الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ١٤

عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ كالزاد و الراحلة و تخلية السرب و صحة البدن في الحج" الثالث" التفويض مقابل الجبر و هو المراد ههنا، و قوله: قد نظمت، كلام الرضا (عليه السلام) و يحتمل السجاد (عليه السلام) أيضا لكنه بعيد، و قد مر الكلام في الخبر في باب المشية و الإرادة. الحديث الثالث عشر: مرسل و يدل على أن الأمر بين الأمرين هو مدخليته سبحانه في أعمال العباد بالتوفيق و الخذلان كما سيأتي. الحديث الرابع عشر: صحيح. قوله (عليه السلام): ما لا يطيقون، أي ما لا يكون الإتيان به مقدورا لهم، و يكونون مجبورين على خلافه كما تقوله الجبرية. قوله: ما لا يريده، أي و لو بالعرض كما مر أو يريد خلافه. فذلكة اعلم أن مسألة خلق الأعمال من أعظم المسائل الإسلامية و أصعبها و أهمها، و قد جرى بين الإمامية و المعتزلة و الأشاعرة في ذلك مناقشات طويلة و مباحثات كثيرة، و قد صنع أكثرهم في ذلك رسائل مفردة، و الذي يتحصل من مذاهبهم أن أفعال العباد دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور: الأول: أن يكون حصولها بقدرة الله و إرادته من غير مدخل لقدرة العبد فيه و إرادته. الثاني: أن يكون بقدرة العبد و إرادته من غير مدخل لقدرة الله تعالى و إرادته فيه، أي بلا واسطة، إذ لا ينكر عاقل أن الأقدار و التمكين مستندان إليه تعالى، إما ابتداء أو بواسطة. الثالث: أن يكون حصولها بمجموع القدرتين، و ذلك بأن يكون المؤثر قدرة الله بواسطة قدرة العبد أو بالعكس، أو يكون المؤثر مجموعها من غير تخصيص إحداهما بالمؤثرية، و الأخرى بالآلية، و ذهب إلى كل من تلك الاحتمالات ما خلا الاحتمال الثاني من محتملات الشق الثالث طائفة. أما الأول ففيه قولان:" الأول" مذهب الجبرية البحتة و هم جهم بن صفوان و أتباعه، حيث ذهبوا إلى أن الفعل من الله سبحانه بلا تأثير لإرادة العبد و قدرته فيه و لا كسب، بل لا فرق عندهم بين مشي زيد و حركة المرتعش، و لا بين الصاعد إلى السطح و الساقط منه،" و الثاني" مذهب أبي الحسن الأشعري و أتباعه فإنهم لما رأوا شناعة قول الجهمية فروا منه بما لا ينفعهم و قالوا: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحده، و ليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأنه يوجد في العبد قدرة و اختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله إبداعا و إحداثا و مكسوبا للعبد، و المراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته و إرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له، و قالوا: نسبة الفعل إلى العبد باعتبار قيامه به لا باعتبار إيجاده له، فالقائم و الآكل و الشارب عندهم بمنزلة الأسود و الأبيض. و الثاني و هو استقلال العبد في الفعل مذهب أكثر الإمامية و المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرتهم، لكن أكثر المعتزلة قائلون بوجوب الفعل بعد إرادة العبد، و بعضهم قالوا: بعدم وجوب الفعل بل يصير أولى، قال المحقق الطوسي ((قدس سره)): ذهب مشايخ المعتزلة و أبو الحسين البصري و إمام الحرمين من أهل السنة إلى أن العبد له قدرة قبل الفعل و إرادة بها تتم مؤثريته، فيصدر عنه الفعل، فيكون العبد مختارا إذ كان فعله بقدرته الصالحة للفعل و الترك، و تبعا لداعيه الذي هو إرادته، و الفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكنا و بالقياس إليها مع الإرادة يصير واجبا، و قال المحمود الملاحمي و غيره من المعتزلة: إن الفعل عند وجود القدرة و الإرادة يصير أولى بالوجود حذرا من أن يلزمهم القول بالجبر لو قالوا بالوجوب، و ليس ذلك بشيء لأن مع حصول الأولوية إن جاز له الطرف الآخر لما كانت الأولوية بأولوية، و إن لم يجز فهو الواجب و إنما غيروا اللفظ دون المعنى" انتهى". و اختلف في نسبة احتمالي الشق الثالث و تحقيقهما، ففي المواقف و شرحه: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، و قالت المعتزلة: بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار، و قالت طائفة بالقدرتين، ثم اختلفوا فقال الأستاد، يعني أبا إسحاق الإسفرائيني: بمجموع القدرتين، على أن تتعلقا جميعا بالفعل نفسه و جوز اجتماع المؤثرين على أثر واحد، و قال القاضي، يعني الباقلاني: على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل و قدرة العبد بصفته أعني كونه طاعة و معصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا يوصف بها أفعاله تعالى كما في لطم اليتيم تأديبا أو إيذاء فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله و تأثيره، و كونه طاعة على الأول و معصية على الثاني بقدرة العبد و تأثيره، و قالت الحكماء و إمام الحرمين: هي واقعة على سبيل الوجوب و امتناع التخلف بقدرة يخلقها الله في العبد إذا قارنت حصول الشرائط و ارتفاع الموانع، و الضابط في هذا المقام أن المؤثر إما قدرة الله أو قدرة العبد على الانفراد كمذهبي الأشعري و جمهور المعتزلة، أو هما معا و ذلك إما مع اتحاد المتعلقين كمذهب الأستاد منا و النجار من المعتزلة، أو دونه و حينئذ فإما مع كون إحداهما متعلقة للأخرى، و لا شبهة في أنه ليس قدرة الله متعلقة لقدرة العبد، إذ يستحيل تأثير الحادث في القديم، فتعين العكس و هو أن تكون قدرة العبد صادرة عن قدرة الله و موجبة للفعل، و هو قول الإمام و الفلاسفة، و إما بدون ذلك و هو مذهب القاضي لأن المفروض عدم اتحاد المتعلقين" انتهى". و اعترض عليه المولى جمال الدين محمود و غيره: بأن جعل المذهب المنسوب إلى الإمام و الفلاسفة كون المؤثر مجموع القدرتين دون مذهب المعتزلة تحكم بحت إذ لا فرق بين هذين المذهبين في أن المؤثر الحقيقي في الفعل هو قدرة العبد، و تلك القدرة الحادثة مخلوقة للقدرة القديمة الإلهية، ثم قال: الصواب في الضبط أن يقال المؤثر إما قدرة الله تعالى وحدها و هو مذهب الشيخ الأشعري، و إما قدرة العبد وحدها و هو مذهب جمهور المعتزلة و الإمام و الفلاسفة، و إما هما معا أما مع اتحاد المتعلقين و هو مذهب الأستاد، أو بدون ذلك بأن تتعلق القدرة القديمة بنفس الفعل و الحادثة بصفته، و هو مذهب القاضي" انتهى". ثم اعلم أن هذا المذهب الذي نسبوا إلى الحكماء من أن العلة القريبة للفعل الاختياري إنما هو العبد و قدرته، لكن قدرته مخلوقة لله و إرادته حاصلة بالعلل المترتبة منه تعالى قول بعضهم، و قال جم غفير منهم: لا مؤثر في الوجود إلا الله، و موجد أفعال العباد هو الله سبحانه، و قالوا: إن الفعل كما يسند إلى الفاعل كإسناد البناء إلى البناء قد يسند إلى الشرط كإسناد الإضاءة إلى الشمس و السراج مثلا فبعض الأفعال الصادرة عن الطبائع النوعية كالحركات الطبيعية و القسرية و الأفعال الاختيارية للإنسان و غيره بل الأفعال الصادرة عن النفوس الفلكية و العقول المجردة بناء على القول بوجودهما، فكل من هذه الأمور لا سيما إرادة النفوس الحيوانية و الإنسانية و الفلكية بل العقول مع عدم المانع شرط و واسطة لصدور تلك الأفعال من مفيض الوجود، و إسنادها إلى تلك المبادئ من قبيل إسناد الفعل إلى الشرائط و الوسائط، لا إلى الفاعل و الموجد، و هذا قريب من مذهب الأشاعرة. إذا عرفت هذه المذاهب فاعلم أن تأثير قدرة العبد و إرادته في الأفعال الاختيارية من أجلى البديهيات و سخافة مذاهب الأشاعرة و من يحذو حذوهم لا يحتاج إلى بيان و بطون الأوراق و الصحف و الزبر من علمائنا و المخالفين مشحونة بذلك. قال العلامة الحلي (قدس الله روحه): الإمامية قسموا الأفعال إلى ما يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا بحركتنا الاختيارية الصادرة عنا، كالحركة يمنة و يسرة، و إلى ما لا يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا كالآثار التي فعلها الله تعالى من الألوان و حركة النمو و التغذية و النبض و غير ذلك، و هو مذهب الحكماء، و الحق أنا نعلم بالضرورة أنا فاعلون، يدل عليه العقل و النقل، أما العقل فإنا نعلم بالضرورة الفرق بين حركتنا الاختيارية و الاضطرارية و حركة الجماد و نعلم بالضرورة قدرتنا على الحركة الأولى كحركتنا يمنة و يسرة، و عجزنا عن الثانية كحركتنا إلى السماء و حركة الواقع من شاهق، و انتفاء قدرة الجماد، و من أسند الأفعال إلى الله تعالى ينفي الفرق بينهما، و يحكم بنفي ما قضت الضرورة بثبوته، و قال أبو الهزيل العلاف:- و نعم ما قال- حمار بشر أعقل من بشر، فإن حمار بشر لو أتيت به إلى جدول صغير و ضربته للعبور فإنه يظفر، و لو أتيت به إلى جدول كبير و ضربته فإنه لا يظفر و يروع عنه، لأنه فرق بين ما يقدر عليه و بين ما لا يقدر عليه و بشر لا يفرق بين المقدور له و غير المقدور له" انتهى". و إذا كان الحكم بذلك ضروريا فالشبه الموردة في مقابلة ذلك لا يصغي إليها و إن كانت قوية، و كثير من أحوال الإنسان و أموره إذا أمعن النظر فيها يصل إلى حد يتحير العقل فيها، كحقيقة النفس و كيفية الإبصار مع كونهما أقرب الأشياء إليه، لا يمكنه الوصول إلى حقيقة ذلك، و ينتهي التفكر فيها إلى حد التحير و ليس ذلك سببا لأن ينفي وجودهما و تحققهما فيه، و لا نطيل الكلام بإيراد الدلائل و دفع الشبهات، فإن هذا الكتاب ليس محل إيرادها، و إنما نومئ إلى بعض مسائل الكلامية إجمالا لتوقف فهم الأخبار التي نحن بصدد شرحها عليه. ثم اعلم أن الحق أن المعتزلة أيضا خرجوا من الحق للإفراط من الجانب الآخر، فإنهم يذهبون إلى أنه تعالى لا مدخلية له في أعمال العباد أصلا، سوى خلق الآلات و التمكين و الأقدار حتى أن بعض المعتزلة قالوا: إن الله لا يقدر على عين مقدور العبد، و بعضهم قالوا: لا يقدر على مثله أيضا، فهم عزلوا الله عن سلطانه، و كأنهم أخرجوا الله من ملكه و أشركوا من حيث لا يعلمون، و الأخبار الواردة ينفي مذهب هؤلاء و ذمهم أكثر من الأخبار الدالة على ذم الجبرية و نفي مذهبهم، و في أكثر الأخبار أطلقت القدرية عليهم كما عرفت، و أطلقوا عليهم المفوضة، فهم (عليه السلام) نفوا و أبطلوا الجبر و التفويض معا، و أثبتوا الأمر بين الأمرين و هو أمر غامض دقيق و للناس في تحقيق ذلك مسالك: الأول: ما ذكره الشيخ الأجل المفيد طيب الله رمسه حيث قال في تحقيق الأمر بين الأمرين: الجبر هو الحمل على الفعل و الاضطرار إليه بالقسر و الغلبة، و حقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن تكون له قدرة على دفعه، و الامتناع من وجوده فيه، و قد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف و الإلجاء أنه جبر، و الأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه حسبما قدمناه، و إذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه، كان مذهب أصحاب المخلوق هو بعينه لأنهم يزعمون الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون للعبد قدرة على ضدها، و الامتناع منها، و خلق فيه المعصية كذلك، فهم المجبرة حقا و الجبر مذهبهم على التحقيق، و التفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال و الإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال، و هذا قول الزنادقة و أصحاب الإباحات و الواسطة بين القولين أن الله أقدر الخلق على أفعالهم و مكنهم من أعمالهم و حد لهم الحدود في ذلك و رسم لهم الرسوم، و نهاهم عن القبائح بالزجر و التخويف، و الوعد و الوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها، و لم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، و وضع الحدود لهم فيها و أمرهم بحسنها و نهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر و التفويض" انتهى" و أقول هذا معنى حق لكن تنزيل الأخبار عليه لا يخلو من بعد. الثاني: ما ذكره بعض السالكين مسلك الفلاسفة حيث قال: فعل العبد واقع بمجموع القدرتين و الإرادتين، و التأثيرين من العبد و من الرب سبحانه، و العبد لا يستقل في إيجاد فعله بحيث لا مدخل لقدرة الله فيه أصلا، بمعنى أنه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمة الفعل المقدور للعبد مطلقا، كما ذهب إليه المفوضة أو لا تأثير لقدرته فيه و إن كان قادرا على طاعة العاصي جبرا، لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة، و هذا أيضا نحو من التفويض، و قول بالقدر و بطلانه ظاهر، كيف و لقدرة خالق العبد و موجده تأثير في فعل العبد بلا شبهة كما يحكم به الحدس الصائب، و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر كما يظهر بأدنى تأمل أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا بحيث لا فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية و هم الجهمية، و قال: هذا معنى الأمر بين الأمرين، و معنى قول الحكماء الإلهيين: لا مؤثر في الوجود إلا الله، فمعناه أنه لا يوجد شيء إلا بإيجاده تعالى و تأثيره في وجوده، بأن يكون فاعلا قريبا له، سواء كان بلا مشاركة تأثير غيره فيه كما في أفعاله سبحانه كخلق زيد مثلا، أو بمشاركة تأثير غيره فيه كخلقه فعل زيد مثلا، فجميع الكائنات حتى أفعال العباد بمشيته تعالى و إرادته و قدره، أي تعلق إرادته و قضاؤه، أي إيجاده و تأثيره في وجوده، و لما كانت مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله بل تأثير كل واحد من الأمور المذكورة آنفا في أفعاله جزءا أخيرا للعلة التامة لأفعاله، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عن الله تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله تعالى و إرادته و قدره، بل لا يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل، و لا يتعلق جعله و تأثيره في وجود ذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من إقدار العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته، إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شيء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و لا يعلم تلك المصلحة إلا الله تعالى و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما من الله تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع، و نهيه عن أكل غذاء الضار، و ذلك ليس بأمر و نهي حقيقة، بل إعلام بما هو نافع و ضار له، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب، لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب، و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيته تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل القبيح بإرادته المؤثرة، و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب، و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج البينة اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى، لأن مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات، و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه، لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته، فإنه من أطاعه و بريء من المرض يقال له: عالجه الطبيب و صيره صحيحا، و من خالفه و هلك يقال له: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب، فظهر إسناد الحسنات إلى الله تعالى و إسناد السيئات إلى العبد، فهذا معنى الأمر بين الأمرين و ينطبق عليه الآيات و الأخبار من غير تكلف" انتهى" و هذا المحقق و إن بالغ في التدقيق و التوفيق بين الأدلة لكن يشكل القول بتأثيره سبحانه في القبائح و المعاصي مع مفاسد أخر ترد عليه، ذكرها يفضي إلى الإطناب. الثالث: ما ذكره أيضا أكثر السالكين مسلك الفلاسفة و نسب إلى المحقق الطوسي أيضا حيث قالوا: قد ثبت أن ما يوجد في هذا العالم فقد قدر بهيئته و زمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده، و قد ثبت أن الله تعالى قادر على جميع الممكنات و لم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته و علمه و قدرته و إيجاده بواسطة أو بغير واسطة و إلا لم يصلح لمبدئية الكل، فالهداية و الضلال و الإيمان و الكفر و الخير و الشر و النفع و الضرر و سائر المتقابلات كلها منتهية إلى قدرته و تأثيره و علمه و إرادته و مشيته بالذات أو بالعرض، و أفعالنا كسائر الموجودات و أفاعيلها بقضائه و قدره و هي واجبة الصدور بذلك منا، و لكن بتوسط أسباب و علل من إدراكنا و إرادتنا و حركاتنا و سكناتنا و غير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا، و تدبيرنا الخارجة عن قدرتنا و تأثيرنا، فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب و الشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر و المقضي المقدر، و عند تخلف شيء منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيز الامتناع، و يكون ممكنا وقوعيا بالقياس إلى كل واحد من الأسباب الكونية. و لما كان من جملة الأسباب و خصوصا القريبة منها إرادتنا و تفكرنا و تخيلنا و بالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل و الترك فالفعل اختياري لنا فإن الله أعطانا القوة و القدرة و الاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا، مع إحاطة علمه، فوجوبه لا ينافي إمكانه و اضطراريته لا تدافع كونه اختياريا كيف و أنه ما وجب إلا باختياره و لا شك أن القدرة و الاختيار كسائر الأسباب من الإدراك و العلم و الإرادة و التفكر و التخيل و قواها و آلاتها كلها بفعل الله تعالى لا بفعلنا و اختيارنا، و إلا لتسلسلت القدر و الإرادات إلى غير النهاية، و ذلك لأنا و إن كنا بحيث إن شئنا فعلنا، و إن لم نشأ لم نفعل، لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا، و إن لم نشأ لم نشأ، بل إذا شئنا فلم تتعلق مشيتنا بمشيتنا بل بغير مشيتنا فليست المشية إلينا، إذ لو كانت إلينا أ إلى مشية أخرى سابقه، و تسلسل الأمر إلى غير النهاية، و مع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول: مشياتنا الغير المتناهية بحيث لا تشذ عنها مشية لا يخلو إما أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيتنا أو بسبب مشيتنا، و الثاني باطل لعدم إمكان مشية أخرى خارجة عن تلك الجملة، و الأول هو المطلوب، فقد ظهر أن مشيتنا ليست تحت قدرتنا كما قال الله عز و جل:" وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ" فإذا نحن في مشيتنا مضطرون و إنما تحدث المشية عقيب الداعي، و هو تصور الشيء الملائم تصورا ظنيا أو تخيليا أو علميا، فإذا أدركنا شيئا فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منا شوق إلى جذبه أو دفعه، و تأكد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالإرادة، و إذا انضمت إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء الأدوية من العضلات و غيرها، فيحصل الفعل فإذا تحقق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشية تحققت المشية، و إذا تحققت المشية التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة، و لم يكن لها سبيل إلى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، و القدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية و المشية تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي، فهذه ضروريات يترتب بعضها على بعض، و ليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقق سابقه، فليس يمكن لنا أن ندفع المشية عند تحقق الداعي للفعل، و لا انصراف القدرة عن المقدور بعدها، و فنحن مضطرون في الجميع، و نحن في عين الاختيار مجبورون على الاختيار" انتهى". و الظاهر أن هذا عين الجبر، و ليس من الأمر بين الأمرين في شيء، و احتياج الإرادة إلى إرادة أخرى ممنوع، و تفصيل الكلام في ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمات و إيراد إشكالات و أجوبة تفضي إلى التطويل، مع أن أمثال هذه شبه في مقابلة البديهة و لا وقع بمثلها. و مثل هذا التوجيه ما قيل: أنه لا دخل لإرادة العبد في الإيجاب، بل هي من الشروط التي بها يصير المبدأ بإرادته موجبا تاما مستجمعا لشرائط التأثير، و هذا القدر كاف لوقوع فعل العبد بإرادته، و كونه مستندا إليها و عملا له. و ما قيل: أن لإرادة العبد مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، بل بأنه أراد وقوع مراد العبد و أوجبه على أنه مراده، فلها مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، و بهذه المدخلية ينسب الفعل إلى العبد و يكون عملا له، فهذان الوجهان و أضرابها مما تركنا ذكرها حذرا من الإطالة مشتركة في عدم رفع المفاسد، و عدم إيصال طالب الحق إلى المقاصد. الرابع: ما ذكره الفاضل الأسترآبادي (رحمه الله) تعالى حيث قال: معنى الأمر بين الأمرين أنهم ليسوا بحيث ما شاءوا صنعوا بل فعلهم معلق على إرادة حادثة متعلقة بالتخلية أو بالصرف، و في كثير من الأحاديث أن تأثير السحر موقوف على أذنه تعالى و كان السر في ذلك أنه لا يكون شيء من طاعة أو معصية أو غيرهما كالأفعال الطبيعية إلا بإذن جديد منه تعالى، فتوقف حينئذ كل حادث على الإذن توقف المعلول على شروطه، لا توقفه على سببه. أقول: و هذا معنى يشبه الحق و سنشير إليه. الخامس: أن يكون الجبر المنفي ما ذهب إليه الأشعري و الجهمية، و التفويض المنفي هو كون العبد مستقلا في الفعل، بحيث لا يقدر الرب تعالى على صرفه عنه كما ينسب إلى بعض المعتزلة، و الأمر بينهما هو أنه جعلهم مختارين في الفعل و الترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون. السادس: أن يقال: الأمر بين الأمرين هو أن الأسباب القريبة للفعل بقدرة العبد، و الأسباب البعيدة كالآلات و الأدوات و الجوارح و الأعضاء و القوي بقدرة الله سبحانه، فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين. و فيه: أن التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد حتى يحتاج إلى نفيه. السابع: أن المراد بالأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد و هي الأفعال التكليفية، و بعضها بغير اختياره كالصحة و المرض و النوم و اليقظة و أشباهها. و يرد عليه ما أوردنا على الوجه السابق. الثامن: أن التفويض المنفي هو تفويض الخلق و الرزق و تدبير العالم إلى العباد كقول الغلاة في الأئمة (عليه السلام)، و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن يزيد بن عمير قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو، فقلت: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين فما معناه؟ فقال: من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، و من زعم أن الله عز و جل فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض، فالقائل بالجبر كافر، و القائل بالتفويض مشرك، فقلت له: يا بن رسول الله، فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، و ترك ما نهوا عنه، فقلت له: فهل لله عز و جل مشية و إرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله و مشيته فيها الأمر بها و الرضا لها، و المعاونة عليها، و إرادته و مشيته في المعاصي النهي عنها و السخط لها و الخذلان عليها، قلت: فلله عز و جل فيها القضاء؟ قال: نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير و شر إلا و لله فيه قضاء، قلت: فما معنى هذا القضاء؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة. التاسع: ما ظهر لنا من الأخبار المعتبرة المأثورة عن الصادقين (عليهم السلام)، و هو أن الجبر المنفي قول الأشاعرة و الجبرية كما عرفت، و التفويض المنفي هو قول المعتزلة إنه تعالى أوجد العباد و أقدرهم على أعمالهم و فوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم و قدرتهم، و ليس لله سبحانه في أعمالهم صنع. و أما الأمر بين الأمرين فهو أن لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعالهم بحيث لا يصل إلى حد الإلجاء و الاضطرار، كما أن لخذلانه سبحانه مدخلا في فعل المعاصي و ترك الطاعات، لكن لا بحيث ينتهي إلى حد لا يقدر معه على الفعل أو الترك، و هذا أمر يجده الإنسان من نفسه في أحواله المختلفة، و هو مثل أن يأمر السيد عبده بشيء يقدر على فعله و فهمه ذلك، و وعده على فعله شيئا من الثواب و على تركه قدرا من العقاب، فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك، لم يكن لوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه، و لا ينسب عندهم إلى الظلم، و لا يقول عاقل أنه أجبره على ترك الفعل، و لو لم يكتف السيد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه، و أكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل و يرغبه فيه و يحذره على الترك، ثم فعل ذلك الفعل بقدرته و اختياره فلا يقول عاقل أنه جبره على الفعل، و أما فعل ذلك بالنسبة إلى قوم و تركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم و صفاء طويتهم أو سوء اختيارهم و قبح سريرتهم أو إلى شيء لا يصل إليه علمنا، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه سبحانه، بأن يقال: جبرهم على المعاصي ثم عذبهم عليها، كما يلزم الأولين، و لا عزله تعالى من ملكه و استقلال العباد، بحيث لا مدخل لله في أفعالهم، فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين. و يدل على هذا الوجه أخبار كثيرة كالخبر الأول لا سيما مع التتمة التي في الاحتجاج، و الخبر الثامن و الثالث عشر من هذا الباب، بل أكثر أبواب هذا الباب، و الأبواب السابقة و اللاحقة، و به يمكن رفع التنافي بينها كما أومأنا إليه في بعضها، و قد روي في الاحتجاج و تحف العقول فيما أجاب به أبو الحسن العسكري (عليه السلام) في رسالته إلى أهل الأهواز حيث قال (عليه السلام): قال الصادق (عليه السلام): لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين، قيل: فما ذا يا بن رسول الله؟ قال: صحة العقل و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقض العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحا بحسبه و أنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة و هي الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب و يسهل له البحث من شرحه، و يشهد به القرآن بمحكم آياته و تحقيق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله العصمة و التوفيق. ثم قال (عليه السلام): فأما الجبر فهو قول من زعم أن الله عز و جل جبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم الله و كذبه و رد عليه قوله: " وَ لٰا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً" و قوله جل ذكره:" ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ يَدٰاكَ وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ" مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عز و جل و ظلمه في عقوبته له، و من ظلم ربه فقد كذب كتابه، و من كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة. و المثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، و لا يملك عرضا من عروض الدنيا، و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها، و لا يملكه ثمن ما يأتيه به، و علم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق و …

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ وَ الْأَمْرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.