرز الله، مرفوع في حجاب الله، مطوي عن خلق الله، مختوم بخاتم الله، سابق في علم الله، وضع الله عن العباد علمه، و رفعه فوق شهاداتهم، لأنهم لا ينالونه بحقيقة الربانية، و لا بقدرة الصمدانية، و لا بعظمة النورانية، و لا بعزة الوحدانية، لأنه بحر زاخر مواج خالص لله عز و جل، عمقه ما بين السماء و الأرض، عرضه ما بين المشرق و المغرب، أسود كالليل الدامس، كثير الحيات و الحيتان، يعلو مرة و يسفل أخرى، في قعره شمس تضيء لا ينبغي أن يطلع عليها إلا الواحد الفرد، فمن تطلع عليها فقد ضاد الله في حكمه و نازعه في سلطانه و كشف عن سره و ستره، و باء بغضب من الله و مأواه جهنم و بئس المصير. و أما على الثاني فالجواب عنه و إن كان ظاهرا إذ تابعية العلم لا تستدعي تأخره عن المعلوم زمانا، فلعله لم يجب عنه لقصور فهم السائل. و أما الثالث فغموض المسألة و عجز أكثر الخلق عن الوصول إلى كنه علمه سبحانه ظاهر، و قد تحير فيه الحكماء و المتكلمون، و لم يأتوا فيه بشيء يسمن و يغني من جوع، و سبيل أهل الديانة فيه و في أمثاله الإقرار به جملة، و عدم الخوض في كيفيته و ترك التفكر في حقيقته فإنه كما لا يمكن إدراك حقيقة ذاته تعالى، فكذا لا تصل عقول الخلق إلى كنه صفاته التي هي عين ذاته سبحانه. و يحتمل أن يكون المراد أن تكاليفه تعالى شاقة لا يتيسر إلا بهدايته و توفيقه سبحانه" وهب لأهل محبته" الإضافة إلى الضمير إضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول، أي الذين أحبهم لعلمه بأنهم يطيعونه، أو الذين يحبونه و وضع عنهم ثقل العمل الْعَمَلِ بِحَقِيقَةِ مَا هُمْ أَهْلُهُ وَ وَهَبَ لِأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ الْقُوَّةَ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ لِسَبْقِ عِلْمِهِ فِيهِمْ وَ مَنَعَهُمْ إِطَاقَةَ الْقَبُولِ مِنْهُ فَوَافَقُوا مَا سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ وَ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَأْتُوا حَالًا تُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ لِأَنَّ عِلْمَهُ أَوْلَى بِحَقِيقَةِ التَّصْدِيقِ وَ هُوَ مَعْنَى شَاءَ مَا شَاءَ وَ هُوَ سِرُّهُ بالتوفيقات و الهدايات و الألطاف الخاصة بحقيقة ما هم أهله، أي بحسب ما يرجع إليهم من النيات الصحيحة و الأعمال الصالحة و الطينات الطيبة" و وهب لأهل المعصية" الهبة هنا على سبيل التحكم أو يقال إعطاء أصل القوة لطف و رحمة، و باستعمال العبد إياها في المعصية تصير شرا، أو أنهم لما كانوا طالبين للمعصية راغبين فيها، فكأنهم سألوا ذلك و وهبهم و الأوسط أظهر. " القوة على معصيتهم" أي المعصية التي يفعلونها بإرادتهم و اختيارهم لسبق علمه فيهم، إذ علم أن التكليف لا يتم إلا بإعطاء الآلة و القوة، و إلا لكانوا مجبورين على الترك. " و منعهم أطاقه القبول منه" قيل: هو مصدر مضاف إلى الفاعل عطفا على ضمير فيهم، أي لعلمه بأنهم يمنعون أنفسهم أطاقه القبول، و لا يخفى ما فيه لفظا و معنى. أقول: و يحتمل أن يكون عطفا على السبق و يكون اللام فيهما لام العاقبة كما في قوله تعالى:" لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا" أي وهب لهم القوة مع أنه كان يعلم عدم إطاعتهم و تصييرهم أنفسهم بحيث كأنهم لا يطيقون القبول منه، أو منعهم بصيغة الماضي و يكون المراد ترك الألطاف الخاصة، فلما لم يلطف لهم فكأنه منعهم القبول كما في قوله تعالى:" خَتَمَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ" و كذا قوله: و لم يقدروا، أي قدرة تامة لسهولة كما كانت للفريق الأول عند الألطاف الخاصة، لأن علمه أولى بحقيقة

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ السَّعَادَةِ وَ الشَّقَاءِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.