عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ قَالَ حَتَّى بطريق العادة، و سائرهم قالوا: تجب معرفته سبحانه عقلا بالنظر و المعرفة بعده من صنع العبد يولدها النظر، كما أن حركة اليد تولد حركة المفتاح، و هم قد اختلفوا في أول واجب على العباد، فقال أبو الحسن الأشعري: هو معرفته تعالى إذ هو أصل المعارف و العقائد الدينية، و عليه يتفرع كل واجب من الواجبات الشرعية، و قيل هو النظر في معرفته تعالى لأن المعرفة تتوقف عليه، و هذا مذهب جمهور المعتزلة و قيل: هو أول جزء منه، لأن وجوب الكل يستلزم وجوب أجزائه، فأول جزء من النظر واجب و مقدم على النظر المقدم على المعرفة، و قيل: هو القصد إلى النظر، لأن النظر فعل اختياري مسبوق بالقصد المقدم على أول جزء من أجزاء النظر، و قال شارح المواقف: النزاع لفظي إذ لو أريد الواجب بالقصد الأول، أي أريد أول الواجبات المقصودة أولا و بالذات فهو المعرفة اتفاقا، و إن أريد أول الواجبات مطلقا فالقصد إلى النظر، لأنه مقدمة للنظر الواجب مطلقا فيكون واجبا أيضا. الحديث الثالث: حسن موثق. قوله سبحانه:" وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً" أي يسميهم ضلالا أو يؤاخذهم مؤاخذتهم، أو يسمهم بسمة الضلالة يعرف بها من يشاء من ملائكته إذا نظروا إليها أنهم من الضالين، أو يخذلهم بسلب اللطف و التوفيق منهم" بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ" قيل: يحتمل أن تكون الهداية هيهنا بمعنى الإيصال إلى المطلوب، فمعناه أنه تعالى لا يخذل قوما أو لا يحتج على قوم و لا يحكم بضلالتهم بعد أن أوصلهم إلى المطلوب حتى يعرفهم ما يرضيه فيعملوا به، و ما يسخطه فيجتنبوا عنه، أي حتى يوفقهم لكل خير و يعصمهم يُعَرِّفَهُمْ مَا يُرْضِيهِ وَ مَا يُسْخِطُهُ وَ قَالَ فَأَلْهَمَهٰا فُجُورَهٰا وَ تَقْوٰاهٰا قَالَ بَيَّنَ لَهَا مَا تَأْتِي وَ مَا تَتْرُكُ وَ قَالَ إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً قَالَ عَرَّفْنَاهُ إِمَّا آخِذٌ وَ إِمَّا تَارِكٌ وَ عَنْ قَوْلِهِ وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمىٰ عَلَى الْهُدىٰ قَالَ عَرَّفْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى وَ هُمْ يَعْرِفُونَ وَ فِي رِوَايَةٍ بَيَّنَّا لَهُمْ من كل شر فما بعد" حتى" داخل فيما قبلها، و يحتمل أن يكون بمعنى إراءة الطريق فمعناه أنه تعالى لا يخذل قوما أو لا يحكم بضلالتهم بعد إذ هداهم إلى الإيمان إلا بعد أن يعلمهم ما يرضيه و ما يسخطه فما بعد" حتى" خارج عن حكم ما قبلها" انتهى". و فيه دلالة على أن التعريف من الله فيما يرضيه و فيما يسخطه من الشرائع و الواجبات و السنن و الأحكام، لكن لا ينافي ما مر، و قوله: و قال فألهمها، من كلام ثعلبة و ضميره راجع إلى حمزة، أي و سأله عن قوله تعالى:" فَأَلْهَمَهٰا" و الضمير راجع إلى النفس، و المراد: بفجورها و تقويها، ما فيه فجورها و ما فيه تقويها، و قوله (عليه السلام): بين لها ما تأتي و ما تترك، أي المراد بالإلهام هو بيان أن الله تعالى و إعلامه بما ينبغي للنفس أن تأتي به مما ينفع لها بالأمر، و بما ينبغي لها أن تتركه مما يضرها بالنهي فالنشر على خلاف ترتيب اللف، قال البيضاوي: إلهام الفجور و التقوى إفهامهما، و تعريف حالهما، و التمكين من الإتيان بهما" إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ" أي سبيل الخيرات و الطاعات" إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً". قال البيضاوي: هما حالان من الهاء، و إما للتفصيل أو التقسيم أي هديناه في حالتيه جميعا أو مقسوما إليهما بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه، أو من السبيل و وصفه بالشكر و الكفر مجاز" قال: عرفناه" بالتشديد أي السبيل" إما آخذ" تفسير للشاكر" و إما تارك" تفسير للكفور، و هذا شامل لجميع الواجبات الأصولية و الفروعية، و كذا قوله:" وَ أَمّٰا ثَمُودُ فَهَدَيْنٰاهُمْ" شامل لهما، و الهداية هنا بمعنى إراءة الطريق، و في رواية: بينا لهم، أي مكان عرفناهم.
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ الْبَيَانِ وَ التَّعْرِيفِ وَ لُزُومِ الْحُجَّةِ