مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعاً عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ جَمِيعاً عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)عَنِ و حاستها القلب، فمن فعل فعلا و كان بدين لم يعقد قلبه على ذلك لم يقبل الله منه عملا إلا بصدق النية، إلى آخر الخبر الطويل الذي أوردته في الكتاب الكبير و فيه فوائد جمة. الحديث الثاني: مرسل. و اعلم أن المتكلمين اختلفوا في أن الاستطاعة و القدرة هل هما في العبد قبل الفعل أو معه؟ فذهبت الإمامية و المعتزلة إلى الأول و الأشاعرة إلى الثاني، و استدل كل من الفريقين على مذهبهم بدلائل ليس هذا موضع ذكرها، و الحق أن ما ذهب إليه الإمامية ضرورية إذ القطع حاصل بقدرة القاعد في وقت قعوده على القيام، و القائم في حال قيامه على القعود بالوجدان، و يدل عليه أخبار كثيرة: منها ما رواه الصدوق عن عوف بن عبد الله عن عمه قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الاستطاعة؟ فقال: و قد فعلوا، فقلت: نعم زعموا أنها لا تكون إلا عند الفعل، واردة في حال الفعل لا قبله، فقال: أشرك القوم. و في الصحيح عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال سمعته يقول: لا يكون العبد فاعلا إلا و هو مستطيع، و قد يكون مستطيعا غير فاعل، و لا يكون فاعلا أبدا حتى يكون معه الاستطاعة. و في الصحيح عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما كلف الله العباد كلفة فعل، و لا نهاهم عن شيء حتى جعل لهم الاستطاعة، ثم أمرهم و نهاهم فلا يكون العبد آخذا و لا تاركا إلا باستطاعة متقدمة قبل الأمر و النهي، و قبل الأخذ و الترك و قبل القبض و البسط. و في الصحيح أيضا عن هشام عنه (عليه السلام) قال: لا يكون من العبد قبض و لا بسط إلا باستطاعة متقدمة للقبض و البسط. و في الصحيح أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول و عنده قوم يتناظرون في الأفاعيل و الحركات، فقال: الاستطاعة قبل الفعل، لم يأمر الله عز و جل بقبض و لا بسط إلا و العبد لذلك مستطيع، و الأخبار في ذلك كثيرة. و الأشاعرة إنما قالوا بعدم القدرة قبل الفعل و كونها مع الفعل لأنهم يقولون بعدم تأثير قدرة العبد و إرادته في الفعل أصلا. إذا عرفت هذا فاعلم أن هذا الخبر ظاهرا موافق لمذهب الأشاعرة، و مخالف لمذهب الإمامية، و الأخبار الصحيحة السالفة تنفيه، و يمكن تأويله بوجوه: الأول: حمله على التقية إذ أكثر المخالفين يرون رأي الأشعري و يتبعونه في أصول مذهبهم، و يؤيده أن ما ذكر فيه من الدليل على نفي الاستطاعة من عمدة دلائل الأشاعرة على نفي اختيار العبد حيث قالوا: القدرة على الأثر بمعنى التمكن على فعله و تركه، إما حال وجود الأثر و حينئذ يجب وجوده، فلا يتمكن من الترك و إما حال عدمه فيجب عدمه فلا يتمكن من الفعل، و أجيب بأنا نختار أنها حال عدم الأثر لكنها عبارة عن التمكن من الفعل في ثاني الحال، فلا ينافيه العدم في الحال، بل يجتمع معه. الثاني: أن يقال المراد بالاستطاعة في الخبر الاستعداد التام الذي لا يكون إلا مع الأثر و المراد بآلة الاستطاعة جميع ما يتوقف عليه الأثر فعلا كان أو تركا، فاستطاعة الفعل لا يكون إلا مع الفعل، و استطاعة الترك لا يكون إلا مع الترك، و بعبارة أخرى: المراد بالاستطاعة الاستقلال بالفعل، بحيث لا يمكن أن يمنعه مانع عنه، و لا يكون هذا إلا في حال الفعل إذ يمكن قبل الفعل أن يزيله الله تعالى عن الفعل بصرفه عنه، أو إعدامه أو إعدام الآلة، و الحاصل أن استطاعة الشيء التمكن منه و انقياد حصول ذلك الشيء له، و استطاعة أحد الطرفين لا يستلزم استطاعة الآخر بخلاف القدرة، فإن القدرة على أحد الطرفين تلزمه القدرة على الآخر، و القدرة الِاسْتِطَاعَةِ فَقَالَ أَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْمَلَ مَا لَمْ يُكَوَّنْ قَالَ لَا قَالَ فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَنْتَهِيَ عَمَّا قَدْ كُوِّنَ قَالَ لَا قَالَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)فَمَتَى أَنْتَ مُسْتَطِيعٌ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقاً فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الِاسْتِطَاعَةِ على الفعل تسبقه بمراتب بخلاف الاستطاعة، قال إمامهم الرازي في الجمع بين رأيي الأشاعرة و المعتزلة في تلك المسألة: القدرة قد تطلق على القوة العضلية التي هي مبدء الآثار المختلفة في الحيوان بحيث متى انضم إليها إرادة كل واحد من الضدين حصل دون الآخر، و لا شك في أن نسبتها إلى الضدين على السواء، و قد تطلق على القوة المستجمعة لشرائط التأثير، و لا شك في امتناع تعلقها بالضدين و إلا اجتمعا في الوجود، بل هي بالنسبة إلى كل مقدور غيرها بالنسبة إلى مقدور آخر لاختلاف الشرائط بحسب مقدور مقدور، فلعل الأشعري أراد بالقدرة المعنى الثاني، فحكم بأنها لا تتعلق بالضدين، و لا هي قبل الفعل، و المعتزلة أرادوا بها المعنى الأول فذهبوا إلى أنها تتعلق بالضدين و أنها قبل الفعل" انتهى" و هذا الكلام متين لكنه لا يصلح جامعا بين القولين، لأن الأشعري لا يقول بتأثير قدرة العبد و إرادته، و لذا قال بمقارنتها للفعل. الثالث: أن يكون المعنى أن في حال الفعل تظهر الاستطاعة، و يعلم أنه كان مستطيعا قبله، بأن أذن الله له في الفعل، كما ورد أن بعد القضاء لا بداء. قوله (عليه السلام): أن تعمل ما لم يكون، أي بعد حصول الترك في زمان الترك لا تستطيع الفعل، بل تستطيع الترك، و تمت علته و حصل، فلا تستطيع الفعل حينئذ، إذ لم يحصل منك و لا من الله ما يتوقف عليه حصول الفعل قبله، فصار الترك حينئذ واجبا بعلله التي منها إرادة العبد الترك. قوله (عليه السلام): أن تنتهي عما قد كون، أي بعد وجود الفعل و وجوبه بعلله التي منها إرادته كيف يستطيع الترك، فالقدرة على الفعل و الترك قبلهما و استطاعتهما أي وجوبهما و لزومهما في وقتهما كما مر في الوجه الثاني" فجعل فيهم آلة الاستطاعة" ثُمَّ لَمْ يُفَوِّضْ إِلَيْهِمْ فَهُمْ مُسْتَطِيعُونَ لِلْفِعْلِ وَقْتَ الْفِعْلِ مَعَ الْفِعْلِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ الْفِعْلَ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوهُ فِي مُلْكِهِ لَمْ يَكُونُوا مُسْتَطِيعِينَ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلًا لَمْ يَفْعَلُوهُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُضَادَّهُ فِي مُلْكِهِ أَحَدٌ قَالَ الْبَصْرِيُّ فَالنَّاسُ مَجْبُورُونَ قَالَ لَوْ كَانُوا مَجْبُورِينَ كَانُوا مَعْذُورِينَ قَالَ فَفَوَّضَ إِلَيْهِمْ قَالَ لَا قَالَ فَمَا هُمْ قَالَ عَلِمَ مِنْهُمْ فِعْلًا فَجَعَلَ فِيهِمْ آلَةَ الْفِعْلِ فَإِذَا فَعَلُوهُ كَانُوا مَعَ الْفِعْلِ مُسْتَطِيعِينَ- قَالَ الْبَصْرِيُّ أَشْهَدُ أَنَّهُ الْحَقُّ وَ أَنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ الرِّسَالَةِ
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الِاسْتِطَاعَةِ