الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ١٤

حاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن، و لا يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه لذلك و عاقبه على ذلك، فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذب نفسه، أ ليس يجب أن لا يعاقبه و الكذب و الظلم ينفيان العدل و الحكمة تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا. ثم قال (عليه السلام) بعد كلام طويل: فأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) و خطىء من دان به فهو قول القائل: إن الله فوض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم، و في هذا كلام دقيق لم يذهب إلى غوره و دقته إلا الأئمة المهدية (عليهم السلام) من عترة آل الرسول (صلى الله عليه و آله) فإنهم قالوا: لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا به من الثواب، و لم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب، إذ كان الإهمال واقعا، فتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحبه فقد لزم الوهن، أو يكون جل و تقدس عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي ففوض أمره و نهيه إليهم و أجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي على إرادته، فجعل الاختيار إليهم في الكفر و الإيمان، و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته و يقف عند أمره، و نهيه، و ادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه و وعده على اتباع أو أمره عظيم الثواب، و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه و لم يقف عند أمره و نهيه، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، و بعثه في بعض حوائجه، و فيها الحاجة له، فصدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه، و قصد إرادة نفسه و اتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال العبد: اتكلت على تفويضك الأمر إلى فاتبعت هواي و إرادتي، لأن المفوض إليه غير محصور عليه، لاستحالة اجتماع التفويض و التحصير. ثم قال (عليه السلام): من زعم أن الله فوض قبول أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر و أبطل أمر الله تعالى و نهيه، ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته، و ملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر و النهي و قبل منهم اتباع أمره و رضي بذلك منهم، و نهاهم عن معصيته و ذم من عصاه و عاقبه عليها، و لله الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد و يأمر به، و ينهى عما يكره، و يثيب و يعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنه العدل و منه النصفة و الحكومة، بالغ الحجة بالأعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا (صلى الله عليه و آله) و بعثه بالرسالة إلى خلقه، و لو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن الصلت و أبي مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه و آله) لما قالوا: لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" يعنونهما بذلك. فهذا هو القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له: قل يا عباية! قال: و ما أقول؟ قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، و إن قلت تملكها من دون الله قتلتك، قال: و ما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملكها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، و هو المالك لما ملكك، و المالك لما عليه أقدرك، أ ما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حيث يقولون: لا حول و لا قوة إلا بالله؟ فقال الرجل: و ما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول بنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، و لا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب الرجل و قبل يديه و رجليه، إلى آخر الخبر بطوله. و أقول أكثر أجزاء هذا الخبر يدل على ما ذكرنا في الوجه التاسع، و أما ما ذكر في معنى التفويض، فيحتمل أن يكون راجعا إلى الوجه الأول، لكن الظاهر أن غرضه (عليه السلام) من نفي التفويض نفي ما ذكره المخالفون من تفويض اختيار الإمام (عليه السلام) و نصبه إلى الأمة و تفويض الأحكام إليهم بأن يحكموا فيها بآرائهم، و قياساتهم و استحساناتهم، و لهذا أجمل (عليه السلام) في الكلام، و قال في هذا كلام دقيق، و بين ذلك أخيرا بذكر قريش و اصطفائهم فلا تغفل. فيمكن أن يعد هذا وجها عاشرا لنفي الجبر و التفويض، و إثبات الواسطة. و يؤيد ما ذكرنا أيضا ما رواه الشيخ أبو الفتح الكراجكي في كتاب كنز الفوائد إن الحسن البصري كتب إلى الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام): من الحسن البصري إلى الحسن بن رسول الله أما بعد فإنكم معاشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، مصابيح الدجى و أعلام الهدى، و الأئمة القادة، الذين من تبعهم نجا و السفينة التي يؤول إليها المؤمنون، و ينجو فيها المتمسكون، قد كثر يا بن رسول الله عندنا الكلام في القدر، و اختلافنا في الاستطاعة، فعلمنا ما الذي عليه رأيك و رأي آبائك فإنكم ذرية بعضها من بعض، من علم الله علمتم، و هو الشاهد عليكم، و أنتم الشهداء على الناس و السلام؟ فأجابه (صلوات الله عليه) من الحسن بن علي إلى الحسن البصري: أما بعد فقد انتهى إلى كتابك عند حيرتك و حيرة من زعمت من أمتنا و كيف ترجعون إلينا و أنتم معنا بالقول دون العمل، و اعلم أنه لو لا ما تناهى إلى من حيرتك و حيرة الأمة من قبلك لأمسكت عن الجواب، و لكني الناصح ابن الناصح الأمين، و الذي أنا عليه أنه من لم يؤمن بالقدر خيره و شره فقد كفر، و من حمل المعاصي على الله فقد فجر، إن الله سبحانه لا يطاع بإكراه، و لا يعص بغلبة، و لا أهمل العباد من الملكة و لكنه عز و جل المالك لما ملكهم و القادر على ما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله عز و جل لهم صادا، و لا عنها مانعا، و إن ائتمروا بالمعصية فشاء سبحانه أن يمن عليهم فيحول بينهم و بينها فعل، و إن لم يفعل فليس هو حملهم عليها إجبارا و لا ألزمهم بها إكراها، بل احتجاجه عز ذكره عليهم أن عرفهم و جعل لهم السبيل إلى فعل ما دعاهم إليه، و ترك ما نهاهم عنه، و لله الحجة البالغة و السلام. و في تحف العقول هكذا: أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شره أن الله يعلمه فقد كفر، إلى قوله (عليه السلام): و إن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرا و لا ألزموها كرها، بل من عليهم بأن بصرهم و عرفهم و حذرهم و أمرهم و نهاهم لا جبلا لهم على ما أمرهم به، فيكونوا كالملائكة، و لا جبرا لهم على ما نهاهم، و لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين و السلام على من اتبع الهدى. و أقول: قال السيد بن طاوس (قدس سره) في كتاب الطرائف: روى جماعة من علماء الإسلام عن نبيهم (صلى الله عليه و آله) أنه قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا، قيل: و من القدرية يا رسول الله؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدر عليهم المعاصي و عذبهم عليها. و روى صاحب الفائق و غيره من علماء الإسلام عن محمد بن علي المكي بإسناده قال: إن رجلا قدم على النبي (صلى الله عليه و آله) فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): أخبرني بأعجب شيء رأيت؟ قال: رأيت قوما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْجَبْرِ وَ الْقَدَرِ وَ الْأَمْرِ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.