الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ١

عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ وَ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ غَيْرِهِمَا رَفَعُوهُ قَالَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)جَالِساً بِالْكُوفَةِ بَعْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ صِفِّينَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ فَجَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنْ مَسِيرِنَا إِلَى أَهْلِ الشَّامِ أَ بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عليه السلام)أَجَلْ يَا شَيْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا و قوله: قال يونس، كلام محمد بن عيسى و هو تفسير لقوله (عليه السلام): من يقول كيف ذا و كيف ذا، أي كيف أجرى على يد هذا الخير و أجرى على يد هذا الشر؟ و غرض يونس أن الويل لمن أنكر كون خالق الخير و الشر هو الله تعالى بتفقهه و علمه اتكالا على عقله، و أما من سأل عن عالم ليتضح له الأمر، أو يخطر بباله من غير حدوث شك له أو يؤمن به مجملا و هو متحير في معناه، معترف بجهل معناه لقصور عقله عن فهمه فلا ويل له. باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين الحديث الأول: مرفوع لكن رواه الصدوق (ره) في العيون بأسانيد عنه (عليه السلام)، و مذكور في رسالة أبي الحسن الثالث (عليه السلام) إلى أهل الأهواز، و سائر الكتب الحديثية و الكلامية، و أشار المحقق الطوسي (ره) في التجريد إليه، و رواه العلامة ((قدس سره)) في شرحه عن الأصبغ بن نباتة بأدنى تغيير. و صفين كسجين اسم موضع قرب الرقة شاطئ الفرات، بها الواقعة العظمى بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ مَهْ يَا شَيْخُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ الْأَجْرَ فِي مَسِيرِكُمْ وَ أَنْتُمْ سَائِرُونَ وَ فِي مَقَامِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُقِيمُونَ وَ فِي مُنْصَرَفِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِي شَيْءٍ مِنْ حَالاتِكُمْ- مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ وَ كَيْفَ لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالاتِنَا مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ وَ كَانَ بِالْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ مَسِيرُنَا وَ مُنْقَلَبُنَا وَ مُنْصَرَفُنَا فَقَالَ لَهُ وَ تَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً حَتْماً وَ قَدَراً لَازِماً إِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ وَ الزَّجْرُ مِنَ بين أمير المؤمنين (عليه السلام) و معاوية لعنه الله، و جثا كرمي أي جلس على ركبتيه، و قال الفيروزآبادي: التلعة، ما ارتفع من الأرض، و مسيل الماء" انتهى" و بطن الوادي أسفله، و المطمئن منه. قوله: عند الله أحتسب عنائي، العناء بالفتح و المد: التعب و النصب، و يمكن أن يكون استفهاما إنكاريا، أي كيف أحتسب أجر مشقتي عند الله و قد كنت مجبورا في فعلي؟ أو المعنى فلا نستحق شيئا، و لعل الله يعطينا بفضله من غير استحقاق للتفضل أيضا، و في رواية الأصبغ بعده: ما أرى لي من الأجر شيئا فيؤيد الثاني" فقال له: مه" أي اسكت و المسير مصدر ميمي بمعنى السير" و أنتم سائرون" أي بقدرتكم و إرادتكم المؤثرة" و في مقامكم" أي بإزاء العدو بصفين" و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين" كما زعمته الجبرية الصرفة" و لا إليه مضطرين" كما ذهب إليه الأشاعرة كما سيأتي تحقيقهما، و لما توهم الشيخ من الجوابين التدافع و التنافي قال: فكيف لم نكن" إلى آخره" فأجاب (عليه السلام) بقوله: فتظن أنه كان قضاء حتما لا مدخل لاختيار العبد و إرادته فيه كما يقضي و يوجد الأشياء، ليس كذلك بل قضاءان يخير العبد و يكله إلى إرادته، و أيده بما يستحقه من الألطاف الخاصة حتى أتى بالفعل و قد مر أنه قد يحمل القضاء على العلم أو الثبت في الألواح السماوية، و شيء منها لا يصير سببا للجبر و القدر، اللازم هو تعلق إرادته بفعله الذي لا مدخل لإرادة الغير اللَّهِ وَ سَقَطَ مَعْنَى الْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ فَلَمْ تَكُنْ لَائِمَةٌ لِلْمُذْنِبِ وَ لَا مَحْمَدَةٌ لِلْمُحْسِنِ وَ لَكَانَ الْمُذْنِبُ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ وَ لَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ فيه، و هنا ليس كذلك، ثم أبطل مذهب الجبرية و الأشاعرة بقوله: إنه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، لأن الثواب نفع مقارن للتعظيم و المحمدة، و العقاب ضرر مقارن للإهانة و اللوم، و لا يتصوران مع الجبر بمعنييه، و إلا كان سفها، ثم بقوله: و الأمر و النهي، لأنهما عبارتان عن إعلام الناس بمصالح بعض الأعمال و منافعها و بمفاسد بعضها و مضارها، ليختار العبد ما فيه المصلحة و المنفعة، و يترك ما فيه المفسدة و المضرة، و ظاهر أن ذلك الإعلام في صورة الجبر و عدم تأثير الاختيار و الإرادة سفه و عبث، تعالى عن ذلك. ثم بقوله: و الزجر من الله، و زواجر الله: بلاياه النازلة على العصاة بإزاء عصيانهم، و أحكامه في القصاص و الحدود و نحو ذلك و التقريب ظاهر مما مر. ثم بقوله: و سقط الوعد و الوعيد، أي المقصود منهما من إتيان الحسنات و ترك السيئات، لأن ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله، فالوعد و الوعيد سفه و عبث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ثم بقوله (عليه السلام): فلم تكن لأئمة للمذنب و لا محمدة للمحسن، لأن المحمدة هو الثناء على الجميل الاختياري، و اللائمة ما يقابله من الذم على القبيح الاختياري و معلوم بديهة أنه لا يستحقهما المجبور. و أما قوله (عليه السلام): و لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، و لكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، فيحتمل وجوها:" الأول" أن يكون هذا متفرعا على الوجوه السابقة، أي إذا بطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر و الوعد و الوعيد لكان المحسن أولى" إلخ" و وجه الأولوية أنه لم يبق حينئذ إلا الإحسان و العقوبة الدنيوية، و المذنب كالسلطان القاهر الصحيح الذي يكون في غاية التنعم يأتي بكل ما يشتهيه من الشرب و الزنا و القتل و القذف و أخذ أموال الناس و غير ذلك و ليس له مشقة التكاليف الشرعية و المحسن كالفقير المريض الذي يكون دائما في التعب و النصب، من التكاليف الشرعية من الإتيان بالمأمورات و الانتهاء عن المنهيات و من قلة المؤنة و تحصيل المعيشة من الحلال في غاية المشقة فحينئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن، فهو أولى بالإحسان من المحسن، و العقوبة الواقعة على المحسن أكثر مما وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب. الثاني: أن يكون المعنى أنه لو فرض جريان المدح و الذم و استحقاقهما و استحقاق الإحسان و الإثابة و العقوبة و ترتبها على الأفعال الاضطرارية الخارجة عن القدرة و الاختيار، لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن و بالعكس، لأن في عقوبة المسيء على ذلك التقدير جمع بين إلزامه بالسيئة القبيحة عقلا، و جعله موردا لملامة العقلاء و عقوبة عليها و كل منهما إضرار و إزراء به و في أثابه المحسن جمع بين إلزامه بالحسنة الممدوحة عقلا و يصير بذلك ممدوحا عند العقلاء، و إثابته عليها و كل منهما نفع و إحسان إليه، و في خلاف ذلك يكون لكل منهما نفع و ضرر، و هذا بالعدل أقرب و ذاك بخلافه أشبه. الثالث: ما قيل إنه إنما كان المذنب أولى بالإحسان لأنه لا يرضى بالذنب كما يدل عليه جبره عليه، و المحسن أولى بالعقوبة لأنه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه، و من لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به و لا يخفى ما فيه. الرابع: أنه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا بإحداث اللذات فيه، فينبغي أن يكون في الآخرة أيضا كذلك لعدم تغير الذوات في النشأتين، و إذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا و إيلامه بالتكاليف الشاقة ففي الآخرة أيضا تِلْكَ مَقَالَةُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ حِزْبِ الشَّيْطَانِ ينبغي أن يكون كذلك. الخامس: ما قيل لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح و السيئات منه متألم منكسر البال لظنه أنها وقعت منه باختياره، و قد كانت بجبر جابر و قهر قاهر فيستحق الإحسان، و أن المحسن لفرحانه بصدور الحسنات عنه و زعمه أنه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب، و في حديث الأصبغ هكذا: و لم تأت لأئمة من الله لمذنب و لا محمدة لمحسن، و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، و لا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و جنود الشيطان و شهود الزور و أهل العمى عن الصواب و هم قدرية هذه الأمة و مجوسها. " تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان" أي أشباههم، لأن عبدة الأوثان الذين كانوا في عصر النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)كانوا جبرية لقوله تعالى:" وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا" أي جعلنا الله مجبورا عليها و قوله:" وَ قٰالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا عَبَدْنٰا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ" و أمثال ذلك في القرآن كثيرة. و قيل: إنما كانوا إخوانهم لأن القول بما يستلزم بطلان الثواب و العقاب في حكم القول بلازمه، و القول ببطلان الثواب و العقاب قول عبدة الأوثان، و أما كونهم خصماء الرحمن لأنهم نسبوا إليه سبحانه ما لا يليق بجنابة من الظلم و الجور و العبث و أية خصومة و عداوة تكون أشد من ذلك. و قيل: إنكار الأمر و النهي إنكار للتكليف و المنكرون للتكاليف خصماء المكلف الآمر و الناهي. و قيل: لما نسب الله سبحانه في آيات كثيرة أفعال العباد إليهم، و صرح في كثير منها ببراءته من القبائح و الظلم، و هؤلاء يقولون نحن برآء من القبائح و أنت تفعلها فلا مخاصمة أعظم من ذلك" و حزب الشيطان" لأنه لعنه الله قال:" رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي" وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا و أيضا أنه لعنه الله يبعثهم على تلك العقائد الفاسدة، أو لما لزمهم بطلان الأمر و النهي و التكليف فيجوز له متابعة الشيطان في كل ما يدعوهم إليه، و قوله: و قدرية هذه الأمة، يدل على أن المجبرة هم القدرية، و لا خلاف بين الأمة في أن النبي (صلى الله عليه و آله) ذم القدرية، لكن كل من الجبرية و التفويضية يسمون خصومهم بها، و في أخبارنا أطلقت عليهما، و إن كان على التفويضية أكثر، قال في المقاصد: لا خلاف في ذم القدرية و قال شارحه: قد ورد في صحاح الأحاديث لعنة القدرية على لسان سبعين نبيا، و المراد بهم القائلون بنفي كون الخير و الشر كله بتقدير الله و مشيته، سموا بذلك، لمبالغتهم في نفيه و كثرة مدافعتهم إياه، و قيل: لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد و ليس بشيء، لأن المناسب حينئذ القدري بضم القاف، و قالت المعتزلة: القدرية هم القائلون بأن الشر و الخير كله من الله تعالى و بتقديره و مشيته، لأن الشائع نسبة الشخص إلى ما يثبته و يقول به كالجبرية و الحنفية و الشافعية لا إلى ما ينفيه. و رد بأنه صح عن النبي (صلى الله عليه و آله) قوله: القدرية مجوس هذه الأمة، و قوله: إذا قامت القيامة نادى مناد أهل الجمع: أين خصماء الله، فتقوم القدرية، و لا خفاء في أن المجوس هم الذين ينسبون الخير إلى الله و الشر إلى الشيطان، و يسمونهما: يزدان، و أهريمن، و أن من لا يفوض الأمور كلها إلى الله، و معترض لبعضها فينسبه إلى نفسه، يكون هو المخاصم لله تعالى، و أيضا من يضيف القدر إلى نفسه و يدعي كونه الفاعل و المقدر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربه. فإن قيل: روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال لرجل قدم عليه من فارس: أخبرني بأعجب شيء رأيت؟ فقال: رأيت أقواما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا قضاء الله علينا و قدره؟ فقال (صلى الله عليه و آله): ستكون في آخر أمتي أقوام يقولون بمثل مقالتهم، أولئك مجوس أمتي، و روى الأصبغ بن نباتة: أن شيخا قام إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد انصرافه من صفين ثم ذكر نحو هذا الخبر- إلى قوله-" ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ" فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان ما سرنا إلا بهما؟ قال: هو الأمر من الله و الحكم ثم تلا قوله تعالى" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ" و عن الحسن بعث الله محمدا (صلى الله عليه و آله) إلى العرب و هم قدرية يحملون ذنوبهم على الله، و يصدقه قوله تعالى: " وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا". قلنا: ما ذكر لا يدل إلا على أن القول بأن فعل العبد إذا كان بقضاء الله تعالى و قدره و خلقه و إرادته، يجوز للعبد الإقدام عليه، و يبطل اختياره فيه و استحقاقه للثواب و العقاب و المدح و الذم عليه قول المجوس، فلينظر أن هذا قول المعتزلة أم المجبرة، و لكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور، و من وقاحتهم أنهم يروجون باطلهم بنسبته إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و أولاده رضي الله عنهم، و قد صح عنه أنه خطب الناس على منبر الكوفة فقال: ليس منا من لم يؤمن بالقدر خيره و شره، و أنه قال لمن قال: إني أملك الخير و الشر و الطاعة و المعصية؟ تملكها مع الله أو تملكها بدون الله؟ فإن قلت: أملكها مع الله فقد ادعيت أنك شريك الله، و إن قلت أملكها بدون الله فقد ادعيت أنك أنت الله؟ فتاب الرجل على يده. و أن جعفر الصادق (عليه السلام) قال لقدري: أقرء الفاتحة، فقرأ فلما بلغ قوله: " إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ" قال له جعفر: على ما ذا تستعين بالله و عندك أن الفعل منك، و جميع ما يتعلق بالأقدار و التمكين و الألطاف قد حصلت و تمت؟ فانقطع القدري و الحمد لله رب العالمين" انتهى". و قال العلامة ((قدس سره)) في شرح التجريد بعد إيراد خبر الأصبغ: قال أبو الحسن البصري و محمود الخوارزمي: فوجه تشبيهه (عليه السلام) المجبرة بالمجوس من وجوه: أحدها: أن المجوس اختصوا بمقالات سخيفة و اعتقادات واهية، معلومة البطلان و كذا المجبرة. و ثانيها: مذهب المجوس أن الله تعالى يخلق فعله ثم يتبرأ منه، كما خلق إبليس و انتفى منه، و كذا المجبرة قالوا: إن الله تعالى يفعل القبيح ثم يتبرأ منها. و ثالثها: أن المجوس قالوا: إن نكاح الأمهات و الأخوات بقضاء الله و قدره و إرادته و وافقهم المجبرة، حيث قالوا: إن نكاح المجوس لأمهاتهم و أخواتهم بقضاء الله و قدره و إرادته. و رابعها: أن المجوس قالوا: إن القادر على الخير لا يقدر على الشر و بالعكس و المجبرة قالوا: إن القدرة الموجبة للفعل غير متقدمة عليه، فالإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضده و بالعكس" انتهى". أقول: و قد يعطف خصماء الرحمن على عبدة الأوثان فالمراد بهم المعتزلة المفوضة أي الأشاعرة الجبرية إخوان المفوضة، الذين هم خصماء الرحمن، لأنهم يدعون استقلال قدرتهم في مقابلة قدرة الرحمن، و أنهم يفعلون ما يريدون بلا مشاركة الله في أعمالهم بالتوفيق و الخذلان، و الأخوة بينهما باعتبار أن كلا منهما على طرف خارج عن الحق الذي هو بينهما، و هو الأمر بين الأمرين، فهما يشتركان في البطلان، كما أن المؤمنين إخوة لاشتراكهم في الحق. و قيل في وجه الأخوة: إنه يقال للمتقابلين إنهما متشابهان كما قيل، إن قصة سورة براءة تشابه قصة سورة الأنفال و تناسبها، لأن في الأنفال ذكر العهود و في البراءة نبذها، فضمت إليها" انتهى" و على هذا يكون قوله: و حزب الشيطان، و قوله: قدرية هذه الأمة، و قوله: مجوسها، كلها معطوفات على العبدة لا الإخوان، و أوصافا للمفوضة لا الجبرية، على الوجوه المتقدمة، و يكون الحديث مشتملا على نفي طرفي الإفراط و التفريط معا، و هذا الوجه و إن كان بعيدا لكنه يكون أتم فائدة. و يؤيده أيضا ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن علي بن سالم عن إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَلَّفَ تَخْيِيراً- وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ أَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً- وَ لَمْ يُمَلِّكْ مُفَوِّضاً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرقي أ تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هي من القدر، و قال (عليه السلام): إن القدرية مجوس هذه الأمة، و هم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فيهم نزلت هذه الآية:" يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّٰارِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّٰا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنٰاهُ بِقَدَرٍ" و يعضده أيضا أن قدماء المحدثين إنما يطلقون القدرية على المفوضة كالمصنف، حيث قابل في عنوان الباب بين الجبر و القدر، و قد عد أصحاب الرجال من كتب هشام بن الحكم كتاب الجبر و القدر، و كتاب الرد على المعتزلة" إن الله كلف تخييرا" أي أمره جاعلا له مخيرا بين الفعل و الترك بإعطاء القدرة له على الإتيان بما شاء منهما، من غير إكراه و إجبار" و نهى تحذيرا" أي طلبا للاحتراز عن فعل المنهي عنه، لا بالإكراه على الترك" و أعطي على القليل كثيرا" ترغيبا إلى الطاعة و ترك المعصية" و لم يعص مغلوبا" على بناء المفعول: أي لم يقع العصيان عن طاعته بمغلوبيته عن العبد بل بما فيه الحكمة من عدم إكراهه و إجباره، أو لا يقع العصيان بمغلوبية العاصي، فإنه لا عصيان مع عدم الاختيار،" و لم يطع مكرها" على صيغة اسم الفاعل، أي لم تقع طاعته بإكراهه المطيع على الطاعة و ربما يقرأ على صيغة المفعول، فيكون ردا على المفوضة أيضا، لأنه إذا استقل العبد و لم يكن لتوفيقه تعالى مدخل في ذلك فكأنه سبحانه مكره فيه. و يمكن أن يقرأ الفعلان على بناء الفاعل و يكون الفاعل المطيع و العاصي، و هما بعيدان" و لم يملك" على بناء التفعيل و المفعول القدرة و الإرادة و الاختيار، أو على بناء الأفعال بمعنى إعطاء السلطنة" مفوضا" بحيث لم يحصرهم بالأمر و النهي أو لم يكن له مدخل في أفعالهم بالتوفيق و الخذلان" و لم يخلق السماوات، إلخ" إشارة إلى قوله سبحانه:" وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا بٰاطِلًا ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ بٰاطِلًا- وَ لَمْ يَبْعَثِ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ عَبَثاً ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ فَأَنْشَأَ الشَّيْخُ يَقُولُ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّٰارِ" و هذا إما رد على عبدة الأوثان المذكورين سابقا بتقريب ذكر إخوانهم، أو المجبرة إذ الجبر يستلزم بطلان الثواب و العقاب و التكليف المستلزم لكون خلق السماوات و الأرض عبثا و باطلا، أو المفوضة أيضا لأن التفويض على أكثر الوجوه الآتية ينافي غرض الإيجاد، و كون بعثة الأنبياء و الرسل مع الجبر باطلا ظاهر، بل مع التفويض على بعض الوجوه. أقول: و روى الصدوق في التوحيد و العيون هذه الرواية عن أبي الحسن الثالث عن آبائه (عليه السلام)، و عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) بسندين آخرين و عن ابن عباس بسند آخر، و زاد في الرواية بالسند الأخير، فقال الشيخ: فما القضاء و القدر اللذان ساقانا و ما هبطنا واديا و لا علونا تلعة إلا بهما؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الأمر من الله و الحكم، ثم تلا هذه الآية" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً" أي أمر ربك. و قال الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج بعد إيراد هذه الرواية: و روي أن الرجل قال: فما القضاء و القدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟ قال: الأمر بالطاعة، و النهي عن المعصية و التمكين من فعل الحسنة و ترك المعصية، و المعونة على القربة إليه و الخذلان لمن عصاه، و الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا و قدره لأعمالنا، أما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محيط للأعمال، فقال الرجل: فرجت عني بذلك يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، و في رواية ابن نباتة الذي أورده العلامة و غيره: فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ- يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً- أَوْضَحْتَ مِنْ أَمْرِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً- جَزَاكَ رَبُّكَ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَاناً

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ وَ الْأَمْرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.