عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبَانٍ الْأَحْمَرِ عَنْ حَمْزَةَ بْنِ الطَّيَّارِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)قَالَ قَالَ لِي اكْتُبْ فَأَمْلَى عَلَيَّ إِنَّ مِنْ قَوْلِنَا إِنَّ اللَّهَ يَحْتَجُّ عَلَى الْعِبَادِ بِمَا آتَاهُمْ وَ عَرَّفَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ فَأَمَرَ فِيهِ وَ نَهَى أَمَرَ فِيهِ بِالصَّلَاةِ وَ الصِّيَامِ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ الحديث الرابع: حسن موثق. قوله (عليه السلام): اكتب، يدل على استحباب كتابة الحديث و لعل الأمر هنا للاعتناء بشأن ما يمليه لئلا ينسى شيئا منه، و الإملاء الإلقاء على الكاتب ليكتب، و أصله من المضاعف فأبدل الثاني ياء، كما قال تعالى على الأصل:" وَ لْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ"" بما آتاهم" أي من العقول" و عرفهم" و لعل المراد هنا معرفة الله سبحانه التي عرفها العباد بفطرهم عليها، أو بنصب الدلائل الواضحة في الآفاق و الأنفس عليها، و يدل عليه قوله (عليه السلام): ثم أرسل إليهم، فإن إرسال الرسول إنما يتأخر عن هذا التعريف" و أنزل عليهم" و في التوحيد" عليه" بإرجاع الضمير إلى الرسول و خص الصلاة و الصيام بالذكر لأنهما من أعاظم أركان الإيمان و الإسلام، فنام رسول الله (صلى الله عليه و آله) هذا النوم رواه العامة و الخاصة أنه (صلى الله عليه و آله) نام في المعرس حتى طلعت الشمس، و من أنكر سهو النبي لم ينكر هذا كما ذكره الشهيد (ره) لكنه ينافي ظاهرا ما عد من خصائصه (صلى الله عليه و آله) أنه كان ينام عينه و لا ينام قلبه، فيلزم ترك الصلاة متعمدا. و أجيب عنه بوجوه:" الأول" أن المراد لا ينام قلبه في الأكثر و هذه الإنامة كانت لمصلحة فكان كنوم الناس. الثاني: ما ذكره بعض العامة أن المراد أنه لا يستغرقه النوم حتى يصدر منه الحدث. الثالث: ما قال بعضهم أيضا إنه (صلى الله عليه و آله) أخبر أن عينيه تنامان و هما اللتان نامتا هيهنا، لأن طلوع الفجر يدرك بالعين لا بالقلب، و لا يخفى ما فيه إذ ظاهر صلى الله عليه وآله وسلم عَنِ الصَّلَاةِ فَقَالَ أَنَا أُنِيمُكَ وَ أَنَا أُوقِظُكَ فَإِذَا قُمْتَ فَصَلِّ لِيَعْلَمُوا إِذَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ كَيْفَ يَصْنَعُونَ لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا نَامَ عَنْهَا هَلَكَ وَ كَذَلِكَ الصِّيَامُ أَنَا أُمْرِضُكَ وَ أَنَا أُصِحُّكَ فَإِذَا شَفَيْتُكَ فَاقْضِهِ- ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ(عليه السلام)وَ كَذَلِكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ لَمْ تَجِدْ أَحَداً فِي ضِيقٍ وَ لَمْ تَجِدْ أَحَداً إِلَّا وَ لِلَّهِ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ وَ لِلَّهِ فِيهِ الْمَشِيئَةُ وَ لَا أَقُولُ إِنَّهُمْ مَا شَاءُوا صَنَعُوا ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ يَهْدِي وَ يُضِلُّ أن الغرض اطلاعه (عليه السلام) على ما يخفى على النائم، سواء كان مما يدرك بالعين أم لا كما يدل عليه قصة ابن أبي رافع و غيرها، و أوردناها في الكتاب الكبير. الرابع: ما يخطر بالبال و هو أنه (صلى الله عليه و آله) لم يكن مكلفا بالعمل بما يعلمه من غير الجهات التي يعلم بها سائر الخلق، لأنه (صلى الله عليه و آله) كان يعلم كفر المنافقين و لم يكن مأمورا بالعمل بما يقتضيه هذا العلم من قتلهم و الاجتناب عنهم و عدم مناكحتهم و غيرها من الأحكام، و كان الأئمة (عليه السلام) يعلمون كون السم في الطعام أو الذهاب إلى العدو يوجب القتل أو هزيمة الأصحاب و لم يكونوا مكلفين بالعمل بهذا العلم، فلا يبعد أن يكون مع العلم بالفجر الصلاة ساقطة عنه أو مأمورا بتركها لتلك المصلحة، و يمكن أن يعد هذا الوجه الأخير جوابا خامسا و سيأتي بعض القول فيه في كتاب الصلاة إن شاء الله تعالى. قوله تعالى: أنا أنمتك، في بعض النسخ أنيمك على صيغة المضارع كما في التوحيد و هو أصوب، و هذا الكلام و ما بعده لبيان أن الله تعالى لم يضيق على العباد في التكاليف بل وسع عليهم فيها، فكيف يتوهم أنه جبرهم على المعاصي أو كلفهم ما لا يعلمون أو لا يطيقون؟ و قوله (عليه السلام): و لله عليه الحجة، كالدليل على ذلك، فإنه لا حجة على المجبور و لا على الجاهل لكونهما معذورين، و قوله: و لله فيه المشية، إشارة إلى نفي التفويض كما عرفت، كما صرح به بقوله: و لا أقول إنهم ما شاء و اصنعوا، بل لا بد من إذنه تعالى و توفيقه أو خذلانه و تخليته كما مر، أو المراد نفي التفويض بمعنى عدم الحصر بالأمر و النهي، و هو بعيد. " إن الله يهدي و يضل" قيل: أي يثيب و يعاقب أو يرشد في الآخرة إلى طريق الجنة و النار للمطيع و العاصي كما قيل في قوله تعالى:" سَيَهْدِيهِمْ وَ يُصْلِحُ بٰالَهُمْ" أو ينجي و يهلك كما فسر قوله تعالى:" لَوْ هَدٰانَا اللّٰهُ لَهَدَيْنٰاكُمْ" بالنجاة و فسرت الضلالة في قوله تعالى:" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمٰالَهُمْ" و في قوله:" أَ إِذٰا ضَلَلْنٰا" بالهلاك أو يكون نسبة الهداية و الإضلال إليه مجازا باعتبار أقداره على الخيرات و المعاصي، و الأظهر أن المراد بهما التوفيق للخيرات لمن يستحقه، و سلبه و خذلانه ممن لا يستحقه كما مر. و قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد: الإضلال إشارة إلى خلاف الحق و فعل الضلالة، و الإهلاك و الهدى مقابل، و الأولان منفيان عنه تعالى، و قال العلامة (قدس سره) في الشرح: يطلق الإضلال على الإشارة إلى خلاف الحق و البأس الحق بالباطل، كما تقول: أضلني فلان عن الطريق إذا أشار إلى غيره، و أوهم أنه هو الطريق و يطلق على فعل الضلالة في الإنسان كفعل الجهل فيه، حتى يكون معتقدا خلاف الحق، و يطلق على الإهلاك و البطلان كما قال الله تعالى:" فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمٰالَهُمْ" بمعنى فلن يبطلها، و الهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني، فيقال بمعنى أعمالهم" بمعنى فلن يبطلها، و الهدى يقال لمعان ثلاثة مقابلة لهذه المعاني، فيقال بمعنى نصب الدلالة على الحق كما تقول: هداني إلى الطريق، و بمعنى فعل الهدى في الإنسان حتى الدلالة على الحق كما تقول: هداني إلى الطريق، و بمعنى فعل الهدى في الإنسان حتى يعتقد المشي على ما هو به، و بمعنى الإثابة كقوله تعالى:" سَيَهْدِيهِمْ" يعني سيثيبهم و الأولان منفيان عنه تعالى بمعنى الإشارة إلى خلاف الحق و فعل الضلالة، لأنهما قبيحان و الله تعالى منزه عن فعل القبيح، و أما الهداية فإن الله نصب الدلالة على الحق و فعل الهداية الضرورية في العقلاء و لم يفعل الإيمان فيهم لأنه كلفهم به و يثيب على الإيمان، فمعاني الهداية صادقة في حقه تعالى إلا فعل ما كلف به، و إذا قيل: إن الله تعالى يهدي و يضل، فإن المراد به أنه يهدي المؤمنين بمعنى أنه يثيبهم، و يضل العصاة بمعنى أنه يهلكهم و يعاقبهم، و قول موسى (عليه السلام):" إِنْ هِيَ إِلّٰا فِتْنَتُكَ" فالمراد بالفتنة الشدة و التكليف الصعب،" تُضِلُّ بِهٰا مَنْ تَشٰاءُ" أي تهلك من تشاء و هم الكفار" انتهى". و قال الفاضل المحدث الأسترآبادي (ره) في حاشيته على هذا الحديث: يجيء في باب ثبوت الإيمان أن الله خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون إيمانا بشريعة و كفرا بجحود، ثم بعث الله الرسل يدعو العباد إلى الإيمان به، فمنهم من هدى الله و منهم من لم يهد الله، و أقول: هذا إشارة إلى الحالة التي سمتها الحكماء العقل الهيولاني و معنى الضال هو الذي انحرف عن صوب الصواب و لما لم يكن قبل إرسال الرسل و إنزال الكتب صوب صواب امتنع حينئذ الانحراف عنه، و لما حصل أمكن ذلك، فيكون الله تعالى سببا بعيدا في ضلالة الضال، و هذا هو المراد بقوله (عليه السلام):" يضل". و قال في الفوائد المدنية: و أما أنه تعالى هو المضل فقد تواترت الأخبار عنهم (عليهم السلام) بأن الله يخرج العبد من الشقاوة إلى السعادة و لا يخرجه من السعادة إلى الشقاوة، فلا بد من الجمع بينهما، و وجه الجمع كما يستفاد من الأحاديث و إليه ذهب ابن بابويه: أن من جملة غضب الله تعالى على العباد أنه إذا وقع منهم عصيان ينكت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب و أناب يزيل الله تعالى تلك النكتة، و إلا فتنتشر تلك النكتة حتى تستوعب قلبه كله، فحينئذ لا يرد قلبه إلى موضعه دليل. لا يقال: من المعلوم أنه مكلف بعد ذلك، فإذا امتنع تأثر قلبه بكون تكليفه بالطاعة من قبيل التكليف بما لا يطاق؟. لأنا نقول: من المعلوم أن انتشار النكتة لا ينتهي إلى حد تعذر التأثر، و مما يؤيد هذا المقام ما اشتمل عليه كثير من الأدعية المأثورة عن أهل بيت النبوة صلوات الله عليهم من الاستعاذة بالله من ذنب لا يوفق صاحبه للتوبة بعده أبدا. ثم أقول: هيهنا دقيقة أخرى و هي أنه يستفاد من قوله تعالى:" وَ هَدَيْنٰاهُ النَّجْدَيْنِ" أي نجد الخير و نجد الشر، و من نظائره من الآيات و الروايات، و من قوله تعالى:" أَنَّ اللّٰهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ" و من نظائره من الآيات و الروايات أن تصوير النجدين و تمييز نجد الخير من نجد الشر من جانبه تعالى، و أنه تعالى قد يحول بين المرء و بين أن يميل إلى الباطل، و قد لا يحول و يخلي بينه و بين الشيطان ليضله عن الحق و يلهمه الباطل، و ذلك نوع من غضبه، و يتضرع على اختيار العبد العمى بعد أن عرفه الله تعالى نجد الخير و نجد الشر، فهذا معنى كونه تعالى هاديا و مضلا، و بالجملة أن الله يقعد أولا في أحد أذني قلب الإنسان ملكا، و في أحد أذنيه شيطانا ثم يلقى في قلبه اليقين بالمعارف الضرورية، فإن عزم الإنسان على إظهار تلك المعارف و العمل بمقتضاها يزيد الله في توفيقه، و إن عزم على إخفائها و إظهار خلافها يرفع الملك عن قلبه و يخلي بينه و بين الشيطان ليلقي في قلبه الأباطيل الظنية، و هذا معنى كونه تعالى مضلا لبعض عباده" انتهى". و قال بعض المحققين في جواب استدلال الأشاعرة بقوله تعالى:" يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ" على مذهبهم الفاسد: هذا مدفوع بما فصله الأصحاب في تحقيق معنى الهداية و الضلالة، و حاصله أن الهدى يستعمل في اللغة بمعنى الدلالة و الإرشاد نحو" إِنَّ عَلَيْنٰا لَلْهُدىٰ" و بمعنى التوفيق نحو" وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زٰادَهُمْ هُدىً" و بمعنى الثواب نحو" إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمٰانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهٰارُ" و بمعنى الفوز و النجاة نحو" لَوْ هَدٰانَا اللّٰهُ لَهَدَيْنٰاكُمْ" وَ قَالَ وَ مَا أُمِرُوا إِلَّا بِدُونِ سَعَتِهِمْ وَ كُلُّ شَيْءٍ أُمِرَ النَّاسُ بِهِ فَهُمْ يَسَعُونَ لَهُ وَ كُلُّ شَيْءٍ لَا يَسَعُونَ لَهُ فَهُوَ مَوْضُوعٌ عَنْهُمْ وَ لَكِنَّ النَّاسَ لَا خَيْرَ فِيهِمْ ثُمَّ تَلَا عليه السلام لَيْسَ و بمعنى الحكم و التسمية نحو" أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللّٰهُ" يعني أ تريدون أن تسموا مهتديا من سماه الله ضالا، و حكم بذلك عليه. و الإضلال يأتي على وجوه:" أحدهما" الجهل بالشيء يقال: أضل بعيره إذا جهل مكانه" و ثانيها" الإضاعة و الإبطال يقال: أضله أي إضاعة و أبطله، و منه قوله تعالى:" أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ" أي أبطلها" و ثالثها" بمعنى الحكم و التسمية يقال أضل فلان فلانا أي حكم عليه بذلك، و سماه به" و رابعها" بمعنى الوجدان و المصادفة، يقال: أضللت فلانا أي وجدته ضالا، كما يقال: أبخلته أي وجدته بخيلا، و عليه حمل قوله تعالى:" وَ أَضَلَّهُ اللّٰهُ عَلىٰ عِلْمٍ" أي وجده ضالا و حمل أيضا على معنى الحكم و التسمية و على معنى العذاب" و خامسها" أن يفعل ما عنده يضل و يضيفه مجازا لأجل ذلك كقوله تعالى:" يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً" أي يضل عنده كثير" و سادسها" أن يكون متعديا إلى مفعولين نحو" فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا"" لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ" و هذا هو الإضلال بمعنى الإغواء و هو محل الخطاب بيننا و بينهم، و ليس في القرآن و لا في السنة شيء يضاف إلى الله تعالى بهذا المعنى" انتهى". " و ما أمروا إلا بدون سعتهم" أي أقل من طاقتهم، بل السعة أوسع من الطاقة و هو يتضمن السهولة، و يحتمل أن يكون- دون- بمعنى- عند-" و لكن الناس لا خير فيهم" إذ وسع عليهم هذه التوسعة، و مع ذلك لا يطيعونه، أو المراد أن ما لم يقع عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ مٰا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ فَوُضِعَ عَنْهُمْ- مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ- وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قَالَ فَوُضِعَ عَنْهُمْ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ من المأمور به ليس لأنهم لا يسعون بل لأنه لا خير فيهم، و يحتمل أن يكون المراد بالناس العامة المجبرة حيث ينسبون ربهم إلى الجور و الظلم، مع هذه التوسعة التي جعلها الله في التكاليف. و قيل: المعنى المخالفون لا خير فيهم، حيث تمسكوا في أصول الدين و فروعه بمفتريات أوهامهم، و تركوا اتباع من جعله الله مبينا و هاديا لهم" ثم تلا (عليه السلام)" استشهادا لقوله: لم تجد أحدا في ضيق، و قوله: و ما أمروا إلا بدون سعتهم" لَيْسَ عَلَى الضُّعَفٰاءِ وَ لٰا عَلَى الْمَرْضىٰ وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ لٰا يَجِدُونَ" لكمال فقرهم" مٰا يُنْفِقُونَ" في سبيل الجهاد" حَرَجٌ" فوضع عنهم تكليف الخروج و الحرج و الإثم للقعود عن الجهاد و التأخر عن الخروج" مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ" و هم الضعفاء و المرضى" مِنْ سَبِيلٍ" إلى معاتبتهم و مؤاخذتهم و تكليفهم ما ليس في وسعهم، و إنما وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على أن اتصافهم بصفة الإحسان و دخولهم في المجاهدين بالقلب و اللسان، و إن تخلفوا عنهم بالأبدان صار منشأ لنفي الحرج عنهم كما قال سبحانه:" إِذٰا نَصَحُوا لِلّٰهِ وَ رَسُولِهِ. وَ اللّٰهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" يغفر لهم خطيئاتهم و لا يكلفهم بما لا يطيقون" وَ لٰا عَلَى الَّذِينَ إِذٰا مٰا أَتَوْكَ" من فقراء الصحابة" لِتَحْمِلَهُمْ" إلى الجهاد بتحصيل الراحلة و الزاد لينفروا معك" قُلْتَ لٰا أَجِدُ مٰا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَ أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّٰا يَجِدُوا مٰا يُنْفِقُونَ" قال: فوضع عنهم الجهاد و الحرج لأنهم لا يجدون ما يركبون و ما ينفقون. قيل: و المقصود من ذكر الآية أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، فكيف يكلف الناس على اختلاف عقولهم و أهوائهم أن يكتسبوا المعارف و الأحكام بأوهامهم، و لا يبين لهم ذلك بهاد يهديهم و مرشد يرشدهم، و الله يعلم حقائق الأمور.
الكافي — كتاب التوحيد · بَابُ حُجَجِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ