الأقسامالكافيكتاب التوحيد
الكافي · رقم ١

مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ دُرُسْتَ بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ لَيْسَ لِلْعِبَادِ فِيهَا صُنْعٌ الْمَعْرِفَةُ وَ الْجَهْلُ وَ الرِّضَا وَ الْغَضَبُ وَ النَّوْمُ وَ الْيَقَظَةُ الحديث السادس: مرفوع. قوله (عليه السلام): فحجته عليه القيام بما كلفه، أي ما يحتج به عليه بعد التعريف قوة القيام بما كلف به، أو المحتج له القيام بالمكلف به، و هذا أظهر و أوفق بما بعده من جعل التعاهد للفقراء بنوافل ماله و الحمد على شرفه و جماله، و عدم التطاول على غيره، من الحجة و حينئذ ينبغي حمل قوله" فحجته عليه ماله" على أن المحتج له إصلاح ماله و صرفه في مصارفه و حفظه عن التضييع و الإسراف فيه. باب [اختلاف الحجة على عباده] ليس الباب في بعض النسخ، و إنما لم يعنون لأنه من الباب الأول، و إنما أفرد لامتياز حديثه بخصوصية كما لا يخفى. الحديث الأول: ضعيف" المعرفة و الجهل" أقول: قد مر الكلام فيهما سابقا و نقل إجماع المتكلمين على وجوب النظر في معرفة الله تعالى، بل إجماع الأمة عليه، و إنما اختلفوا في أن وجوبها عقلي أو شرعي و نسب إلى البراهمة أنها تحصل بالإلهام، و إلى الملاحدة أنها تحصل بالتعليم، و إلى المتصوفة أنها تحصل بتصفية الباطن و الرياضات، و ربما يقال: إن النظر في معرفة الله تعالى و صفاته و أفعاله و العقائد الدينية على ما تفعله المتكلمون بدعة في الدين، لم ينقل عن النبي (صلى الله عليه و آله) و الصحابة و الخلفاء الراشدين، و لو كانوا قد اشتغلوا بها لنقل إلينا لتوفر الدواعي على نقله كما نقل اشتغالهم بالمسائل الفقهية على اختلاف أصنافها، و أجيب بمنع عدم النقل بل تواتر أنهم كانوا يبحثون عن دلائل التوحيد و ما يتعلق به، و القرآن مملوء منه، و هل ما يذكر في كتب الكلام إلا قطرة من بحر مما نطق به الكتاب الكريم؟ نعم أنهم لم يدونوها و لم يشتغلوا بتقرير المذاهب و تحرير الاصطلاحات، و لم يبالغوا في تفصيل الأسئلة و تلخيص الجوابات لاختصاصهم بصفاء النفوس و قوة الأذهان، و مشاهدة الوحي المقتضية لفيضان أنوار العرفان، و التمكن من مراجعة من يفيدهم و يدفع عنهم ما عسى أن يعرض لهم من الشكوك و الشبهات في كل حين، مع قلة عناد المعاندين و ندرة تشكيك المشككين، بخلاف زمان من بعدهم إلى زماننا هذا، حيث كثرت المذاهب و المقالات، و شاعت المنازعات و المجادلات، فاجتمع بالتدريج لأهل الأعصار التالية جميع ما حدث في الأزمان و القرون الخالية، فاحتيج إلى تدوين مسائل الكلام و تقرير كل ما أورد على كل حجة من النقض و الإبرام. قالوا: فإن ادعى أن هذا التدوين بدعة فرب بدعة حسنة، و ذلك بعينه كالاشتغال بتدوين الفقه و أصوله، و ترتيب أبوابه و فصوله، فإنه حدث بعد ما لم يكن فكما ليس ذلك بقادح في الفقه ليس هذا بضائر للكلام، و قد أمر الله سبحانه بالنظر في آيات كثيرة كقوله تعالى:" قُلِ انْظُرُوا مٰا ذٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" و قوله تعالى:" فَانْظُرْ إِلىٰ آثٰارِ رَحْمَتِ اللّٰهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهٰا" فأمر بالنظر و هو للوجوب، و لما نزل:" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ لَآيٰاتٍ لِأُولِي الْأَلْبٰابِ" قال النبي (صلى الله عليه و آله): ويل لمن لاكها بين لحيتيه و لم يتفكر فيها، فقد أوعد بترك التفكر في دلائل المعرفة، فيكون واجبا، إذ لا وعيد على ترك غير الواجب أقول: قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في كتاب المقالات: المعرفة بالله تعالى اكتساب و كذلك المعرفة بأنبيائه (عليهم السلام) و كل غائب، و إنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شيء مما ذكرناه و هو مذهب كثير من الإمامية و البغداديين من المعتزلة خاصة، و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المجبرة و الحشوية من أصحاب الحديث، و قال في موضع آخر منه: العلم بالله عز و جل و أنبيائه (عليهم السلام) و بصحة دينه الذي ارتضاه و كل شيء لا تدرك حقيقته بالحواس، و لا تكون المعرفة به قائمة في البداهة و إنما يحصل بضرب من القياس لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار، و لا يحصل على الأحوال كلها إلا من جهة الاكتساب، كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس، و لا يحصل العلم في حال من الأحوال بما في البداهة. ثم قال (رحمه الله): العلم بصحة جميع الأخبار طريقه الاستدلال و هو حاصل من جهة الاكتساب، و لا يصح وقوع شيء منه بالاضطرار، و القول فيه كالقول في جملة الغائبات، و إلى هذا القول ذهب جمهور البغداديين و يخالف فيه البصريون و المشبهة و أهل الأخبار، و أما العلم بالحواس فهو على ثلاثة أضرب، فضرب هو من فعل الله تعالى، و ضرب من فعل الحاس، و ضرب من فعل غيره من العباد، فأما فعل الله تعالى فهو ما حصل للعالم به عن سبب من الله، كعلمه بصوت الرعد و لون البرق و وجود الحر و البرد و أصوات الرياح و ما أشبه ذلك مما يبده ذو الحاسة من غير أن يتعمد لإحساسه، و يكون بسبب من الله سبحانه، ليس للعباد فيه اختيار، فأما فعل الحاس فهو ما حصل له عقيب فتح بصره أو الإصغاء بإذنه أو التعمد لإحساسه بشيء من حواسه أو يفعله السبب الموجب لإحساس المحسوس، و حصول العلم به، و أما فعل غير الحاس من العباد فهو ما حصل للحاس بسبب من بعض العباد كالصائح بغيره و هو غير متعمد لسماعة أو المولم له فلا يمتنع من العلم بالألم عند إيلامه و ما أشبه ذلك، و هذا مذهب جمهور المتكلمين من أهل بغداد و مخالف فيه من سميناه" انتهى". و أقول: الغرض من إيراد هذه الوجوه أن تطلع على مذاهب القوم في ذلك، و إن كان للنظر فيها مجال واسع، و لنتكلم على الخبر فنقول: قد عرفت الوجوه التي يمكن حمل أمثال هذا الخبر عليه، و لنعد بعضها: الأول: أنه يصح على القول بأن جميع العلوم و المعارف فائضة من قبل الله سبحانه بحسب استعدادات العباد و قابلياتهم إما بلا واسطة أو بتوسط الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام)، و إنما الواجب على الخلق أن يخلو أنفسهم عن الأغراض الدنية و الحمية و العصبية، و يصيروا طالبين للحق ثم بعد إفاضة الحق عليهم أن يقروا بها ظاهرا و لا ينكروا و لا يكونوا كالذين قال الله سبحانه فيهم:" جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ". قال المحقق الطوسي روح الله روحه القدوسي: و لا بد فيه أي في العلم من الاستعداد، أما الضروري فبالحواس، و أما الكسبي فبالأول، و قال العلامة رفع الله مقامه في شرحه: قد بينا أن العلم أما ضروري و إما كسبي، و كلاهما حصل بعد عدمه، إذ الفطرة البشرية خلقت أولا عارية عن العلوم، ثم يحصل لها العلم بقسميه فلا بد من استعداد سابق مغاير للنفس، و فاعل للعلم، فالضروري فاعله هو الله تعالى إذ القابل لا يخرج المقبول من القوة إلى الفعل بذاته، و إلا لم ينفك عنه، و للقبول درجات مختلفة في القرب و البعد، و إنما يستعد النفس للقبول على التدريج فينتقل من أقصى مراتب البعد إلى أدناها قليلا قليلا لأجل المعدات التي هي الإحساس بالحواس على اختلافها، و التمرن عليها و تكرارها مرة بعد أخرى، فيتم الاستعداد لإفاضة العلوم البديهية الكلية من التصورات و التصديقات بين كليات تلك المحسوسات و أما النظرية فإنها مستفادة من النفس أو من الله تعالى على اختلاف الآراء، لكن بواسطة الاستعداد بالعلوم البديهية، أما في التصورات فبالحد و الرسم، و أما في التصديقات فبالقياسات المستندة إلى المقدمات الضرورية" انتهى". و ظاهر كلام المصنف أن الإفاضة من المبدأ الفياض، و ليس من فعل النفس بالتوليد كما ذهب إليه المعتزلة. و قال صاحب الفوائد المدنية (رحمه الله): هنا إشكال كان لا يزال يخطر ببالي من أوائل سني، و هو أنه كيف تقول بأن التصديقات فائضة من الله تعالى على النفوس الناطقة، و منها كاذبة و منها كفرية، هذا إنما يتجه على رأي جمهور الأشاعرة القائلين بجواز العكس بأن يجعل الله كل ما حرمه واجبا و بالعكس، المنكرين للحسن و القبح الذاتيين، لا على رأي محققيهم، و لا على رأي المعتزلة، و لا على رأي أصحابنا؟ و الجواب أن التصديقات الصادقة فائضة على القلوب بلا واسطة أو بواسطة ملك، و هي تكون جزما أو ظنا، و التصديقات الكاذبة تقع في القلوب بإلهام الشيطان، و هي لا تتعدى الظن و لا تبلغ إلى حد الجزم، و في الأحاديث تصريحات بأن من جملة نعماء الله تعالى على بعض عبادة أنه يسلط ملكا يسدده و يلهمه الحق، و من جملة غضب الله على بعض أنه يخلى بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و بأن الله تعالى يحول بين المرء و بين أن يجزم جزما باطلا" انتهى". و على ما ذكره يكون المراد بالمعرفة العلم اليقيني المطابق، و الجهل يشمل البسيط و المركب، و نسبته إليه سبحانه من جهة التخلية، و لا يرد على شيء من تلك الوجوه عدم معاقبة الكفار و المخالفين على عقائدهم الباطلة، لأنهم إما موقنون في أنفسهم منكرون ظاهرا فيعاقبون على الإنكار أو غير موقنين لتقصيرهم في المبادئ، فلذا يعاقبون. و يؤيده ما رواه الصدوق في التوحيد عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (عليه السلام) اختلف الناس جعلت فداك بالعراق في المعرفة و الجحود، فأخبرني جعلت فداك أ هما مخلوقان؟ فكتب (عليه السلام): اعلم رحمك الله أن المعرفة من صنع الله عز و جل في القلب مخلوقة، و الجحود صنع الله في القلب مخلوق، و ليس للعباد فيهما من صنع، فلهم فيهما الاختيار من الاكتساب، فبشهوتهم الإيمان اختاروا المعرفة، فكانوا بذلك مؤمنين عارفين، و بشهوتهم الكفر اختاروا الجحود فكانوا بذلك كافرين جاحدين ضلالا، و ذلك بتوفيق الله لهم و خذلان من خذله الله، فبالاختيار و الاكتساب عاقبهم الله و أثابهم، إلى آخر الخبر. إذ ظاهره أن المفيض للمعارف هو الرب تعالى، و للنظر و التفكر و الطلب مدخل فيها، و إنما يثابون و يعاقبون بفعل تلك المبادئ و تركها، و يحتمل أن يكون المعنى أن المعرفة ليست إلا من قبله تعالى، إما بإلقائها في قلوبهم أو ببيان الأنبياء و الحجج (عليهم السلام)، و إنما كلف العباد بقبول ذلك و إقرارهم به ظاهرا و تخلية النفس قبل ذلك لطلب الحق عن العصبية و العناد، و عما يوجب الحرمان عن الحق من تقليد أهل الفساد، فهذا هو المراد بالاختيار من الاكتساب، ثم بين (عليه السلام) أن لتوفيق الله و خذلانه أيضا مدخلا في ذلك الاكتساب أيضا كما مر تحقيقه. الثاني: أن يخص بمعرفة الخالق و الإقرار بوجوده سبحانه، فإنها فطرية كما عرفت، و روي في قرب الإسناد من معاوية بن حكيم عن البزنطي قال: قلت للرضا (عليه السلام): للناس في المعرفة صنع؟ قال: لا، قلت: لهم عليها ثواب؟ قال: يتطول عليهم بالثواب كما يتطول عليهم بالمعرفة، و روي في المحاسن بسند صحيح عن صفوان قال: قلت للعبد الصالح: هل في الناس استطاعة يتعاطون بها المعرفة؟ قال: لا، إنما هو تطول من الله، قلت: أ فلهم على المعرفة ثواب إذا كان ليس لهم فيها ما يتعاطونه بمنزلة الركوع و السجود الذي أمروا به ففعلوه؟ قال: لا إنما هو تطول من الله عليهم و تطول بالثواب. و في الصحيح أيضا عن زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عز و جل: " وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىٰ أَنْفُسِهِمْ" قال: كان ذلك معاينة فأنساهم المعاينة و أثبت الإقرار في صدورهم، و لو لا ذلك ما عرف أحد خالقه و لا رازقه، و هو قول الله:" وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللّٰهُ". الثالث: أن يعم بحيث يشمل جميع أصول الدين، و يكون المراد أن الهداية إنما هو من الله سبحانه كما قال:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" لأن الله تعالى أعطى العقل و أقام الحجج على وجوده و علمه و قدرته و حكمته في الآفاق و الأنفس، ثم بعث الأنبياء (عليهم السلام) ليبينوا للناس ما لا يفي به عقولهم، و أيدهم بالمعجزات الباهرات، ثم نصب لهم الأوصياء فترجع أسباب الهداية كلها إليه سبحانه، و ليس للعباد فيها مدخلية تامة، و يكون المراد بالجهل الجهل ببعض الأمور كمن لم تقم عليه حجة من المستضعفين في الإمامة و غيرها، فيعذرهم أو بالجميع كالمجانين. الرابع: أن يكون المراد سوى ما يتوقف عليه العلم بحقية الرسل (عليهم السلام)، فالمراد أن ما سوى ذلك توقيفية يعرفها الله بتوسطهم (عليهم السلام) و لم يكلفهم تحصيلها بالنظر كما قررنا سابقا. الخامس: أن يكون المراد بالمعرفة كمالها، و بالجهل مقابله فإنهما بتوفيق الله سبحانه و خذلانه بأسباب راجعة إلى العبد كما دلت عليه الأخبار و شهدت به التجربة و الاعتبار. السادس: أن تحمل على العلم بالأحكام الشرعية ردا على المخالفين القائلين بجواز استنباطها بقياس العقول و استحساناتها، كما روى البرقي في المحاسن بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ليس على الناس أن يعلموا حتى يكون الله هو المعلم لهم، فإذا علمهم فعليهم أن يعلموا، و قد مضت الأخبار الدالة على النهي عن

الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ اخْتِلَافِ الْحُجَّةِ عَلَى عِبَادِهِ

✨ بحث المكتبة الذكيّ
✨ إجابة من نصوص المكتبة
جوابٌ مُولَّد من نصوص المكتبة المعصومة وفق قواعدها؛ راجِع النصوص أدناه للتثبّت.